فهرس الكتاب

الصفحة 2142 من 2255

لم يتسامح الشرع الاسلامي في اهمال اي محور من تلك المحاور وشدد على تطبيق الكل, وهذا مانراه واضحا في سيرة الرسول- صلى الله عليه وسلم - والصحابة والخلفاء الراشدين- رضي الله عنهم_ حيث شددوا في كل مناسبة على تلازم هذه المحاور بحيث يكون المسلم مسلما في كل شيء ابتداء من سلوكه الشخصي فسلوكه مع محيطه وأخيرا اسلوب حكمه (اذا كان حاكما) .

النقطة التي تهمنا هنا هي"اسلوب الحكم في الاسلام". فبحسب النصوص الشرعية والكتب الكثيرة المختصة بهذا الشأن, قام الحكم في الاسلام على ثلاثة دعامات رئيسية: العدل, التسامح وتكافؤ الفرص. أما العدل فيقصد به اعطاء كل ذي حق حقّه من ثواب أو عقاب بغض النظر عن صفة اعتبارية أو لون أو عرق أو دين. وأما التسامح فيعني حرية المعتقد والاتجاه السياسي. وأخيرا يعني تكافؤ الفرص وضع الرجل المناسب في المكان المناسب واتاحة الفرصة أمام جميع الرعايا لممارسة عملهم ونشاطهم اقتصاديا أكان أم اجتماعيا أم علميا.

كان لتطبيق أسلوب الحكم الذي ذكرته آنفا والنابع لاشك من ايمان ديني عميق الاثر الكبير في انطلاق الحضارة العربية الاسلامية واشعاعها على العالم كله في ذلك الوقت. انقلبت موازين وتغيرت مفاهيم ودالت دول الى غير رجعة وزالت طواغيت الى الابد في فترة زمنية قصيرة لاتنوف عن الثلاثين عاما منذ أنزل الوحي على الرسول- صلى الله عليه وسلم - لاول مرّة , وتتابعت الانجازت الحضارية التي كان الشرع الاسلامي دعامتها ومنبعها وملهمها دائما. كانت الفترة التي طالت حوالي ستمائة عام تقريبا فترة عقل وتنوير وانفتاح بحقّ. ولم يجد العلماء والمفكرين المسلمين وغيرهم ممّن انضووا تحت لوائها حرجا من الاستفادة من كل ماوقع تحت ايديهم من علوم واكتشافات وحتى فلسفات لشعوب اخرى بغضّ النظر عن دينها أو عرقها حيث لم يخرج ذلك عن نطاق النصوص الشرعية الاسلامية التي أمرتهم بالبحث عن المعرفة اينما وجدت.

بالطبع, لم تعدم تلك الفترة وجود الطامعين السياسيين واصحاب المصالح المادية البحتة, ولم تعدم وجود الباحثين عن السلطان والجاه والنفوذ, غير ان الوعي الديني الصحيح بين كافة فئات الناس من خاصة وعامة ومن علماء وباحثين ومستشارين وادباء وحتى عامة الناس, هذا الوعي كان يحبط دائما الانحراف في مسيرة الحضارة تلك.

في الفترة ذاتها (العصور الوسطى: 500-1500 م) كانت القارة الاوروبية غارقة في الجهل والتخلف والعنصرية. كان يحكمها خليط من امبراطوريات ادّعت خلافة الامبراطورية الرومانية ومن اقطاعيات عديدة متفرقة وصغيرة انتشرت في انحائها. وكان اصحاب السلطة والنفوذ من أباطرة واقطاعيين وأمراء يتحالفون مع رجال الدين لاضفاء الشرعية على سلطتهم. ولم يجد اولئك مقاومة تذكر من الشعوب التي حكموها آنذاك كونها (اي الشعوب) كانت غارقة في الفقر والجهل والمرض الذي بدأ يدبّ في أوصالها في السنين الاخيرة للامبراطورية الرومانية. لم تنفع محاولات قسطنطين (في القرن الرابع الميلادي) من اعلانه المسيحية دينا رسميا للدولة ثم تقسيمه لها الى شرقية وغربية في بعث الروح في جسد الامبراطورية الميّت بل عجّل -على العكس - في نهايتها, حيث حوّل بخطواته تلك تسامح المسيحية الاصولية وعالميتها كما نادى بها السيد المسيح- عليه السلام- وحواريه الى تعصب ديني وصل الى أوجه مع بداية الحروب الصليبية.

ظلّ نجم الحضارة للشرق العربي الاسلامي في صعود وللغرب الاوروبي في هبوط حتى ارهاصات القرن الثالث عشر الميلادي. فمع توسع مساحة الدولة الاسلامية وانطواء شعوب كثيرة تحت لوائها,كثرت المطامع السياسية وعادت المناحرات القبلية الى الظهور وخاصة مع ازدياد ثروة ورخاء الامّة, فكان التقسيم السياسي لها الى دويلات يحارب فيها الاخ أخيه (الاخوة أميري دمشق وحلب قبيل الغزو الفرنجي) مما أثار شهوة الدول والشعوب المجاورة ايضا والغير متحضرة (المغول البداوة والفرنجة الاقطاعيين) , هنا بدأ نجم العقل والدين وال! حضارة يأفل ويفسح المجال لانحطاط بدأ سياسيا وانتهى دينيا واجتماعيا وفكريا واقتصادي الانزال نعيش اثاره لليوم (حلقة الجهل والفقر والمرض) ....لكن:

لم تأب الحضارة العربية الاسلامية أن تختفي وتضمحلّ قبل أن تفسح المجال للأوروبيين بان ينهلوا منها, فكيف؟.

كانت الاندلس وصقلية وجنوب ايطاليا ثم الممالك الفرنجية في بلاد الشام الجسور التي عبرت منها الحضارة العربية الاسلامية وشعّت الى الغرب الاوروبي, حيث تدفّقت الانجازات الحضارية بكل اشكالها من علم وفلسفة وأدب ولاهوت عبر مناطق التماس تلك الى الشعوب الاوروبية سواء بالبعثات الدراسية أو بالترجمات المكثّفة أو الدبلوماسية أو بالتجارة أو بالحروب, ووجد في الغرب من يتبنّى التنوير ويعتبره فرصة للخلاص من نير وتسلّط الحكام والامراء ورجال الدين وخاصة في المدن التجارية الايطالية (البندقية, بيزا وجنوا) التي احتفظت على الدوام بعلاقات جيّدة مع الشرق الاسلامي.

شيئا فشيئا استبدلت بخارى والري وبغداد ودمشق والقاهرة والقيروان ومراكش وفاس وقرطبة كمراكز اشعاع فكري وحضاري في العالم المعروف آنذاك ببادوا وسالرنو و بولونيا وفلورنسا وبالرمو ثم لاحقا لشبونة وروما ومدريد ومونبيلييه وباريس وبرلين ولندن, وكانت نقطة البداية هي كسر القاعدة التي وضعها رجال الدين والقائلة بعدم دراسة فكر الشعوب الاخرى غير المسيحية باعتباره"زندقة وكفرا ومروقا على الدين".

استمر الصراع حادّا- وبالتوازي - بين الفكر الظلامي والفكر التنويري في أوروبا لمدة تزيد عن ثلاثمائة عام, حيث لم يسلّم الحلف المكوّن من! الملوك والامراء ورجال الدين مواقعه بسهولة. عرفت القارة موجات عارمة من التعصب الديني والطائفي والعرقي وعانت من حروب داخلية مدمّرة, لكنها عرفت في الوقت نفسه حركات اصلاح ديني وفكري واجتماعي واقتصادي كثيرة تّوجت بالثورة الفرنسية والانكليزية ثم الوحدتان الالمانية والايطالية, وعرفت على الصعيد العلمي تتابع الاختراعات والاكتشافات حتى يومنا هذا..

كانت النهضة الفكرية الاوروبية بدورهاسببا رئيسيا في الكشوف الجغرافية الكبرى في القرنين الخامس عشر والسادس عشر التي خلقت طبقة من كبار التجّار ثم الصناعيين بفعل الثروات المادية المتدفقة من المستعمرات, وهذه, بالاضافة للثورة الفكرية والعلمية, ساهمت في ادخال القارة في دوامة الحلقة الحضارية التي كان الشرق الاسلامي قد دخلها قبلها بحوالي 800 عام وهي حلقة الغنى والعقل والصحة.

أفسح اضمحلال طبقة الملوك والاقطاعيين ورجال الدين وزوال التحالف بينهم المجال لظهور طبقة جديدة في مراكز القرار وهي طبقة تحالف الشرك! ات الصناعية والتجارية الكبرى مع رجال السياسة الذين تبدلت ألقابهم وتغيرت مسمياتهم, اذ كان لابد للصناعات المتنوعة التي استحدثت بفضل التقدم العلمي والثروات الهائلة من المستعمرات المكتشفة حديثا أن تبحث لها عن أسواق لتصريف منتجاتها ,الى يد عاملة رخيصة والى- وهو الاهم- مواد أولية خام ضرورية لتلك الصناعات, فاشتد التنافس الاستعماري بين الدول الاوروبية الاكثلر تطورا واتصف لاول مرة في التاريخ - ومن الآن فصاعدا- بالعالمية لانه لم يعد مقتصرا على الحدود البرية المشتركة بين بلدين -كما كان سابقا-بل شمل كل البقاع التي وصلتها أساطيل وجيوش تلك الدول.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت