فهرس الكتاب

الصفحة 2107 من 2255

من خلال هذا الذي تقدم نقول: الصراع بين الحضارات قائم وموجود لا مجال لنكرانه، وهو في حقيقته صراع بين المفاهيم والتصورات والقيم والمبادئ .. والعقائد .. المتناقضة المتضاربة .. والتي تحدد معالم وطريقة الحياة لكل حضارة أو أمة من تلك الحضارات أو الأمم.

هو صراع وتدافع بين مفاهيم وقيم الشر والظلم والطغيان وأتباعها من جهة وبين مفاهيم وقيم الخير والحق والعدل وأتباعها من جهة أخرى.

هو صراع بين التوحيد وأهله من جهة، وبين الشرك والكفر والجحود وأهله من جهة أخرى.

هذا النوع من الصراع والتدافع بين الحق والباطل .. بين التوحيد والشرك .. وبين العدل

والظلم .. وبين الفساد والدمار وحب السلام والإعمار .. هو المراد من صراع الحضارات .. وهذا النوع من الصراع قائم وموجود منذ أن خلق الله تعالى إبليس .. وآدم ( .. وجعل أحدهما عدوًا للآخر .. ومنذ أن قدر وجود الخير والشر في الأرض .. بل في النفس الواحدة للإنسان نجد أن الله تعالى قد قدر فيها نوازع الخير والشر معًا .. وخلق في الوجود المتناقضات والأضداد .. وسيبقى هذا الصراع بين الأضاد والمتناقضات ما شاء الله تعالى .. وإلى أن يرث الله الأرضَ ومن عليها .. لا يمكن أن تستقيم الحياة في الأرض ولا أن تسلم من الدمار والخراب من دونه .. ولا أن تنجو السفينة من الغرق والهلاك من دونه!

... هؤلاء الذين يتشبعون بما لم يُعطَوا فيزعمون أنهم يريدون إيقاف صراع الحضارات .. يُقال لهم: أوقفوا إبليس وجنده عن الكيد والتآمر، والفتنة، والفساد في الأرض إن استطعتم .. ضعوا نهاية لإبليس وجنده إن استطعتم .. فإن لم تستطيعوا ولن تستطيعوا .. فكيف تستشرفون مهمة إيقاف صراع الحضارت .. وأنتم تعلمون أن حضارات معاصرة كاملة قائمة على عبادة الشيطان، وعلى حكم وشرع وقيم الشيطان؟!

هذه حقيقة ساطعة ظاهرة قد دلت عليها جميع الأدلة النقلية والعقلية والواقعية .. لا خفاء فيها ولا غموض، ينبغي التسليم بها .. إذ لا يجوز تجاهلها أو إلغاؤها أو التغاضي عنها، أو عدم اعتبارها عند حصول أي عملية تدافع وصراع وتنافر بين الحضارات أو بين قوى الخير والشر .. أو بين جند الله من جهة وجند الشيطان من جهة أخرى، كما قال تعالى:( الَّذِينَ آمَنُواْ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُواْ أَوْلِيَاء الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا (النساء:76.

ـ الأدلة النقلية على وجود الصراع بين الحضارات.

هذا الصراع والتدافع ابتدأ ـ كما قلنا من قبل ـ منذ أن خلق الله تعالى آدم ( وبين له ولذريته أن عدوه إبليس وكل من يدخل في حزبه وجنده من شياطين الإنس والجن، ليحذره ويجتنبه ويتخذه عدوًا، كما قال تعالى:( فَقُلْنَا يَا آدَمُ إِنَّ هَذَا ( أي إبليس ( عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى (طه:117. وقد نهاه ربه ـ لحكمة يشاؤها ـ عن أن يأكل من شجرة محددة من شجر الجنة، كما قال تعالى:( وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلاَ مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ (الأعراف:19. إلا أن عدوه إبليس أبى إلا أن يمكر ويكيد عسى أن يحمل آدم على المخالفة والمعصية فيشقى:( فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَّا يَبْلَى (طه:120. وفي سورة الأعراف:( فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِن سَوْءَاتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلاَّ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ (الأعراف:20. فحصل الإصغاء من آدم لموعظة ونصيحة عدوه إبليس .. فأكل من الشجرة ووقع في العصيان والشقاء والبلاء والعذاب وحصل الهبوط إلى الأرض .. لتستمر العداوة ويستمر الصراع والتدافع بين حضارة إبليس وجنده وقيمهم الباطلة الفاسدة الظالمة من جهة وبين حضارة الإيمان التي تنشأ على أيدي من آمن بالله تعالى من ذرية آدم واتبع المرسلين، كما قال تعالى:( فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى (طه:121. وقال تعالى: (فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (البقرة:36. وفي سورة الأعراف:( قَالَ اهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (الأعراف:24. وقال تعالى:( قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (طه:123. وقال تعالى:( إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ (فاطر:6.

هكذا كان ـ منذ القدم ـ مبدأ الصراع بين الحق والباطل .. وهكذا هو مستمر إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها .. فما من نبي أرسله الله تعالى ليصلح ما أفسده الشيطان وجندُه في الأرض .. إلا ويتصدى له عدو من المجرمين المستكبرين، من أتباع وحزب الشيطان .. يصده عن دعوته وإصلاحه .. بحجة المحافظة على الدين والقيم والمفاهيم والعادات التي نشأوا وتربوا عليها .. وأن الأنبياء يدعون إلى قيم حضارية تختلف مع قيمهم ومبادئهم التي أقاموا حضارتهم على أساسها، ووجدوا آباءَهم عاكفين عليها!

كما في قوله تعالى:( وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ (غافر:26. فعلل فرعون رغبتَه في قتل موسى ( ومن آمن معه في خوفه من أن موسى ( يريد أن يبدل دين قوم وأتباع فرعون؛ أي يبدل طريقتهم في العيش والحياة، ويبدل مفاهيمهم، وقيمهم التي اعتادوها وتربوا عليها، والقائمة على العبودية والخدمة لفرعون وقصره .. وأنه ـ أي موسى ( ـ ما أراد بذلك التغيير والتبديل إلا الفساد في الأرض .. وهي ذريعة طواغيت الأرض كلهم من قبل ومن بعد في رد الحق وتهييج الرعاع والعامة ضده .. فما من طاغية إلا وتراه يبرر جرائمه في قتال وقتل المؤمنين ـ أتباع وورثة الأنبياء والرسل ـ بأن المؤمنين من دعاة الفساد .. وأنه بقتاله وقتله لهم يريد أن يمنع فسادهم في الأرض .. وهو في حقيقته يكون رأسًا في الفساد والإجرام والطغيان.

قال ابن كثير في التفسير:( إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ ( يعني موسى؛ يخشى فرعون أن يُضل موسى الناس ويغير رسومهم وعاداتهم، وهذا كما يُقال في المثل: صار فرعون مذكِّرًا؛ يعني واعظًا يُشفق على الناس من موسى ( ا- هـ. وما أسوأ وأقبح وأوقح من الطغاة المجرمين الآثمين عندما يرتدون ثوب الوعظ والوعاظ .. وما أكثرهم في زماننا!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت