كما قال تعالى:( وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ (؛ مكر يتلوه مكر .. وكيد يتبعه كيد .. وهو ليس مكر الليل وحسب، أو مكر النهار وحسب، ثم يجد الممكور به شيئًا من الوقت يخلد فيه إلى الراحة والتأمل والتفكر .. لا؛ بل هو مكر متواصل على مدار الوقت يستغرق جميع أنفاس وأعمار الممكور بهم .. حتى لا يجدوا فرصة للتأمل ومحاسبة النفس والرجوع عن الغي والضلال .. ما غرضه، وما الغاية منه:( إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَن نَّكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَندَادًا (؛ هذا هو الغرض وهذا هو الهدف من مكر الليل والنهار الذي يمكرونه .. أن يكفر الناس بخالقهم .. وبالقيم والمبادئ والشرائع التي أمر الله بها وأوحاها على أنبيائه ورسله .. ويتخذوا من دونه أندادًا وشركاء يُطيعونهم ويُحبونهم كطاعتهم وحبهم لله ( .. لكن يوم القيامة ينكشف الغطاء، ويُعرف المكر والماكرين، والممكور بهم .. ويقع الندم، ولات حين مندم ( وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَجَعَلْنَا الْأَغْلَالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (سبأ:33.
وقال تعالى:( وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِّنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا (الفرقان:31. فقوله تعالى( لِكُلِّ نَبِيٍّ (؛ عام وشامل لجميع الأنبياء والرسل؛ إذ ما من نبي بعثه الله تعالى إلا وكان له عدو أو أعداء من المجرمين يحاربونه، ويصدون الناس عنه وعن دعوته .. وهذه العداوة مستمرة وممتدة لتشمل ورثة الأنبياء وكل من سلك على دربهم، وانتهج نهجهم من عباد الله المؤمنين.
وقال تعالى عن المنافقين والمنافقات:( الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُم مِّن بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ (التوبة:67. بينما قال تعالى عن المؤمنين والمؤمنات:( وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ (التوبة:71. فهذان فريقان متناقضان متغايران؛ أحدهما يأمر بالمنكر وينهى عن المعروف، والآخر يأتي بعكس ذلك تمامًا؛ فيأمر بالمعروف وينهى عن المنكر .. وبالتالي فإن عملية التصادم والتدافع فيما بينهما واقعة لا محالة لا يمكن تفاديها ولا تجاهلها، والدعوة للتعايش بسلام ووئام فيما بينهما هو من قبيل
القول بالشيء وضده في آنٍ معًا!
وكذلك قوله تعالى:( وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ (؛ أي لولا أن يدفع الله تعالى بمن يجاهد في سبيله من يجاهد في سبيل الطاغوت .. ويبغي في الأرض عوجًا وفسادًا( لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ ( أي لعم الفساد والخراب في الأرض بعلو الكافرين المجرمين، وبسط نفوذهم، وقانونهم، وباطلهم وفسادهم .. ومنعهم للمؤمنين الموحدين المصلحين أن يُظهروا دينهم ( وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ (البقرة:251. بأن أذن بالجهاد والتدافع؛ فيقذف المجرمين الكافرين وباطلهم بالمؤمنين الموحدين، كما قال تعالى:( بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ (الأنبياء:18. وقال تعالى:( وَقُلْ جَاء الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا (الإسراء:81.
ونحو ذلك قوله تعالى:( وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (الحج:40. وهذا ملاحظ جدًا .. فعندما يتخلف أهل الحق في الدفاع عن الحق .. ودفع الباطل عن باطله وعدوانه وغيه .. ويتخلفون عن الأخذ بسنة التدافع .. ويركنون إلى الدنيا .. يُسلَّط عليهم عدوهم .. ليهدم مساجدهم ومعابدهم .. ويُمنعون من أن يَذكروا اسم الله فيها .. وما أكثر الشواهد الدالة على ذلك .. فكم من مسجد حُوِّل على أيدي الظالمين المعتدين إلى متحف .. أو مرقص .. أو منزل لغاصب .. أو زريبة للحيوانات .. كما حصل ولا يزال يحصل في البلاد الإسلامية المحتلة من قِبل الاتحاد السوفيتي الشيوعي من قَبل .. وفي الأندلس .. وتركيا .. وفلسطين .. والشيشان، وغيرها من البلدان!
وفي الحديث فقد صح عن النبي ( أنه قال:"إذا تبايعتم بالعِينة، وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد، سلَّط الله عليكم ذلًا لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم" [(1) ] . هذا الذل يتحقق وينزل بالأمة بسبب ترك العمل بسنة التدافع، وترك الجهاد في سبيل الله.
وكذلك قوله (:"يُوشَكُ الأممُ أن تداعى عليكم كما تداعى الأكلةُ إلى قصعتها"، فقال قائل: ومن قِلة نحن يومئذٍ؟ قال: بل أنتم يومئذٍ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعنَّ اللهُ من صدور عدوكم المهابة منكم، وليقذفنَّ الله في قلوبكم الوهن"، فقال: يا رسول الله، وما الوهن؟ قال:"حُبُّ الدنيا، وكراهية الموت" [(2) ] . هذه هي نتائج ترك العمل بسنة التدافع، والركون إلى وهم تعايش الحضارات .. أن تداعى أمم الكفر والشرك والضلال على أمة الإسلام كما تداعى الأكلة إلى قصعتها .. وقد حصل ذلك .. وها نحن نراه يوميًا أمام أعيننا!"
وقال (:"مثل القائم على حدود الله والواقع فيها، كمثل قوم استهموا على سفينة، فأصاب بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها، فكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم، فقال الذين في أعلاها: لا ندعكم تصعدون فتؤذوننا، فقال الذين في أسفلها: لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقًا، ولم نؤذِ مَن فوقنا، فإن يتركوهم وما أرادوا هلكوا جميعًا، وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعًا"البخاري. وهذا مثل ضُرب لبيان أهمية العمل بسنة التدافع؛ دفع الباطل وأهله بالحق وأهله، فإن تُرك لأهل الباطل الحرية ـ تحت أي زعم كان ـ في أن يخرقوا السفينة .. ويُفسدوا في المجتمعات .. ومن دون أن ينكر عليهم أحد .. هلكوا جميعًا الصالحون والطالحون، والمذنب وغير المذنب، وإن أخذوا على أيديهم بالزجر والمنع والنهي .. وإن حصل نوع صدام وآلام وجراح .. نجوا جميعًا!
قال تعالى:( الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ (الحج:41. هذا هو الغرض من التمكين؛ تمكين المؤمنين في الأرض؛ أن يفردوا الله تعالى في العبادة، وأن يأمروا بالمعروف وينهوا عن المنكر .. فإن تعطل العمل بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .. فُقِد المبرر من التمكين.
وفي الأثر المشهور عن الصحابي ربعي بن عامر ( عندما قال لرستم قائد جيش الفرس، بعد أن سأله الآخر عن السبب من وراء خروجهم لقتال فارس:"لقد ابتعثنا الله لنخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة". هذه هي مبررات وغايات التمكين والصراع عند المسلمين؛ فهم لا يعرفون أطماعًا خاصة ولا شخصية .. كما هو الحال عند الآخرين .. بل هدفهم الأسمى تحرير العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد .. ليعيشوا جميعًا في سلم وسلام وعدل الإسلام.
ـ الأدلة العقلية على وجود الصراع بين الحضارات.