قال الشيخ ناصر الدين الألباني في تعليقه على هذا الحديث، كما في مختصر صحيح مسلم:"قال صديق حسن خان في الشرح: لم يشرح النووي هذا الحديث ولم يبين المراد بـ ( الروم ) ، والظاهر أنهم النصارى، وهذه الخصال الخمسة موجودة فيهم، وهم ولاة الأمر اليوم في أكثر الأرض، وهذه معجزة ظاهرة للنبي ( حيث وقع ما أخبر به مطابقًا لنفس الأمر، ولله الأمر من قبل ومن بعد"ا- هـ.
قلت: هذا في زمان صديق حسن خان .. فكيف لو نظر إليهم وهم في زماننا .. وكيف أنهم قد سادوا على البلاد والعباد؟!
ـ لا أثر للقيم الحضارية في قيام الحضارات من دون أناسٍ يتبنونها، ويترجمونها في واقع الحياة.
ولكن نعود فنقول: هذه القيم الحضارية التي عُرفوا بها، رغم أن الإسلام يأمر بها، وهو السبّاق إلى تبنيها والدعوة إليها .. ولا نحيد عن الصواب والحقيقة لو قلنا أن الآخرين استفادوها منا ومن حضارتنا .. إلا أن المسلمين ـ في عصورهم المتأخرة ـ لما تخلفوا عنها وعن العمل بها .. وعملوا بغيرها وخلافها من القيم اللاحضارية .. وعمل بها غيرهم على ما هم عليه من كفر وغير ذلك مما تقدم من صفاتهم .. تخلف المسلمون عن قيادة الأمم والشعوب .. بل وعن قيادة أنفسهم كذلك ـ بعد أن كانوا بقيمهم الحضارية الإسلامية الراقية قادة للعالم أجمع ـ ليتولى مهمة القيادة
(1) ولكن هذا العدل مقصور على التعامل فيما بينهم داخل بلدانهم .. بخلاف تعاملهم مع الآخرين خارج بلدانهم، فهو قائم على العدوان، والظلم، والإرهاب .. والانتهاكات لأبسط مقومات حقوق الإنسان .. وما أكثر الشواهد المعاصرة الدالة على ذلك وقد تقدم ذكر بعضها .. بينما عدالة الإسلام فهي تلزم المسلمين بالعدل فيما بينهم ومع الآخرين ممن عاداهم وخاصمهم .. في داخل بلادهم وخارجها، وأينما حلوا وأقاموا، كما قال تعالى:( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (المائدة:8. من هنا تكمن القمة والعظمة للحضارة الإسلامية التي تلتزم العدل مع من خالفها وعاداها كما تلتزمه مع نفسها وأبنائها .. تلتزم العدل مع الآخرين في الرضى والسخط سواء.
والريادة غيرهم .. ولا حول ولا قوة إلا بالله!
الله تعالى لا يُحابي أحدًا حاشاه .. قد خلق الحياة وفق قوانين ونواميس محددة ثابتة لا تتغير ولا تتبدل، فمن أخذ بهذه النواميس وعمل بها وبمقتضاها وصل وبلغ القمم العالية وأدرك مراده وإن كان كافرًا، ومن تركها وتخلف عنها .. وتواكل .. لن يصل، وطاب له العيش في الذل والركام وبين الحُفر!
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في الفتاوى 28/146: إن الله يُقيم الدولة العادلة وإن كانت كافرة، ولا يُقيم الظالمة وإن كانت مسلمة. ويُقال: الدنيا تدوم مع العدل والكفر، ولا تدوم مع الظلم والإسلام، وقد قال (:"ليس ذنبٌ أسرع عقوبةً من البغي، وقطيعة الرحم"؛ فالباغي يُصرَع في الدنيا وإن كان مغفورًا له مرحومًا في الآخرة، وذلك أن العدل نظام كل شيء؛ فإذا أقيم أمر الدنيا بعدل قامت، وإن لم يكن لصاحبها في الآخرة من خلاق، ومتى لم تقم بعدلٍ لم تقم وإن كان لصاحبها من الإيمان ما يُجزى به في الآخرة ا- هـ.
... لذا فأقول: إن أرادت الأمة الإسلامية أن تُعيد لحضارتها عزها ومجدها الأول .. ودورها الريادي والقيادي الذي كان لسلفنا الصالح لا بد لها من العودة والتمسك بمجموع القيم الإسلامية الحضارية التي كانت سببًا في عزها ومجدها .. ومن دون أن تفرط بشيءٍ منها.
لا بد أن نكون أكثر من الآخرين عدلًا ورحمة بالعباد .. هذا إذا أردنا أن يتنزل علينا نصر الله .. وأردنا للأمة أن تستأنف عزها ومجدها ودورها الريادي من جديد .. فالله تعالى يُحب العدل وينصر أهله .. ويبغض الظلم ويخذل أهله، وفي الحديث القدسي:"يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرمًا، فلا تظاَّلموا"مسلم.
وقال (:"اتقوا دعوة المظلوم وإن كان كافرًا؛ فإنه ليس دونها حجاب" [(1) ] .
... لا أثر للقيم الحضارية ولا فاعلية لها في قيام الحضارات إن لم تتجسد هذه القيم في سلوك وواقع وحياة أتباعها .. فالقيم مهما كانت عظيمة وراقية تبقى معانٍ مجردة لا أثر لها في الوجود والواقع .. إلى أن يأتي من يأخذها بقوة وصدق، فيحييها ويترجمها إلى سلوك وواقع في حياته وحياة الآخرين العملية.
... لذا لا يكفي أن نتكلم عن عظمة الإسلام كعقيدة، وشريعة، وأخلاق، وقيم حضارية راقية وحسب من دون أن نجسد هذه العقيدة والقيم في سلوكنا وواقعنا وجميع جوانب حياتنا، فالسيدة عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها لما سُئلت عن خُلق النبي ( قالت:"كان خلُقه القرآن"؛ أي كانت أخلاقه وسيرته ( خير ترجمان وتفسير للقرآن الكريم .. تريد أن ترى القرآن مفسرًا ومترجمًا ترجمة عملية فانظر إلى حياة ومواقف وأعمال المصطفى (!
من هنا جاء الوعيد الشديد بحق من يقول ولا يفعل، ويَعلَم ويُعلِّم ولا يلتزم في نفسه، وينهى عن خُلق ثم يأتيه أو يأتي ما هو أسوأ منه، كما قال تعالى:( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ . كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ (الصف:2-3.
... لا يكفي أن نقول كان آباؤنا .. كان أجدادنا .. ونطيل الوقوف على أطلالهم .. إذ لا بد كذلك من أن نقول ها نحن .. وأن نصنع المجد بأيدينا وبدمائنا وعرقنا كما صنعوا .. ونجاهد كما جاهدوا!
... هذه الحقيقة ـ رغم كثرة المعوقات الشاقة التي يصطنعها طواغيت الحكم والكفر في بلاد المسلمين .. أمام عملية التغيير ـ أصبحت تُعيد كثيرًا من المسلمين إلى رشدهم وإسلامهم .. وأخلاق وقيم دينهم الحنيف .. وها نحن ـ ولله الحمد ـ نشهد صحوةً إسلامية مباركة .. وأوبة جادة وصادقة إلى الحق من شرائح عدة من أبناء الأمة .. وعلى مستوى امتداد الأمة كلها وفي جميع أمصار المسلمين .. وهي تعتبر الخطوات الأولى ـ إن شاء الله ـ نحو النصر والتمكين والسؤدد ( وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (الحج:40.
... ـ الحوار بين الحضارات.
فإن قيل: هل يُفهم من القول بحتمية الصراع بين الحضارات المتنافرة في مفاهيمها وقيمها وثوابتها يعني عدم الانتفاع من إجراء الحوار بين تلك الحضارات، وتحديدًا بين الحضارة الإسلامية والحضارة الغربية الديمقراطية النصرانية؟!
(1) أخرجه أحمد وغيره، السلسلة الصحيحة: 767.