فهرس الكتاب

الصفحة 2141 من 2255

3-الفكر العنصري كأداة للصراعات: بما ان الفكر العنصري مناف للعقل والحضارة كما تقّدم, ويجد في المجتمعات المتخلفة فكريا وصحيا واقتصاديا مرتعا خصيبا له,فلايدّ اذن من وجود مستفيدين وأصحاب مصلحة في وجوده ثم استمراره في مكان وزمان معينين وذلك عبر استخدامه كستار لخدمة وتحقيق مصالحهم الفردية والمادية فقط . لذا, يمكن اعتبار الفكر العنصري كأداة فعّالة في يد أصحاب طموح السلطة والنفوذ والجاه على مرّ العصور واختلاف الامكنة (نفس الامثلة التي ذكرتها في تعريف العنصرية) . ويقتضي التنويه للاهمية البالغة هنا بأن أصحاب الفكر العنصري والمستفيدين منه ليسوا مجموعة واحدة متجانسة يورثون فكرهم وسلطتهم لاحفادهم أو منتسبي مجموعتهم فقط (كما يعتقد بذلك أصحاب نظرية المؤامرة) , بل هم موجودون ومنتشرون في كافة البلدان وعلى مرّ العصور, والشواهد التاريخية كثيرة جدا لايتسع المجال لذكرها هنا.

4-أدوات الفكر العنصري: حالما تتوافر التربة الملائمة لنمو الفكر العنصري ويتواجد من يستفيد منه كما تقدّم, يبدأ البحث عن وسائل لنشره وترويجه وتشريعه بين أكبر عدد ممكن من الناس على أنه المعيار الحقيقي لاسباب الصدامات بين المجتمعات الشرية. هنا, يبدأ تشويه التاريخ ونتشأ مصطاحات جديدة مغلوطة, ويتغير تفسير أخرى معروفة منذ قدم التاريخ المكتوب لتلائم هذا الفكر الخطير. أما أهمّ مظاهر وأدوات الفكر العنصري فهي - الترتيب حسب الاهمية -:

أ- تشويه الفكر الديني وجعله بخدمة طبقة من الساسة والطامعين بدل أن يكون هو الموجه لرقي وصلاح المجتمع والفرد ولدفع مسيرة الحضارة. من أبرز مظاهر هذا التيار: قادة الحركة الصهيونية, الاباطرة البيزنطيين,ملوك فرنسا وألمانيا وانكلترا في العصور الوسطى, بعض القادة"والخلفاء"المسلمين وخاصة العثمانيين وقادة الثورة"الاسلامية في ايران ,الاحزاب والمنظمات الدينية المعاصرةالتي شوهت مفهوم الجهاد والخلافة في الاسلام وابتدعت مصطلح الصليبية العالمية وذلك خدمة لاهداف الولايات المتحدة في ربط المقاومة الفلسطينية واللبنانية المشروعة بالارهاب والعنصرية وبالتالي محاربتهما."

تتجلى هنا"ثقافة الطائفة"بأسوأ صورها حيث تبيح هذه"الثقافة"رفض وأحيانا الالغاء الجسدي (ان لزم)

لأفراد من طوائف اخرى وذلك خدمة فقط - وثم فقط - لاصحاب المصالح- من الاقطاعيين والملوك في

العصور الوسطى- وليس لعامة النلس الذين سيكتشفون لاحقا بانهم"طلعوا من المولد بلا حمّص"....!!!

( الحروب الصليبية, حرب المائة عام بين فرنسا وبريطانيا,الصراعات بين الامبراطورية النمساوية وروسيا

القيصرية والدولة العثمانية).

ب- تشويه الفكر القومي: نشأ هذا المنحى في عصور لاحقة (العصور الحديثة بالتعريف التاريخي والتي تبدأ مع مطلع القرن 15 حتى اليوم) بعدما بدأت الامبراطوريات القديمة بالتهاوي(البيزنطية، الرومانية المقدسة ثم

الاسبانية, البرتغالية والهولندية) والتي كانت قائمة على التحالف المشبوه بين الاباطرة ورجال الدين (وليس الدين)

وحلّت محل أصحاب القرار نخبة من الصناعيين وكبار التجار التي مافتئت تزيد ثرواتها من خلال امتصاص

دماء شعوبها وشعوب مستعمراتها الآخذة في التوسعّ. تلك النخبة كانت تبحث عن"تشريع"legalization

وتبرير لحروبها الاستعمارية, فاستخدمت النعرات القومية والاثنية لذلك واستغلت الفروق والخصائص القومية

والحضارية الموجودة اصلا بين الشوب والامم على مرّ العصور واختلاف الامكنة لتحقيق مآربها الشخصية من مادية واسترتيجية(نابليون,المانيا,ايطاليا,فرنساوبريطانيا في القرن التاسع عشر الى الحرب العالمية الثانية,

الاحزاب القومية المعاصرة في شتّى بقاع العالم).

ج- تشويه الفكر الانساني: وذلك باستخدام معايير انسانية وأخلاقية ثابتة ومطلقة لتبرير وتغطية التوسع والهيمنة:

كالدفاع عن الحرية والديموقراطية, محاربة الارهاب (وهو بيت القصيد في مقالي هذا) .

د- استخدام نظريات ومصطلحات ماتت مع موت أصحابها: كالماركسية, الاشتراكية الخيالية, الهيغلية, المكيافيللية الفوضوية,الخ.

ه- ابتداع نظريات وفلسفات خاصة لتغطية وتبرير التوسع والهيمنة: كالنازية, الفاشية, الصهيونية, و العلمانية.

5-اعود للتنويه والتركيز على أن الفكر العنصري بكافة أشكاله وادواته المعروضة سابقا هو أداة وليس هدفا في حدّ ذاته, حيث لم يكن يهم أصحاب القرار السياسي تحقيق الهدف المعلن لهم والذي شرّعوا على أساسه عدوانهم أو حربهم ضد الآخر بل كان يهمهم تحقيق أكبر كسب مادي واستراتيجي على حساب الاطراف الاخرى المتصارعة (الحربين العالميتين الاولى والثانية, انشاء دولة اسرائيل) .

ثالثا: الاديان,الحضارة والعقل:

عودة الى تعريفنا السابق للحضارة ومقوماتها, حيث ذكرت بان العقل البشري هو أحد المقومات الرئيسية لصنع الحضارة وان الاديان هي أحد المصادر الفكرية الرئيسية لها.

بمحاكمة منطقية بسيطة وبعيدا عن السفسطائيات نصل الى نتيجة عظيمة في الاهمية وهي: حيثما يوجد عقل سليم يعمل نجد حتما تطبيقا سليما للدين وبالتالي نجد الحضارة. اي أن العقل والدين والحضارة توائم ثلاثة لاتنفصل مطلقا على مرّ العصور وباختلاف الامكنة, وان أي غياب لاحدها يعني حكما غياب الاثنين الباقيين.

وبمحاكمة مماثلة نستنتج أنه حيثما يوجد الفكر العنصري وأدواته وزبانيته يغيب العقل والدين الصحيح والحضارة.

لكن, هل ينطبق هذا الاستنتاج على الواقع التاريخي قديما وحاضرا؟ وبعبارة أخرى؛ ! هل حدث وتعايش في مكان واحد وزمان واحد الفكر العنصري مع بيئة حضارية متنورة أم لا؟

الجواب؛ نعم حدث في أكثر من زمان ومكان أن تعايش الفكر الجاهل العنصري مع الفكر الحضاري المتنور. هذا واقع تاريخي لايمكن انكاره, وهو يناقض- ظاهريا على الاقل- النتيجة التي توصلنا اليها منذ قليل,لكن بقليل من الدراسة المتأنية لمعظم الدول والحضارات البائدة والسائدة نتبين انكفاء الجهل والفكر العنصري (وليس غيابه نماما) في حال ازدهار الحضارة كما نلاحظ ازدهاره في فترات انكغاء الحضارة والعقل, وهذا مايفسر وجود طبقات السياسيين والاقتصاديين المغامرين والطامعين الى الثروة والسلطان حتى في أعتى الدول قوة وأكثرها حضارة ( بسمارك وهتلر في ألمانيا, نابليون في فرنسا, لينين في روسيا واتحاد الصناعات العسكرية والمافيا في الولايات المتحدة) , كما يفسر أيضا وجود جمهرة مفكرين وكتّاب متنورين حتى في أشد المجتمعات تخلفا وظلامية. اذن, انه صراع أبدي وتوازن بين العقل والجهل, بين الحضارة والتعصب, وبعبارة أخرى: بين الخير والشرّ.

رابعا: الشرق والغرب:

سأكتفي بسرد مثالين مرتبطين ببعضهما ارتباطا وثيقا منذ قدم التاريخ شكّلا- ومازالا يشكلان حتى اللحظة الراهنة_ محور الصراعات العالمية أو مايعرف ب"الصراع بين الشرق والغرب"وهما: الحضارة العربية الاسلامية والحضارة الغربية الحديثة:

كان لظهور الاسلام في شبه الجزيرة العربية في القرن السابع الميلادي الاثر الاعظم في نقل المنطقة بأسرها من حالة الجهل والتخلف والعنصرية القبلية وعبادة الاوثان وتقديس الطاغوت الى عبادة الاله الواحد وازالة الفروق بين البشر. حمل الاسلام كافة المفاهيم الانسانية الى ثلاثة محاور رئيسية: محور علاقة الفرد مع خالقه (العبادات) , محور علاقة الافراد والمجتمعات ببعضها بعضا (التشريع الاجتماعي والاخلاقي والاقتصادي) , ثم محور علاقة الحاكم بالرعية وأسلوب الحكم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت