فهرس الكتاب

الصفحة 2144 من 2255

لم يكن أمام الولايات المتحدة من خيار أمام تصاعد حركات المقاومة تلك واكتسابها تعاطفا شعبيا عربيا واسلاميا وعالميا, وخاصة بعد دعم الاتحاد السوفياتي لبعضها في سياق الحرب الباردة (وليس بالطبع لحسن نيّته) , لم يكن أمامها من خيار الاّ البحث عن وسائل جديدة لتطويع المقاومة الشعبية ضد قوى الهيمنة والظلام , فكان اللجوء الى ثقافة العنف الطائفي والارهاب ومحاربة الارهاب, فكيف؟

اعتمد استراتيجيو البنتاغون لهذا ثقافة كاملة بدأ نشرها عبر وسائل الاعلام المتعددة و خطابهم السياسي بشكل مكثّف منذ منتصف السبعينات وهي ثقافة"الطائفة"حيث حلّت المسميّات الطائفية والاثنية محل المسميات الدالة على الظلم, الاستبداد, التحرر والمقاومة وتحول وصف الصراع في ايرلندة الشمالية من صراع بين الوحدويين والانفصاليين في اذاعة ب.ب.سي. باللغة الانكليزية الى صراع بين البروتستانت والك! اثوليك في نفس الاذاعة باللغة العربية!!! ساعدهم في ذلك بشكل رئيسي كثير من الانظمة والمنظمات والحركات والاحزاب في العالم الثالث التي استحدث بعضها و"حدّث"بعضها الآخر خصّيصا لتلك الاغراض. شكّلت الحرب الاهلية اللبنانية التي دامت ستة عشر عاما (1975-1991 م) أكبر مثال على ذلك حيث برزت ثقافة الطائفة والاقليمية والاثنية بشكل واضح فيها, كما شكلت الحرب الاهلية الافغانية التي دارت بين"المجاهدين"الافغان في العقد الاخير من القرن العشرين المثال القبيح لثقافة القبلية والطائفية.

وفي الواقع, فان تمرير ثقافة الطائفة لغايات استعمارية لم يكن جديدا في العصور الحديثة. فقد استعمل بشكل واضح في القرن التاسع عشر من قبل القوى الاستعمارية الكبرى في ذلك الوقت في الشرق العربي والهند . حيث تسابقت تلك القوى- وبدعوى حماية طائفة معينّة من التصفية على يد الطائفة الاخرى (ياللعجب....!!) - الى التدخل المتزايد في تلك البلدان واقتسام تركة الدولة العثمانية المريضة , حيث ادّى ذلك الى تقسيمها ! بعد استقلالها الى كيانات سياسية عديدة,كما ادّت تلك السياسة في الهند الى تقسيمها لثلاثة دول كان التوتر هو الغالب على علاقاتها ببعضها لغاية الآن.

استعمل سلاح"ثقافة الطائفة"بشكل فعّال كذلك في وأد الاتجاهات التنويرية التي ظهرت في مصر والشام والصين والهند والبلقان وروسيا القيصرية في القرن التاسع عشر. اذ حّجم مشروع محمد علي باشا في مصر لبناء دولة اسلامية حديثة منفتحة وعصرية وقوية,واثيرت الحركات الاثنية والطائفية ضده. كما صّور كثير من كتاب مصر والشام المسلمين وغير المسلمين المتنورين كملحدين مارقين وعملاء"للغرب الصليبي"وللمستشرقين الاوروبيين. تمّ هذا بمباركة السلطات العثمانية والدول الاستعمارية الاوروبية التي كانت تفَضّل وجود دولة مريضة ظالمة في الشرق تمهيدا للانقضاض عليها في اللحظة المناسبة,.هكذا,وبدلا من قيام ثورة عامة ضد الظلم والاستبداد في كافة ارجاء الدولة العثمانية ومن كافة شعوبها بدون استثناء (كما بشّر الكواكبي في كتابه"طبائع الاستبداد") , قامت ثورة"عربية"غير واضحة الاهداف متعاونة مع البريطانيين في وجه حكم طوراني متعصّب ساهمت بريطانيا نفسها في صنعه!!!!

توافق استعمال سلاح"ثقافة الطائفة"مع مضمون الحركة الصهيونية من أساسها كما ذكرت سابقا, ووجدت الحركة في تلك السلاح تشريعا أساسيا لوجودها ولوجود الدولة العبرية المصطنعة , ومن جهة أخرى, ونظرا لحاجة الولايات المتحدة الدائمة لتبرير استعمارها وهيمنتها و الحاجة لوجود عدو ايديولوجي دائم تحاربه (كما تدّعي) , تم اعتبار الارهاب كعدو أول للديموقراطية والحرية الامريكية بعد سقوط الشيوعية ومن قبلها النازية والعسكرية اليابانية,ووجدت في الانظمة والمنظمات التي استعملت العنف الديني والقومي ضالتها فأخذت تشجعها وتدعمها تمهيدا لعصر جديد من الهيمنة العالمية.أما الحركات والمنظمات التوّاقة الى الحرية والتنوير فقد أخذت تضمحل شيئا فشيئا وأصبحت توصف بالارهاب أسوة بالمنظمات الارهابية الفعلية الاخرى التي كان للولايات المتحدة الدور الكبير في صنعها.

وأخيرا كان للصبغة الدينية أو الاثنية لتلك المنظمات الايحاء الاكبر (لدى شعوب العالم الثلث خاصة) بان الحروب التي يخوضها الثنائي الصهيوني الامريكي هي حروب دينية وأثنية لاعلاقة لها مطلقا باية مصالح استرتيجية أو اقتصادية, وهو بالضبط ماأراد هذا الثنائي ايهام العالم به ! واظنه نجح الى حدّ ما في ذلكللأسف.

سادسا: هل يوجد صدام للحضارات؟:

بعد كل ماتقدم, هل نستطيع أقرار وجود صدام للحضارات؟

هل يعقل أن تدمر حضارة ما حضارة أخرى اذا كان السلام والامن أحد ركائزها؟

وهل من المنطقي أن تدمر الحضارة نفسها بالحروب بينما اسمها وتعريفها يعنيان"البناء والازدهار"؟

وهل ثقافة العدل والتسامح ونشر المعرفة تؤدي الى العنصرية والاحتكار والطغيان؟

وهل تحضّ تعاليم السماء حقا على قتل الانسان للأنسان لمجرد اعتقاده؟

وأخيرا, هل من الممكن أن تصارع الحضارات بعضها اذا كان وجود كل واحدة منها سبب للأخرى؟

هل يريد السيد هتنغتون أن نصدّق أن البروتستانتي والكاثوليكي يقتلان بعضهما بسبب المعتقد في بلفاست بينما يشربان البيرة سوية في احدى بارات لندن أو ليفربول؟

وهل يريدنا أن نصدّق ان الغرب"المسيحي"والشرق"المسلم"يكرهان بعضهما لدرجة الموت بينما عشرات الرحلات الجوية ومثلها البحرية الشرعية وغير الشرعية تنتقل كل يوم ناقلة"الشرقيين"الباحثين عن الامن الاقتصادي والاجتماعي الىالغرب المتطوّر من جهة وناقلة الغربيين الى الشرق المليء بالتاريخ والحضارات والمغامرة الفكرية والفلسفية؟

وهل يطلب منّا أن نوافقه القول باستحالة تعايش الماليزي المسلم والصيني البوذي والهندي بكافة طوائفه وأديانه في ماليزيا ويبنون معا بلدا متطورا وحضاريا منفتحا؟

هل يطلب منّ الاطباء والعلماء العرب بعدم اعتماد المراجع الاجنبية في دراستهم وابحاثهم بحجة انتمائها (أي المراجع) لحضارة مغايرة؟

وهل كان يتصوّر نهضة أوروبا في نهاية العصور الوسطى من دون الاحتكاك المستمر بالعرب والمسلمين؟

وهل في اعتقاده أن حضارة بلده (الولايات المتحدة) قد نزلت من السماء ولم تأت عبر الاطلسي من أوروبا نفسها ومن العقول الجبارة لابناء العالم الثالث المهاجرون اليها؟

هل يريد السيد هيتينغتون أن لايعرف غير الامريكي بأرنست همنغواي وأن لايعرف غير الروسي بليون تولستوي وغير العربي بنجيب محفوظ؟ وبناء عليه هل يريد ألغاء الترجمة ورمي القواميس في البحر نظرا لانتفاء الحاجة لها في عصر صدام الحضارات؟

ان الحضارة ياسيد هتنغتون ليست سيوفا ورماحا ودبابات وطائرات وصواريخ تفني بها أمّة سواها من الامم, وهي ليست مطامع مادية واس! تراتيجية وسياسية. ان الحضارة تعني العقل, والعقل لايعرف سوى العقل, والفكر لايعرف سوى الجدل والدين لايعرف سوى التسامح, والثقافة تقول دائما لنظرائها:"هل من مزيد"؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت