وكذلك قوله تعالى:( قَالُوا إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَن يُخْرِجَاكُم مِّنْ أَرْضِكُم بِسِحْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى (طه:63. فقوله( وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى (؛ وإن قيلت على لسان سحرة فرعون .. ويعنون بالطريقة السحر وما هم فيه من ملك وجاه ورياسة بسبب شعوذتهم وسحرهم وكفرهم .. إلا أن هذه المقولة تعتبر الذريعة الأكبر لجميع طواغيت الأرض ـ
على مرِّ جميع عصورهم ـ لرد الحق، ومحاربته، ومحاربة أهله!
ومن صور عداء الملأ من الشعوب السالفة ما قاله تعالى عن الملأ من قوم شعيب وعن موقفهم من شعيب ( ودعوته، كما في قوله تعالى:( قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ (الأعراف:88. فعللوا سبب صراعهم وخلافهم مع شعيب ( ومن آمن معه أنهم على ملة ودين وطريقة غير ملتهم ودينهم وطريقتهم .. وبالتالي فإن الصراع قائم ومستمر .. ولا يقف إلا بإحدى أمرين: إما بعودة شُعيب ومن آمن معه عن دينهم، والدخول في دين وملة وطريقة وتقاليد الملأ .. ومشاركتهم فيما هم فيه من فساد وضلال وانحراف .. أو الطرد والإخراج من القرية .. بحيث لا يرى أحدهما الآخر.
وهذا الذي قاله الملأ من قوم شُعيب لنبي الله شُعيب قاله الكفار المجرمون لرسل الله وأتباعهم على مرِّ التاريخ والأزمان، كما قال تعالى:( وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ (إبراهيم:13. فالصراع كما هو واضح ليس حول التكنولوجيا ولا حول الصناعات .. وما يُمكن أن يخترعه الإنسان من وسائل تعينه على البناء والعمران .. وإنما على المبادئ والعقائد والملة .. والمفاهيم .. والقيم التي تحدد طريقة العيش والحياة .. والنظام الذي يحكم البلاد والعباد .. فجميع الذين كفروا عبر تاريخهم كله قالوا لجميع الرسل ـ عبر تاريخهم كله ومن دون استثناء ـ ولمن آمن معهم ( لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا (، أي في ديننا، ومفاهيمنا .. وقيمنا .. وعاداتنا .. وطريقتنا في العيش والحياة .. التي لا نرضى أن تنضبط إلا بالضابط الذي نهواه ونشتهيه.
وكذلك قوم لوط .. ما نقموا من لوط ( ومن آمن معه إلا أنهم لا يأتون الرجال شهوة مثلهم .. وأنهم لا يقترفون الفواحش .. وأنهم أناس يتطهرون .. وهذا بخلاف ما هم عليه من الفسوق والفجور .. والعادات السيئة، كما قال تعالى عنهم:( فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ ( لماذا .. ما هو السبب .. ما هي الجريمة التي ارتكبوها والتي على أساسها يستحقون الطرد والإخراج من البلاد .. ( إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ (النمل:56. وقيم الطهر والعفة لا تلتقي ولا تتعايش مع قيم الفجور والفسوق والعصيان .. لا بد من إخراج وطرد أحدهما للآخر؛ فمنظر الطهر والعفة والحشمة والحجاب يؤذي أنظار المجرمين الفاسقين؛ لأنه يذكرهم بسوء حالهم وحقيقة الدرك الذي هم فيه .. لذا كان جوابهم حاسمًا قاطعًا ( فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ (.
هذا الموقف الحاقد المتخلف للملأ من قوم لوط تجاه لوطٍ ( ومن آمن معه .. يتكرر في أبشع صوره في قرننا المعاصر؛ قرن الواحد والعشرين .. يتكرر في زمن الحريات والديمقراطيات المزعومة .. وفي أكثر المجتمعات زعمًا بأنها تحترم حقوق وحرية واختيار الإنسان .. إنها السُّنَن؛ سُنن اتباع الخلَف من المجرمين الفاسقين لسلفهم الطالح من الفاسقين المجرمين ..!
كم هي الدول والحكومات التي تزعم الرقي والتقدم والتحضر واحترام حقوق الإنسان وحرياته .. والتي تجبر النساء على خلع الحجاب .. وتمنعهن من دخول مؤسساتها وجامعاتها ومدارسها .. وهن مرتدين للحجاب!
قالوها بكل صراحة ووضوح .. أخرجوا من قريتكم وجامعاتكم ومدارسكم ومؤسساتكم .. كل فتاة طاهرة متحجبة .. فطهرها وحجابها يؤذينا .. نعم للحرية عندما تسير في اتجاه الإباحية، والعهر، والفجور، والفسوق والعري .. أما إن سارت في اتجاه الحشمة، والحجاب، والعفة، والطهر .. فلا للحرية، وألف لا[ (1)
(1) على سبيل المثال لا الحصر، من شروط الهجرة إلى هولندا ـ كما تناولت ذلك بعض وسائل الإعلام ـ أن يُشاهد المهاجر ـ ويعنون به المهاجر المسلم ـ فلمًا إباحيًا خلاعيًا من دون أن تظهر عليه علامات الصدمة أو الدهشة أو الاستغراب .. فإن ظهر عليه شيء من ذلك يرسب في الاختبار، ويرد طلبه، ويُطرد، ويُعاد إلى بلده .. وغرضهم من ذلك كما قالوا: أن يتأقلم المهاجر ـ وبخاصة المسلم ـ مع قيم وعادات المجتمع الهولندي!
وكذلك في الدولة الإلمانية من شروط قبول المهاجر المسلم وحتى يُسمح له الإقامة في البلد ويتجنس بجنسيتها يجب عليه أن ينجح في الإجابة عن ثلاثين سؤالًا، من هذه الأسئلة: كيف سيكون رد فعلك إذا قدم إليك ابنك الأكبر وقال إنه شاذ جنسيًا، ويعتزم الإقامة مع رجلٍ آخر؟ ماذا ستفعل كأب أو أخ إذا جاءت ابنتك أو شقيقتك للمنزل وقالت إنها تعرضت لتحرش جنسي؟ ما رأيك إذا تزوج رجل في ألمانيا بامرأتين في نفس الوقت؟ هل تسمح لابنتك أن تشارك في السباحة وممارسة الرياضة مع الآخرين، وإن كان الجواب لا، فلماذا؟ هل تُفضل عيادة طبيب أم طبيبة، ولماذا؟ وغيرها من الأسئلة التي إن أجاب عنها كما يريدون ويشتهون أُذن له بأن يُقيم في بلدتهم، وإن لم يجب عنها كما يشتهون ويريدون .. يرسب في الاختبار .. ويُمنع من الإقامة في بلدتهم ويُطرد منها ... والسؤال الذي يطرح نفسه: أليس فعلهم هذا هو نفس ما فعله قوم لوط من قبل لما قالوا لنبي الله تعالى لوط (:( أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ (؟!
ومن الأدلة النقلية الدالة كذلك على هذا النوع من التدافع والصراع قوله تعالى:( وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ (البقرة:217. فبين الله تعالى أن الكفار ـ في كل زمان وإلى يوم القيامة ـ لا يزالون يُقاتلون المؤمنين .. ويمكرون ويدبرون ضدهم .. لا لشيء سوى أن يردوهم عن دينهم وعقيدتهم .. وقيمهم .. ليدخلوهم في دين وقيم الكفر والشرك والفسوق .. فهذا النوع من الصراع والتدافع قائم ومستمر إلى يوم القيامة .. بنص كلام الله تعالى .. فمن رده وأراد أن يُبطله فهو يكذب الله تعالى، ويرد كلامه .. ومن يرد كلامه فقد كفر!
وكذلك قوله تعالى:( وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ (البقرة:109. فهذه الرغبة جامحة عامرة ـ لا يمكن مواراتها أو إنكارها ـ عند كفار ومشركي أهل الكتاب؛ وهي بأن يردوا المؤمنين بعد إيمانهم كفارًا ومشركين .. وماذا يعني صراع الحضارات ـ عند المشركين ـ غير هذا المعنى!