فهرس الكتاب

الصفحة 2148 من 2255

ولا أدري كيف يتعامل هؤلاء القوم مع واقع الناس ، فإنَّهم قد نصُّوا في قوانينهم الأرضية الوضعية بأنَّ دولتهم علمانية ترعى الحرية ، وتنشر الديموقراطية ، وحين ضُرِبُوا في سبتمير صاحوا بأنَّهم سيشنون حربًا صليبية واسعة النطاق ، عريضة الجبهة ، تمتد إلى مالا نهاية ، فالعجب لا ينقضي حين يقول هؤلاء بأنها حربًا صليبية ، يعنون بذلك رجوعهم لديانتهم المحرفة النصرانية ، مع أنَّ في مدوناتهم، أهمية الرفق بالبشرية ، والرحمة للإنسانية ، بل نص الإنجيل لأبناء المسيح ـ عليه السلام ـ وأتباعه بأنَّ (من ضربك على خدِّك الأيمن فأدر له خدَّك الأيسر) فأين هذا من هذا،وهم يريدون أن يوسعوا جبهة الحرب بل عدُّوا ستين دولة سيأتيها الدور لمحاربتها ، ومكافحة الإرهاب فيها ، والسؤال:هل شاركت هذه الدول الستين وأمدت الجهاديين بالعدة والعتاد ليقوضوا صرح أمريكا المتمثل في برجي التجارة العالمي ، بل لوضيَّقنا السؤال وقلنا:هل من دولة واحدة من هذه الدول أمدتهم لتحطيم مجد أمريكا!!وثبتت بذلك دلائله ؟!

إننا نحن المسلمين نحتار حقًا في تعاملات هذه الدولة مع شعوب الأرض ، ولكنَّنا نقول كما قال السيد المسيح: (من ثمارهم تعرفونهم) فلا جرم حينئذٍ أن يوصفوا بأنهم مجرمو حرب ، وتجار أسلحة ، وقد بان كذب بعض العلمانيين العرب حين قالوا بأنهم أصحاب الحرية ، وأهل العدالة ، وإذا كان هؤلاء صادقون في هذا الطرح،فليربوا أبناءهم على مناهج التعليم الأمريكية ، ليكرعوا من ثقافة الإجرام ، ويصوبوا أسلحتهم لبلادهم !!

وتبًَّا لهذه الحضارة الأمريكية ، فهي أولى بأن تسمى حقارة ، فلا دين يقودهم ، ولا أعراف دولية تحكمهم ، ولا قيم خلقية تسوسهم ، وجزى الله الشاعر النحوي خيرًا حين قال عن حضارتهم:

حضارة بالية *** كبعض ثوب خلق

ماقيمة العلم الذي *** يُلهب حُمَّى السبق

يبني ويعلى مابنى *** شواهقًا في أفق

ثمَّ تراه ينثني *** في لحظة من نزق

يهدمها إلى الثرى *** كأنَّها لم تَسْمُقِ

فهذه حضارة *** واهية من ورق" [15] "

وإنَّ من أكثر من بيَّن جرائم أمريكا في حقِّ شعوب الأرض المثقف اليهودي الأمريكي (نعوم تشومسكي) حيث أفاض في كتابه (ماذا يريد العم سام) في ذكر الجرائم التي ارتكبتها أمريكا في العالم والمؤامرات التي حاكتها، والممارسات السياسية التي لاتستند إلى أي خلق أو قانون ، وكان من جملة ما قاله: (أعتقد من وجهة النظر القانونية أنَّ هناك ما يكفي من الأدلة لاتهام كل الرؤساء الأمريكيين منذ نهاية الحرب العالمية الثانية بأنهم مجرمو حرب ، أو على الأقل متورطون بدرجة خطيرة في جرائم حرب) " [16] "

ويقول أيضًا: (إنَّ الولايات المتحدة الأمريكية، قضت على سكَّانها الأصليين ـ الهنود الحمر ـ عبر القرون ، واجتاحت نصف المكسيك ، وتدخلت بعنف في المنطقة، واحتلت هاواي وفيتنام ، وقامت خلال الخمسين سنة الأخيرة باللجوء إلى القوة في جميع أنحاء العالم تقريبًا...هذه هي المرَّة الأولى التي توجَّهُ فيها البنادق إلى الاتجاه الآخر..ـ يقصد ضربة سبتمبرـ لا يمكن اعتبار الولايات المتحدة ضحية بريئة إلَّا إذا تجاهلنا لائحة أفعالها وأفعال خلفائها...علينا أن نُعيرَ اهتمامًا أكبر لما نفعل في العالم...علينا أن نتسائل:لماذا حصل لنا ما حصل؟!) " [17] "

وهذا هو السؤال الوجيه الذي يجب أن يطرحه الساسة الأمريكان لو كانوا يعقلون:لماذا حصل لنا ماحصل؟!

نعم...إنَّ من المهم أن يسألوا أنفسهم هذا السؤال ، ثمَّ يبحثوا في الأسباب التي أَلَّبت هؤلاء الشباب المسلمين ليضربوا برجيها ضربة تأريخية،لا أن يتساءلوا تساؤل المظلومين وكأنهم لم يقترفوا شيئًا من الجرائم في تأريخ الإنسانية، كتساؤل بوش حين ضربت أمريكا قائلًا:لماذا يكرهوننا؟!

فيقال له:سل نفسك وابحث عن مكمن السبب ، فهو أمر أوضح من الشمس في رابعة النهار،وجوابه بكل تأكيد:ظلمتم المسلمين والإنسانية جمعاء فسلَّط الله عليكم مالم تحسبوا له حساب، ومع ذلك فقد بقيتم في إضرام نار المعركة ، لأنَّكم تريدون أن تستردوا هيبتكم بعد أن صفعتم على مرأى من الناس، واقترفتم في حق المسلمين مالم تقترفه أي أمة في حقهم ، ولهذا فالتهديدات التي تأتيكم من هنا وهناك ومن عدة جماعات مسلحة تنتسب إلى الإسلام لتضربكم في قعر داركم مرَّة أخرى ما هي إلا بسبب ما اقترفتم به في حق المسلمين ، بغض النظر عن شرعية الفعل أم عدمه ، وقد صدَّق هذا القول أناس كفار حين رأوا الإجرام الأمريكي في تعامله مع دول الشرق الأوسط التعامل الممقوت ومنهم الأستاذ الأمريكي (وارد تشرشل) في جامعة كولورادو الأمريكية حيث قال (إنَّ 11سبتمبر نتيجة طبيعية للسياسة الأمريكية في الشرق الأوسط ، وحملة الإبادة الجماعية ضد العراق) ولذلك شنَّ اللوبي الصهيوني ، واليمين المتشدد، حملة دعائية ضده مطالبة بعزله من السلك التعليمي ، وحين واجه ذاك تشرشل ردَّ عليهم ، قائلًا (لن أتراجع قيد أنملةأنا لست مدينًا لأحد بالاعتذار) " [18] "وهذا السفير البريطاني السابق في روما يقول منتقدًا النتائج السلبية لسياسة بوش في حرب ما يسمى بالإرهاب حيث يقول (بوش خير من يجند للقاعدة) " [19] "

ولنذكر مثلًا أخيرًا من كلام أحد المقايضين للعنترية الأمريكية ، فالمحلل السياسي (ديفيد ديوك) وهو مرشح سابق للرئاسة وعضو سابق في مجلس النواب عن ولاية (لويزيانا) يقول في مقال له بعنوان (لماذا هوجمت أمريكا) (يجب علينا أن نتحلى بالشجاعة الكافية كي نضع في الاعتبار الأسباب الحقيقية وراء كره العالم لنا ـ إذا اكتملت كل الحقائق لدينا ـ بدلًا من العبارات الممجوجة والمستهلكة مثل(الهجوم على الحرية) عندها فقط نستطيع أن نقرر ما هي أفضل السبل لحماية شعبنا في المستقبل)" [20] "

5 ـ المكر والمراوغة والدجل السياسي ، والنفاق المبطَّن ، والخداع الكاذب ، والتهرب من الحقيقة ، وهو منطق فرعون حين قال: (ماعلمت لكم من إله غيري فأوقد لي ياهامان على الطين فاجعل لي صرحًا لعلي أطَّلع إلى إله موسى وإني لأظنه من الكاذبين) ويذكر أنَّ لينين حين أسَّس الاتحاد السوفيتي أعلن مبدأه المعروف (اكذب واكذب حتى يصدقك الناس) وهذا الأسلوب تمارسه الإدارة الأمريكية وبدهاء، لإخفاء الحقائق عن الناس ، فالمرشح الأمريكي جون كيري كان يقول للشعب الأمريكي كما في إحدى المقالات التي نشرت في نيويورك في الأشهر الأخيرة (إنَّ أمريكا ستواصل الضغط على الدول العربية لوقف الإساءة إلى اليهود وإثارة الكراهية ضدهم) " [21] "وهذا كولن باول يقول في مؤتمر صحفي في العراق (نحن لسنا محتلين...لقد جئناكم كمحررين...لقد حررنا عددًا من البلدان ولا نملك شبرًا واحدًا في أي من تلك البلاد اللهم إلا حيث ندفن موتانا) " [22] "وممَّن بيَّن نفاق كولن باول ودجله السياسي ؛ المفكر الأمريكي الراحل (إدوارد سعيد) ـ الفلسطيني الأصل ـ حيث كتب (إنَّ كولن باول وصل في خطابه للأمم المتحدة ، والهادف إلى سوقها إلى الحرب إلى حضيض من الرياء الأخلاقي والغش السياسي) " [23] "ولو أتى رجل لم يعرف بأمور السياسة شيئًا لقال بعد سماعه خطاب باول السابق ذكره إنَّ هذا الرجل بريء جدًا وللغاية ، وهو لا يريد إلا الخير للناس والإنسانية جمعاء!!

لقد ذكرني هذا الرجل الطعن وكنت ناسيًا بمثل أحفظه من قديم عن مثل هؤلاء الساسة وهو: (تكلم بلطف واحمل عصًا غليظة) وصدق من قال:

ما جئت تنشر سلمًا في مواطننا *** لكن أتيت بتضليل وتمويه

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت