فهرس الكتاب

الصفحة 2168 من 2255

ثم يقول المؤلف: «انطلق كمال اتاتورك يكمل عمل التحطيم الشامل الذي شرع فيه، وقد قرر انه يجب علينا ان نفصل تركيا عن ماضيها المتعفن الفاسد. يجب عليه ان يزيل جميع الانقاض التي تحيط بها، وهو حطم فعلا النسيج السياسي القديم، ونقل السلطنة الى «ديمقراطية» ، وحول الامبراطورية الى قطر فحسب، وجعل الدولة الدينية جمهورية عادية.

انه طرد السلطان (الخليفة) ، وقطع جميع الصلات عن الامبراطورية العثمانية. وقد بدا الان في تغيير عقلية الشعب بكاملها، وتصوراته القديمة وعاداته ولباسه واخلاقه وتقاليده واساليب الحديث ومنهاج الحياة المنزلية التي تربطه بالماضي وبالبيئة الشرقية. لقد كان ذلك اصعب بكثير من تكوين الجهاز السياسي من جديد. وكان يشعر بصعوبة هذه العملية، فقد قال مرة: «انتصرت على العدو وفتحت البلاد، هل استطيع ان انتصر على الشعب» .

«قدم مصطفى كمال، في 3 آذار سنة 1924 م مشروعا تحولت به الدولة العثمانية الى دولة تركية، والغى منصب الخليفة.وقد كان مصطفى كمال صريحا وجريئا في حديثه عن هذا الموضوع، فقال: ان الامبراطورية العثمانية قامت علىءسس الاسلام، ان الاسلام بطبيعته ووضعه عربي، وتصوراته عربية، وهو ينظم الحياة - من ولادة الانسان الى وفاته -ويصوغها صياغة خاصة، ويخنق الطموح في نفوس ابنائه، ويقيد فيهم روح المغامرة والاقتحام، والدولة لا تزال في خطر ما دام الاسلام دينها الرسمي» .

«كان ما قرره البرلمان لم يسترع الانتباه الا قليلا، كان ذلك في الواقع ضربة قاضية على الاسلام، واصابه في المقتل، وقدكان قراره توحيد المعارف بعيد الاثر في نظام الثقافة والتعليم، فقد استحوذت بذلك وزارة المعارف العمومية على الجهاز التعليمي كله في حدود الجمهورية، ووضعت يدها عليه، وقد شل هذا التطور نشاط المدرسة وحرية الاساتذة والمعلمين الذين كانوا يباشرون التدريس فيه» .

بين اتاتورك ومعاصره هتلر وقد تحدث المؤرخ الكبير ارنولد توينبي، في كتابه (ش حس ژثآ ش زرژژخب ح ت ) ببلاغة عن مدى التاءثر الذي احدثه تغيير الحروف في تركيا وذكاء كمال في اختيار افضل الطرق لذلك.

يقول: «قد شاع في الناس ان مكتبة الاسكندرية التي كانت تضم ذخائر اكثر من تسعة قرون علمية سجر بها الناس التنور لتسخين الماء للحمامات» .

وقد قام هتلر، في عصرنا هذا، مستخدما كل وسيلة، باتلاف الذخائر العلمية التي تعارض فكرته وابادتها وقد جعل حدوث المطابع نجاح هذه العملية شبه مستحيل. وقد كان مصطفى كمال، معاصر هتلر، اكثر توفيقا وذكاء في ايثارالطريقة التي تضمن نجاحه، كان دكتاتور تركيا يريد ان يحرر مواطنيه وعقلياتهم من اجواء المدنية الطورانية التي ورثوها،ودرجوا عليها، ويصوغهم بقوة في صياغة الحضارة الغربية، وقد اقتصر على تحويل حروف الهجاء مكان احراق الكتب، وقد استغنى بذلك عن تقليد امبراطور الصين او الخليفة العربي، وقد اصبحت الذخائر الكلاسيكية كالكتب الفارسية والعربية والتركية لا تتناولها ايديهم واصبحت اجنبية لا تبلغها مداركهم، واصبح احراق الكتب عملا لا لزوم له،لان حروف الهجاء قد اءلغيت، وقد كانت مفتاح هذا النتاج العلمي والافادة منه، وبذلك ستظل هذه المشاعر مقفلة في الدواليب ينسج عليها العنكبوت ولا يطمح في قراءتها الا بعض الشيوخ المسنين من العلماء».

تهديم الفصحى وعمد دعاة الانسلاخ الحضاري الى لغة القرآن، بعد ذلك، فحاولوا ان يحجبوها عن حياتنا اليومية، في مجال الصحافة والادب والاذاعة والكتابة والقصة والخطابة، وعملوا على تحجيم مساحة لغة القرآن (الفصحى) ودورها في حياتناواستبدالها باللغة العامية.

وليس من باءس بعد ذلك - يقول هؤلاء - على صلة الناس بكتاب اللّه وحديث رسول اللّه ومصادر الثقافة والتشريع الاسلامي، فان بامكان العرب ان يحتفظوا بلغتهم الفصحى لهذا المجال الخاص المحدود، وبقدر ما يؤدي هذه الخدمة المحدودة.

يقول طه حسين في ذلك، وهو من الرواد الاوائل لهذه الدعوة القائلة بالغاء لغة القرآن من حياتنا اليومية والثقافية:

«وفي الارض اءمم متدينة، كما يقولون، وليست اءقل منا ايثارا لدينها، ولا احتفاظا به، ولا حرصا عليه، ولكنها تقبل، في غيرمشقة ولا جهد، ان تكون لها لغتها الطبيعية الماءلوفة التي تفكر بها، وتصطنعها لتاءدية اغراضها.

ولها في الوقت نفسه لغتها الدينية الخالصة التي تقرا بها كتبها المقدسة، تؤدي فيها صلواتها. فاللاتينية مثلا هي اللغة الدينية لفريق من النصارى، واليونانية هي اللغة الدينية لفريق آخر، والقبطية هي اللغة الدينية لفريق ثالث، والسريانية هي اللغة الدينية لفريق رابع، وبين المسلمين انفسهم امم لا تتكلم العربية، ولا تفهمها، ولا تتخذها اداة للفهم والتفاهم،ولغتها الدينية هي اللغة العربية، ومن المحقق انها ليست اقل منا ايمانا بالاسلام، واكبارا وذيادا عنه، وحرصا عليه».

مؤامرة حجب الامة عن تراثها وراء القضاء على الفصحى ولا يتمثل الامر، كما يقول هؤلاء، بالحرص على تيسير الحياة للناس، وان الفصحى هي العقبة في طريق هذا التيسير.

فقدبقيت الفصحى اداة التفاهم والتفكير ووسيلة المسلمين جميعا - وليس العرب فقط - في حياتهم العقلية والادبية خلال هذه القرون الاربعة عشر، وظلت اللغة العربية الفصحى تطاوع الشعر والنثر من القديم والجديد، وتطاوع العلم والدين في هذه العصور الطويلة، وتستجيب لكل الوان الادب من الجد والهزل والحماس والغزل والرثاء، ولم تتخلف اللغة العربية، في وقت من الاوقات، بما فيها من مرونة وطواعية، عن الاستجابة لحاجات الانسان.

لا يكمن الامر اذا في عجز الفصحى، ولا في الحرص على تيسير اللغة العربية للعرب، وليست اللهجات العامية اطوع للانسان العربي المعاصر في حياته العقلية والادبية والسياسية والمعاشية من الفصحى، ان لم يكن العكس، وانما الامركله يكمن في محاولة حجب «الفصحى» عن حياة العرب العقلية والادبية والسياسية واستبدالها بالعامية لتحجب هذه الامة عن الاتصال المباشر بمصادر التشريع والفكر والثقافة الاسلامية، وتنقطع عن التاءريخ والتراث والماضي والحضارة،وتحرم من الارتواء المباشر من القرآن والحديث، ولكي يسهل بعد ذلك دفع هذه الامة الى احضان الشرق والغرب اوارجاعها الى الحضارة الجاهلية الاولى: (الحضارة الفرعونية) و (المجوسية) و (الاشورية) و (الاكدية) ... وغيرها.

الدراسات الاكاديمية للهجات العامية وقد استخدمت، لتحقيق هذه الغاية، مجامع اللغة العربية، وكراسي الدراسات في الجامعة، وكبريات المجلات العلمية والادبية في العالم العربي الاسلامي. يقول احمد حسن الزيات صاحب مجلتي الرسالة والرواية:

«ان المحافظين من شيوخ الادب قد سيطروا عليه - مجمع اللغة العربية في القاهرة - في اول نشاءته، ثم انتهى زمامه الى الكتاب والصحفيين الذين نبهوا المجمع الى اهمية العامية والى خطورة جمود اللغة بتخلفها عن مسايرة الزمن» .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت