وازدادت الكتابات الرسمية صعوبة فتاءخرت اشغال الناس لدى الحكومة، ودثرت ملايين من الكتب فخربت بذلك بيوت لا تحصى، واما من الجهة الفنية فالحروف اللاتينية برغم ما ادخلوا من العلامات على بعضها لايتاء اللفظ التركي حقه لا تؤدي اللفظ التركي الصحيح في كثير من المواضع، فلذلك قد تغير بها اللفظ التركي عن اصله وصارت كاءنها لغة جديدة، ثم ان الحروف اللاتينية المنفصلة وان كانت اسهل في القراءة والكتابة فانها تاءخذ من الفسحة على القرطاس وتستغرق من الوقت للكتابة اكثر مما تستغرق الحروف العربية بكثير، وان الكتابة العربية هي اشبه شيء بالاختزال حخخرچزخ رذحژث وانها اوقع على مبدا الاقتصاد في الزمن والمكان واقرب من كتابة العصر الحالي المبني كل وضع فيه على الاختصار والاقتصاد.
ولا تزال هذه الازمة الكتابية مشتدة في تركيا، ولكن الغازي لا يزال مصمما على حمل تلك الامة على الحروف اللاتينية حبا بالتفرنج.
والذين لا يعلمون حقائق الاحوال يظنون ان الاتراك راضون مغتبطون بالغاء الشريعة الاسلامية من المحاكم، ورفع التعليم الديني من الكتاتيب والمدارس، واجبار النساء على السفور، وخلط الاناث والذكور في دور العلم، وحمل الاوانس على الرقص مع الشبان، ولبس القبعة والكتابة بالحروف اللاتينية، الى غير ذلك مما احدثته الحكومة الانقرية الكمالية. ويقولون انه لولا رضى الترك بذلك لثاروا بحكومتهم، ولاسقطوها ولردوها عن ثنيات الطرق، ولكن الذي يتاءمل في ما تحمله الشعب التركي من المصائب والنوائب التي تدك الجبال يفهم لماذا هي صابرة على مرارة هذه الاوضاع الاجتماعية التي هي مخالفة لمذهبها ومشربها وعادتها وذوقها، ولماذا هي تفضل الخضوع لها على الثورة والانتفاض والتطريق للاعداء ان يعودوا فيقضوا على تركيا كما كانوا قرروا على اثر الحرب العامة.
اما العقيدة الاسلامية فلم تزعزعها حتى الان في تركيا هذه السياسة اللادينية، ولا يزال الشعب التركي شديد الاعتصام بعروة الدين الوثقى، تدل على ذلك المظاهر الدينية في استانبول وغيرها، مما لم يخف على الافرنج الذين اشاروا اليه في جرائدهم، ولن يكون خطر على الاسلام من الشعب التركي الا اذ استمر الحكم الحالي مدة طويلة ونشاءت الافواج الجديدة على ما هي عليه من فقد التعليم الديني».
محاولة تغيير الحرف العربي في مصر وايران وقام آخرون، من الحكام والكتاب، بمحاولات كثيرة اءخرى في هذه المرحلة نفسها للقضاء على الخط العربي فيءجزاءالعالم الاسلامي الا انها باءت بالفشل جميعا. ففي ايران نهض رضا خان بهلوي، الدكتاتور الايراني المعروف، بالمهمة نفسها، واستخدم مجموعة من الكتاب لاستبدال الحرف العربي المكتوب بالحرف اللاتيني الا انه فشل في ذلك. وفي مصر تبنى جمع من الكتاب والصحف هذا المشروع، وكانت مجلة «المقتطف» المصرية تحمل هذه الدعوة على صفحاتها. يقول د. محمد محمد حسين في كتابه «الاتجاهات الوطنية» :
«تقدم عضو من ابرز اعضاء المجمع العلمي المصري، وهو عبد العزيز فهمي، ثالث الثلاثة الذين بني عليهم - الوفدالمصري - في سنة 1943 م باقتراح الكتابة العربية بالحروف اللاتينية، وشغل المجمع ببحث اقتراحه عدة جلسات،امتدت خلال ثلاث سنوات، ونشر في الصحف، واءرسل الى الهيئات العلمية المختلفة» .
اتاتورك والدعوة الى التغريب نقدم، في ما يلي، بعض المقاطع من كتاب «اتاتورك» لعرفان اوركا الذي الفه عن اخلاص واعجاب بشخصية كمال،وهذه المقاطع من الكتاب تصوره تصورا لا مبالغة فيه ولا تشويه.
يقول اوركا:
«لقد اقتنع اتاتورك باءن كفاحه يجب ان يتوجه الى الدين فانه منافسه الاكبر، وكان يعتقد من صغره انه لا حاجة الى اللّه،انه اسم غامض، خداع، مجرد من كل حقيقة كما كان يقول اتاتورك، وكان لا يؤمن الا بالمشاهد المحسوسة، وكان يرى ان الاسلام انما ظل عاملا هداما في الماضي، وانه قد جنى على تركيا جناية كبيرة، والحق بها خسائر فادحة. وكان يرى ان الناس اصبحوا فريسة الاوهام والجمود بتاءثير الاسلام، وكان يبغض الرجل الذي يخضع للقضاء والقدر، ويقول:«هكذا اراد اللّه» ، و «هذا الذي قدر لي» . ويعتقد انه لا وجود للاله، والانسان يصنع قدره. وكان يقول في اكثر الاحيان: ان قوة العقل وقوة الارادة تتغلبان على قوة الاله، ولكن يقول المتدينون: «اللّه يمهل ولا يهمل» ، وكان يقول الم يطلع هؤلاءالمتدينون على الطاقة الكهربائية التي تشتغل بسرعة؟ وكان مصمما على سن قانون لتحريم الدين في تركيا. ولو احتاج ذلك الى استخدام القوة والى الخدعة والتضليل».
ويقول في موضع آخر: «ولم يكن لديه معنى لمبادىء علم النفس وللنظريات والفلسفات، لذلك لم يمنعه شيء عن ان يعتبر الدين غير لازم لتركيا، شيئا لا حاجة اليه ولكن الذي اعطاه للامة التركية عوضا عن الدين هو الاله الجديد اي الحضارة الغربية» .
ويقول في موضع آخر: «وكان يبغض الاسلام والعقيدة الصحيحة الراسخة بغضا شديدا. وكان يقول: يجب ان نكون رجالا من كل ناحية، قد قاسينا خطوبا ومصائب عظيمة، وكان السبب في ذلك اننا عشنا في عزلة عن الحياة، ولم نحاول معرفة اتجاه العالم، ويجب ان لا نحفل بما يقول الناس، نحن في طريق الحضارة والمدنية، ويجب ان نعتز بذلك ونفتخر.
انظر الى المسلمين، في نواحي العالم الاسلامي، ماذا يعانون من المصائب والنوازل والدمار، لماذا؟ لانهم لا يستطيعون ان يستخدموا عقولهم للانسجام مع الحضارة السامية المشرقة، وهذا هو السبب في بقائنا مدة طويلة في الحضيض ووراء الركب وتردينا الان الى الهوة السحيقة، وان استطعنا في السنوات الماضية ان ننجح الى حد في انقاذ انفسنا فذلك لان عقلياتنا قد تطورت، ولكننا لا نقف على مكان بل اننا نهضنا لنتقدم ونواصل السير الى الامام، فليحدث ما يحدث،ليست لنا الان طريق اءخرى، ويجب اءن تعلم الامة اءن الحضارة نار ملتهبة تحرق جميع من لا يخضع له».
دور اتاتورك في الغاء الدولة العثمانية:
ويقول مؤلف كتاب اتوتورك: «لم يكن سرا ان مصطفى كمال لا يدين بدين، لذلك كان شائعا بين الناس ان العلاقة ستلغى قريبا، وقد فزع الناس حين شاع ان مصطفى كمال رمى المصحف على راس شيخ الاسلام الذي كان من كبارعلماء الاسلام وشخصية محترمة، ولم يكن جزاء ذلك الا ان يلقى حتفه لساعته، ولكن ذلك لم يحدث ويدل ذلك على ان الزمن قد تطور كثير» .
ويذكر المؤلف حبه وغرامه بالحضارة الغربية وما كان لها في نظره من القدس والحرمة، وكيف كانت تسيطر على عواطفه وتتغلغل في عروقه ودمه، فيقول: «ان مصطفى كمال كان يتمسك الى حد كبير بما يلقي ويقول وياءمر الناس، وكان يعبدهذا الاله الجديد (الحضارة الحديثة) بحماس ونهم، وكان له عابدا وفيا، وقد نشر هذه الكلمة (الحضارة) من اقصى البلاد الى اقصاها، وعندما كان يتحدث عن الحضارة تتقد عيناه لمعا واشراقا، ويظهر على وجهه اشراق كاشراق الصوفية عند مراقبة الجنة» .
«يقول مصطفى كمال لشعبه: يجب علينا ان نلبس ملابس الشعوب المتحضرة الراقية، وعلينا ان نبرهن للعالم اننا اءمة كبيرة راقية، ولا نسمح لمن يجهلنا من الشعوب الاخرى بالضحك علينا، وعلى موضتنا القديمة البالية. نريد ان نسير مع التيار والزمن» .