فهرس الكتاب

الصفحة 2169 من 2255

«وقد نجح اصحاب هذه الدعوات، بوسائلهم المختلفة، في ادخال دراسة ما يسمونه «الادب الشعبي» في كل اقسام اللغة العربية بكليات الاداب، وفي كلية دار العلوم، وفي كلية اللغة العربية بالازهر، بل نجحوا في انشاء كرسي لاساتذة هذه المادة في قسم اللغة العربية بجامعة القاهرة، واصبحت دار العلوم مركز الثقل في هذه الدعوة بعد ان اجتمع فيهااكبر عدد من المختصين في هذه الدراسة، وانبرى عدد من الكتاب للكتابة بالعامية، وبشكل خاص القصة وبشكل اخص الحوار فيها، ومنهم الدكتور محمد حسين هيكل في قصته المعروفة «زينب» وغيره من الكتاب.

والف القاضي ولمور كتاب «لغة القاهرة» ووضع لها فيه قواعد، واقترح اتخاذها لغة للعلم والادب، كما اقترح كتابتهابالحروف اللاتينية، وتنبيه الناس للكتابة بها، واشادت به «المقتطف» في باب التفريط والابتعاد، وهاجمتها الصحف مشيرة الى موضع الخطر من هذه الدعوة التي لا تقصد الا الى محاربة الاسلام في لغته» .

وضع اليد على المدارس وعمدوا الى الدراسة في مختلف مستوياتها، فوضعوا ايديهم على المدارس، واسسوا مدارس كثيرة في العالم الاسلامي، ووجهوا هذه المدارس باتجاه استئصال الجيل الجديد عن ماضيه وتراثه وتعويمه على السطح.

وتولى التبشير المسيحي حصة الاسد من هذه المهمة، الا انه لم يكن الهدف من ذلك توجيه الجيل الى المسيحية، وانماكان الهدف استئصال الجيل عن اصوله وجذوره الحضارية.

وقد شكى المبشرون، في عدد من المؤتمرات التبشيرية، من اخفاقهم في تحويل المسلمين الى النصرانية: «فقام القس صموئيل زويمر يقول، في نهاية هذا المؤتمر، ان الخطباء قد اخطاءوا ايما خطاء، وانه ليس الهدف الحقيقي للتبشير هوادخال المسلمين في النصرانية، وانما الهدف هو تحويل المسلمين من التمسك بدينهم، وفي ذلك نجحنا نجاحا باهراعن طريق مدارسنا الخاصة وعن طريق المدارس الحكومية التي تتبع مناهجن» .

وقد استطاع الغزاة، في هذه المرحلة ان يضعوا ايديهم على المدارس ومعاهد التثقيف في بلادنا بمساحة واسعة جدا.

يقول الجنرال «بيير كيللر» عن المعاهد الفرنسية في لبنان:

«فالتربية الوطنية كانت بكاملها تقريبا في ايدينا بداية حرب عامي (1914- 1918) .

وقد ادرك الغزاة الغربيون ان هذه المدارس والكليات والمعاهد هي افضل السبل لقطع هذا الجيل عن تراثه، وقطع التراث عن هذا الجيل ثم اشباعه بالفكر الغربي والحضارة الاوروبية.

وقد عبر اللورد لويد، حين كان مندوبا ساميا لبريطانيا في مصر، عن هذه الاهداف في خطبته التي القاها في كلية فيكتوريا الاسكندرية 1926حيث قال:

«علينا ان نقوي كل ما لدينا من وسائل التفاهم المتبادل بين البريطانيين والمصريين، وقد كان هذا التفاهم المتبادل غاية«لورد كرومر» من تاءسيس كلية فكتوريا بوجه عام، وليس من وسيلة لتوطيد هذه الرابطة افضل من كلية تعليم الشبان من مختلف الاجناس».

ثم يقول عن الطلبة: «وهؤلاء لا يمضي عليهم وقت طويل حتى يتشبعوا بوجهة النظر البريطانية بفضل العشرة الوثيقة بين المعلمين والتلاميذ» .

لا نريد ان نطيل الوقوف عند هذه النقطة، وبامكان القارىء ان يرجع الى كتب مثل: «الغارة على العالم الاسلامي» و «الاتجاهات الوطنية في الادب المعاصر» للدكتور محمد محمد حسين، و «التبشير والاستعمار» للدكتور مصطفى الخالدي والدكتور عمر فروخ، ليعرف ابعاد هذه المؤامرة الكبرى على ثقافة هذا الجيل وفكره.

وبعد، فهذه نبذة قصيرة عن المحاولات الطويلة والكثيرة التي يقوم بها دعاة التغريب والغزاة الذين دخلوا بلادنا لعزل هذا الجيل عن حضارته وتراثه وماضيه.

نتائج وافرازات المؤامرة الكبرى تتجه هذه المحاولات جميعا باتجاه قضية واحدة، هي قطع الجسور الحضارية التي تربط اجيال هذه الامة بعضهاببعضها الاخر، وتربطها جميعا بالينابيع الاولى لهذا الدين. وهذه الجسور هي التي تنقل المواريث الحضارية على الاخلاق والفكر من جيل الى جيل، فاذا انقطعت هذه الجسور لا تبقى هناك صلة في الفكر والاخلاق والثقافة بين هذه الاجيال.

وقد عمد الغزاة ودعاة التغريب الى هذه الجسور، واحد بعد آخر، فهدموها او استولوا عليها، فعمدوا الى الخط العربي،وحاولوا تغييره الى الحروف اللاتينية، وعمدوا الى الفصحى وعملوا على تغييرها الى اللهجات العامية، وعمدوا الى المدارس وحاولوا ان يضعوا ايديهم عليها وعلى مناهجها واساتذتها وكتبها بشكل كامل، وعمدوا الى احتواء المساجدوالحوزات والجامعات الاسلامية، وحاولوا ان يضعوا ايديهم عليها، حتى عاد انتخاب شيخ الازهر - وهو شيخ الاسلام- لا يتم الا بقرار من رئيس الجمهورية.

وعمدوا الى الاسرة والبيت فسعوا لافسادها، وبعث الميوعة والتحلل فيها، وتعطيل دورها الاساس في تصدير القيم والمواريث الحضارية من جيل الى جيل، وهكذا سعى دعاة التغريب والغزاة الى انسلاخ هذا الجيل عن تراثه وحضارته وماضيه، بشكل كامل، وتعويمه على السطح، وبتره عن كل اصوله الحضارية.

بعث الحضارات الجاهلية من تحت الانقاض وبعد، فليس السبب في ذلك كله الصراع بين القديم والجديد، كما يحب دعاة التجديد والتغريب ان يفسروا الامور.وانما السر في هذه المحاولات والاعمال جميعا حجب هذا الجيل عن الاسلام بالخصوص، وليس عن القديم والماضي بشكل عام.

والدليل على ذلك ان دعاة «الحداثة» و «التجديد» هؤلاء بالذات، يمدون نوعا آخر من الجسور الحضارية لربط هذاالجيل، عبر الاسلام العظيم، بالجاهليات الاولى، في مصر، وفي العراق، وفي ايران، وفي تركيا، وفي الشام، وفي سائراجزاء العالم الاسلامي.

ولقد كان بالامكان ان نفهم ان طبيعة هذا الصراع بين القديم والجديد لولا اننا نلتقي عبر دعاة التجديد والتغريب والحداثة بالحضارات الفرعونية في مصر والساسان في ايران والبابلية في العراق والطورانية في تركيا...الخ.

ونرى، بشكل واضح، ان هؤلاء يسعون سعيا حثيثا لبعث الحضارة الفرعونية، والهخامنشية، والساسانية، والبابلية،والطورانية في حياة هذه الامة من جديد، بكل الوسائل الممكنة وفي كل الميادين، في الادب شعرا ونثرا، وفي النحت والقصة والتمثيل والسينما والصحافة والكتب المدرسية وفي الازياء والفن المعماري وفي تسمية الساحات والميادين والشوارع والمحلات والحدائق. وقد استخدم دعاة الحداثة كل الوسائل الممكنة لبعث هذه الحضارات الجاهلية في حياة الامة من جديد.

دور الفولكلور في احياء الحضارات الجاهلية ومن هذه الوسائل «الفلولكلور» وما ادراك ما الفولكلور؟ وما دور الفولكلور في احياء العلاقات والتقاليد والطقوس والاساطير والخرافات التاءريخية الجاهلية وابرازها؟ وحتى الرقص والغناء والازياء والاهازيج مما كان قائما في المجتمعات والامم الجاهلية قبل عشرات القرون، واكل عليها الزمان وشرب، وقد توسع عندنا هذا النمط من الدراسات التاءريخية للفنون والعادات والتقاليد والطقوس الشعبية (الفولكلور) الى حد الاسفاف والجنون، حتى اصبح اكثر من الهم على القلب.

وولع المسؤولون، عندنا، بشكل ملحوظ بابراز الفراعنة والملوك الجاهليين في المجتمع الاسلامي في الميادين والساحات والشوارع والمطاعم والكازينوهات ودور السينما وفي محطات الوقود والمعامل، حتى اصبح من الامورالماءلوفة والعادية جدا ان تلتقي بشارع «رمسيس» ، ومطعم «كوروش» ، وسجائر «حمورابي» وامثال ذلك في حين اختفى من مجتمعاتنا اسماء «ابي ذر» و «سلمان الفارسي» و «صهيب الرومي» و «عمار بن ياسر» و «مصعب بن عمير» وغيرهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت