فهرس الكتاب
وصل التنافس الاستعماري بين ساسة وصناعيي الدول المتطورة الى ذروته خلال النصف الاول من القرن العشرين, وحاول كل طرف تحقيق مكاسب استعمارية جديدة على الساحة العالمية المفتوحة وخاصة بعد انضمام لاعبين جدد للنادي الاستعماري (المانبا, ايطاليا, بلجبكا, الولايات المتحدة,اليابان والاتحاد السوفياتي) . وفي حين شهدت الحرب العالمية الاولى زوال آخر الامبراطوريات الاقطاعية -اللاهوتية القديمة ( النمسا,هنغاريا , الدولة العثمانية,روسيا القيصرية) شهدت الحرب العالمية الثانية زوال القوى الاستعمارية الامبريالية المتطورة (فرنسا,بريطانيا,المانيا,ايطالياواليابان) وصعود الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي الى المسرح الاستعماري العالمي كقوتين عظميين وحيدتين تصولان وتجولان كما يحلو لهما عبر ماسمي"بالحرب الباردة", اذ لم يحدث صدام عسكري مباشر بينهما بل حدث عبر حروب ساخنة شتّى في العديد من بلاد العالم الثالث ( كوريا, فييتنام, لاوس, كمبوديا, لبنان, فلسطين, القرن الافريقي, كوبا, نيكاراغوا, أنغولا....الخ) . وقد اتخذت هذه الحروب ذرائع شتى من قومية وطائفية وقبلية وايديولوجية اذكت اوارها الآلة الاعلامية الضخمة للقوتين العظميين بالاضافة للتنظيمات والانظمة التابعة لها في تلك البلدان وايضا الجهل والفقر والمرض المتفشي بين شعوبها (اي شعوب العالم الثالث) .!
شهد العقد الاخير من القرن العشرين انكفاء الاتحاد السوفياتي كقوّة عالمية وتفرّد الولايات المتحدة كقوة عظمى وحيدة في الساحة العالمية. تجلّى ذلك في اكتسابها مواقع استراتيجبة جديدة في شتّى بقاع العالم عبر اثارة الحروب الاهلية والاعمال الارهابية مباشرة أو بواسطة منظمات وأنظمة تعاديها ظاهريا, ثم التدخل عسكريا بحجة ايقافها واعادة الامن والاستقرار. كان هذاواضحا في يوغوسلافيا السابقة,بنما,القوقاز, أفغانستان,العراق.... والبقية تأتي!!
خامسا: الحركة الصهيونية, الهيمنة الامريكية وصدام الحضارات؛ نتيجة
هل هنالك ثمة علاقة بين الفكرة الصهيونية ونظرية"صدام الحضارات"؟
للاجابة على هذا السؤال يلزمنا العودة الى بعض التعريفات والمحطات التاريخية.
تعرّف الحركة الصهيونية بانها حركة تهتم بتجميع يهود العالم أجمع في"وطن قومي"أو"دولة يهودية"عبر جميع الوسائل الممكنة, وقد لخص روّادها هذه الوسائل"بالتجمّع والاقتحام", حيث قامت منظمات صهيونية عديدة بتجميع السكان اليهود من كافة بلدان العالم وتقديم التسهيلات المادية والاجتماعية لهم مقدمة لارسالهم الى فلسطين,ومن هناك, وبعد توفير عدد كاف منهم وتدريبهم تدريبا عسكريا مكثفا, قاموا بتثبيت أقدامهم في"الارض الموعود"ومن ثم تأسيس"الوطن القومي"ثم الدولة في عام 1948 م.
اعتمدت الحركة الصهيونية منذ نشأتهاعلى الاساطير الدينية التي لاأساس لها من الصحة كغطاء لعملها ولاعطائه الشرعية اللازمة,
لم تستطع الحركة الصهيونية منذ نشأتها في عام 1897 م وحتى اللحظة الراهنة- مرورا بكافة مراحل انشاء الدولة اليهودية- العمل منفردة ومن دون دعم مادي وسياسي وعسكري وبشري, فكان اعتمادها على بريطانيا وفرنسا حتى نهاية الحرب العالمية الثانية ومن ثم انتقل السند الى الولايات المتحدة التي ماتزال تعتمد عليها حتى الآن. ومن جهتها وجدت هاتان الدولتان في تلك الحركة ورقة رابحة عظيمة الاهميّة لتحقيق اهدافها الاستعمارية في المنطقة العربية خاصة بهدف تمزيقها الجغرافي والاقتصادي والاجتماعي (اهمية وحدة مصر والشام في تكوين دولة قوية في المنطقة) .
بناء على كل ماسبق نخلص للنتائج التالية:
1-الحركة الصهيونية هي حركة عنصرية خالصة اعتمد خطابها على تفضيل اليهود على ماسواهم من البشر وتصويرهم للعالم على انهم المضطهدين والمساكين تمهيدا للقيام بأكبر عملية استعمارية استيطانية في التاريخ.
2-اتفق المضمون العنصري للحركة الصهيونية مع تفكير بني اسرائيل الاول حين حوّلوا الشريعة الالهية التي نادى بها موسى عليه السلام من توحيد الهي وعالمي لكل البشر الى عنصرية يهودية خاصّة بهم (شعب الله المختار) .
3-تزامن ظهور الحركة الصهيونية عام 1798 م مع بداية ظهور الولايات المتحدة الامريكية كقوة استعمارية عالمية عام 1898 م ذلك وخلال الحرب الاسبانية-الامريكية التي جرّدت اسبانيا من معظم مستعمراتها في العالم.
4-اعتمدت الولايات المتحدة منذ ظهورها كقوة عالمية جديدة تسعى الى الهيمنة, أساليب وتشريعات عديدة لتبرير تدخلها الاستعماري ومنافسة القوى الكبرى المعروفة آنذاك أسوة بكل القوى والنظم الاستعمارية على مرّ التاريخ)كما ذكرت قبلا). وكان توافق المصالح بين الحركة الصهيونية من جهة وبريطانيا وفرنسا من جهة اخرى, واعتماد تلك الحركة كليا عليهما, كان ذلك مقدمة للزواج الابدي بين الحركة الصهيونية ومراكز صنع! القرار في الولايات المتحدة حتى هذه اللحظة.
أمّا الاساليب والخطابات التبريرية التي اعتمدها الثنائي"الصهيونية-الولايات المتحدة"حسب التسلسل الزمني فكانت كما يلي:
1-نقاط الرئيس الامريكي ويلسون الاربعة عشرة بشأن حق الشوب في تقرير مصيرها بنفسها (عام 1919 غداة انتهاء الحرب العالمية الاولى) وماتبعها من انشاء عصبة الامم ثم اعطاء الدول الاستعمارية الكبرى مايسمّى ب"حق الانتداب"لتهيمن به على الشعوب المستضعفة بحجة مساعدتها على بناء نفسها وتقرير مصيرها حيث ان هذه الشعوب غير مؤهلة للاستقلال بعد!!!!
2-محاربة النازيّة والفاشية والآلة العسكرية اليابانية باسم الحرية والديموقراطية وذلك في فترة مابين الحربين العالميتين وحتى نهاية الحرب العالمية الثانية وانشاء محاكم"نورمبرغ"لمحاكمة"مجرمي الحرب النازيين"كما ادّعوا.
3-محاربة"الشيوعية"المتمثلة في القوة العظمى الثانية (الاتحاد السوفياتي) التي ظهرت الى المسرح العالمي قبيل الحرب العالمية الثانية.وقد استمرّ هذا المنحى حتى تفكك الاتحاد السوفياتي السياسي نهاية عام 1991 م.
4-محاربة الارهاب: وهو مصطلح قديم حديث بدأ الكلام عنه في بداية السبعينات من القرن العشرين مع تصاعد المقاومة الفلسطينية المشروعة ضد الوجود الاسرائيلي في فلسطين (وليس فقط ضد الاحتلال الاسرائيلي لاراضي مابعد حرب 1967) .اذ روّعت المقاومة الفلسطينبة (وقبلها الجزائرية والفيتنامية والدومينيكانية والبوليفية وبعدها الافغانية ضد الاحتلال السوفياتي واللبنانية ضد الاحتلال الاسرائيلي) دوائر صنع القرار في الثنائي الامريكي-الصهيوني ووجدت نفسها أمام عدو حقيقي اعتمد الفكرة والاسلوب الصحيحين في مواجهة الظلم والطغيان. لم تتبن المقاومة الفلسطينية- وبعدها اللبنانية- أي مشروع عنصري أو طائفي في صراعها مع عدوّها, كما لم تخرج قيد أنملة عن قتال من يجب قتاله (وهو الجيش المحتلّ فقط) , فكان أن كسبت احترام العلم كله بمصداقيتها بمثل ماحققت من مكتسبات على صعيد التحرير وارباك العدو وترويعه ناهيك عن افقاده مصداقيته ومشروعيته. لقد حققت حركات المقاومة هذه بعض ماحققه نور الدين زنكي وصلاح الدين الايوبي قبل حوالي ثمانمائة عام في صراعهما ضد الغازي الفرنجي (وليس النصراني) رغم محاولات الفرنجة اضفاء الشرعية على غزوهم للشرق الاسلامي.اعتمد نور الدين وصلاح الدين الاسلوب ال! حضاري والصحيح في مقاومة الاحتلال ومحاربة قوى الظلام والعنصرية مشفوعا بالايمان الديني الصحيح وهو ماأدّى-حكما- الى نجاحهما.