وكنتيجة لما تقدم كذلك فإن السلوك الإنساني في الحضارة الإسلامية يخضع للشعور والإيمان بمراقبة الله تعالى له والتي لا تغيب عنه لحظة واحدة .. وبالتالي فهو منضبط وملتزم بمبادئ وأخلاق دينه وحضارته في السر والعلن .. في الرضى والسخط .. وفي حال حضور الرقيب من البشر وفي حال غيابه، فالأمر عنده سيان .. بخلاف السلوك الإنساني في الحضارة الغربية النصرانية لا قيمة عنده لرقابة الله تعالى له .. وإنما القيمة كلها لرقابة الحاكم وجنده .. ورقابة قانونه .. ورقابة الكاميرات المسلطة عليه .. فهو يلتزم بالقانون وينضبط سلوكيًا ما شعر بمراقبة القانون والكاميرات له .. ويتهرب منه ومن تبعاته .. ويتحول إلى إنسانٍ آخر ومختلف .. ما شعر بغياب رقابة القانون والكاميرات عنه، وما أكثر الأوقات التي تغيب فيها رقابة القانون عن الناس؛ وهذا يعني أن الإنسان الغربي النصراني يفقد الوازع الذاتي الداخلي .. والرقابة الذاتية التي تحمله على الالتزام بما يُملى عليه من قوانين .. وأخلاقيات .. وسلوكيات إيجابية .. لذا فهو يحتاج إلى رقابة السلطات والكاميرات الخفية والظاهرة على مدار الوقت [ (1) ] !
ومنها: أن الحضارة الإسلامية قائمة على الموازنة بين الروح والمادة؛ وإعطاء كل جانب حقه من غير إفراط ولا تفريط .. بينما الحضارة الغربية النصرانية قائمة على الجانب المادي وحسب، وإلى درجة التخمة .. وبالتالي فهي تعاني من فراغ قاتل في الجانب الروحي .. وهو ما يفسر ظاهرة فشو القلق النفسي، والانتحار عند الإنسان الأوربي!
ومنها: أن الحضارة الإسلامية لها امتداد تاريخي حافل بالبذل والعطاء، والرقي والتسامح .. شهد به الأعداء قبل الأصدقاء .. يمر بجميع الأنبياء والرسل إلى أن ينتهي عند آدم ( .. فجميع حضارة الأنبياء .. وما تخللته حياتهم العظيمة من عطاء .. عبر تاريخهم كله وإلى يومنا هذا .. هي من الحضارة الإسلامية .. بينما حضارة الغرب النصراني مبتورة الأصل .. ليس لها ذاك التاريخ والامتداد، ولا ذاك العطاء المميز .. ولا ذاك التاريخ الحضاري الإنساني الذي يستطيعون أن يتماجدوا ويفتخروا به أمام أبنائهم .. بل ما من غزوة غَزَوها ويغزونها وإلا ويجدوا أنفسهم ـ ولو بعد حين ـ مضطرين للاعتذار عما ارتكبوه من جرائم ومجازر وفظائع لا تليق بالإنسان مهما كان متخلفًا .. وما جدالهم الآن عما ارتكبوه ولا يزالون يرتكبونه من انتهاكات صارخة لحقوق الإنسان في سجن جوانتنامو .. وأبو غريب في العراق .. وغيرها من السجون .. لأكبر شاهد ودليل عما ذكرناه!
راجع ما كُتب وقِيل عن الحروب الصليبية الأولى .. ثم راجع ما كتب وقيل عن الغزو الصليبي المعاصر واستعمارهم لبلاد المسلمين .. وكذلك عن المجازر الجماعية التي ارتكبتها أمريكا بحق سكانها الأصليين .. وبحق الأفارقة السود .. وما ترتكبه الآن ـ بتأييد ومباركة الغرب الصليبي ـ من مجازر وانتهاكات صارخة لكرامة الإنسان في أفغانستان، والعراق، وفلسطين، وغيرها من البلدان! [ (2) ] .
ـ هل للحضارة الغربية قيم حضارية معتبرة؟
فإن قيل: هل يعني ذلك أن الحضارة الغربية النصرانية لا توجد عندها قيم حضارية معتبرة؟
أقول: لا نستطيع أن نقول أن الحضارة الغربية تخلو من القيم الحضارية المعتبرة؛ لأن القول بذلك يعني انهيار الحضارة الغربية وزوالها كليًا عن الوجود .. لزوال مقومات وجودها .. لتصبح أثرًا بعد عين .. فهذا لا نقوله .. ولكن الذي نقوله ـ وهو ما يقتضيه العدل الذي يلزمنا به ديننا الحنيف ـ أن الحضارة الغربية المعاصرة ـ على ما تقدم ذكره من مآخذٍ أُخذت عليها ـ فإنها تتحلى ببعض القيم الأخلاقية الحضارية المعتبرة .. التي تمدها بالقوة والوجود، والحياة!
من هذه القيم: الالتزام بقيمة البحث العلمي التجريبي .. والنظام والتنظيم، واستغلال الوقت، والموارد الطبيعية والبشرية فيما ينفعهم في دنياهم .. والدقة في المواعيد .. والجودة في العمل .. وحب الاطلاع والاستكشاف العلمي، والإرادة القوية على النهوض والتقدم .. فهذه قيم حضارية معتبرة، وهي موجودة فيهم.
(1) قد تستغرب لو قيل لك أن محلًا طوله وعَرضه عشرون مترًا مربعًا فيه عشرات الكاميرات الخفية والظاهرة التي تُراقب الزبائن وهم يتسوقون ويشترون .. وهذا والناس مكتفون أغنياء لا يشكون الفقر ولا القِل!
(2) نشرت"BBC"في موقعها على الإنترنت مقالًا بعنوان"أساس نيويورك الإفريقي"، جاء فيه: تقع بقايا عشرين ألف رجل وامرأة تحت شوارع نيويورك المزدحمة لمدة تربو عن القرون الثلاثة في انتظار أن تروي قصة العبودية في المدينة ... ا- هـ. فأي تاريخ لحضارة تُشيِّدُ عمرانها على مقابر جماعية .. ومجازر ارتكبت بحق الآلاف من بني البشر، لا ذنب لهم سوى أن بشرتهم سوداء !
ومنها: قيم التعامل بالعدل والمساواة فيما بينهم .. فالجميع الحاكم والمحكوم .. والسيد والوضيع .. والقوي والضعيف .. يتساوون أمام قانونهم [ (1) ] .
ومنها: قيم الحرية والتسامح السائدة في بلادهم وفيما بينهم .. مع التنبيه أن جزءًا من الحريات السائدة في بلاد الغرب لا يمكن أن تُصنف كقيمة حضارية معتبرة؛ لآثارها السلبية والمدمرة على عقول وأخلاق وعطاء الشعوب!
ومنها: قيمة التضامن والتكافل الاجتماعي المعمول به في بلادهم وفيما بينهم؛ حيث لا تجد منهم المتسول ولا الفقير المعدوم، ولا المريض الذي لا يقدر على العلاج، إذ كل واحدٍ منهم ـ بسلطان القانون ـ يجب على الدولة أن توفر له المسكن .. والمأكل .. والملبس .. والعلاج .. والتعليم .. فهذه أساسيات لا تجد واحدًا منهم محرومًا منها.
ومنها: قيمة الاهتمام بالعمل المؤسساتي .. وقيمة العمل بمبدأ الشورى والتشاور فيما بينهم، وعلى جميع المستويات؛ إذ جميع قراراتهم تؤخذ بصورة جماعية .. بعد أن تأخذ حقها من التداول والنقاش والتشاور فيما بينهم .. لا يوجد عندهم فرد يصدر بمفرده قرارات تمس مصلحة الشعوب والمجتمع والدولة!
ومنها: قيمة محاسبة الحكام لو بدر من أحدهم أيُّ تقصير يمكن أن يتفادوه .. أو وقعوا في
الفساد الإداري، أو في الغش، والخيانة، والتصرف بأموال العامة لمصالحهم الخاصة الشخصية أو العائلية، أو الحزبية!
ما أسهل عليهم أن يقولوا لحاكمهم: من أين لك هذا .. وكيف اكتسبته .. وهذه قيمة حضارية راقية، حُرِمَها العالم الإسلامي ومنذ زمن!
ومنها: قيمة الانتصار للمظلوم من ظلم الحكام والملوك .. ولو بعد حين .. وهذا المعنى قد أشار إليه عمرو بن العاص ( قبل ألف وأربعمائة عامًا، مستنبطًا إياه من حديث سمعه عن النبي (، كما في صحيح مسلم: عن موسى بن عُلَيٍّ عن أبيه قال: قال المستورد القرشي عند عمرو بن العاص: سمعتُ رسول الله ( يقول:"تقوم الساعة والروم أكثرُ الناس". فقال له عمرو: أبصر ما تقول؟ قال: أقول ما سمعت من رسول الله (. قال: لئن قلت ذلك إن فيهم لخصالًا أربعًا: إنهم لأحلم الناس عند فتنة، وأسرعهم إفاقةً بعد مصيبة، وأوشكهم كرةً بعد فرّة، وخيرهم لمسكينٍ ويتيم وضعيف، وخامسةٌ حسنة جميلة: وأمنعهم من ظلم الملوك"."
قلت: هذه الخصال الحضارية التي أشار إليها عمرو بن العاص ( .. نلمسها فيهم في هذا الزمان بوضوح .. وهي ـ مع القيم الأخرى الآنفة الذكر ـ سبب في قوتهم وتفوقهم .. وتقدمهم العلمي والتكنولوجي .. كما أنها سبب في ظهورهم على الناس وخضوع العالم لدولهم وحكمهم وسياساتهم، وحكامهم!