ويرجع أصل ذلك إلى العداء التاريخي الذي يكنه الغرب للإسلام والمسلمين ونحن لن نغوص هنا في التاريخ ولكن نكتفي بلفتة وراءنا لسنوات قليلة نشير فيها إلى بعض ما ذكرناه سابقا بتوسع:
(1) تظهر صورة هذا العداء في مبادرة من طرف الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (الناتو) ويلي كلايس، عند ما اعتبر (أن الأصولية الإسلامية باتت العدو رقم واحد للحلف، بعد انهيار المعسكر الاشتراكي ونهاية الحرب الباردة ولذلك يتوجب محاربتها) وقد كشف كلايس عن مبادرته في حديثين صحافيين قبل أن يطرحها في صورة رسمية أمام مجلس سفراء الحلف في اجتماعه الأخير، وانتقلت مبادرة كلايس إلى قرار سياسي أصدره الحلف بفتح حوار حول الموضوع مع دول مثل مصر وإسرائيل) مجلة الشروق الصادرة في إمارة الشارقة عدد 152 \6 بتاريخ 12\ 3 \1995
وفي التحقيق الذي كتبه الأستاذ بشير في العدد المشار إليه جاء في حديث للسيد ماريانو آغوري أحد أبرز الخبراء الأوربيين ومدير مركز الدراسات والبحوث الاستراتيجية الأسباني قوله: (نرى أن الفضاء الإسلامي هو المكان الذي تنطلق منه المخاطر والتهديدات والكوارث في أواخر هذا القرن. إن حالة الارتياب من الإسلام ليست جديدة، وهي ناتجة اليوم عن عداء خفي يشير إلى أن الإسلام هو الخطر الأكبر الذي يهدد الغرب بصفة غير مباشرة … وأخيرا والآن بعد ما اختفى الاتحاد السوفيتي يتساءل الاستراتيجيون والمختصون في الشئون الجيوسياسية عن المخاطر التي يمكن أن تنتج عن إسلام يمتلك القنبلة الذرية حيال أوربا خلال القرن الحادي والعشرين، من هنا جاءت موجة الإعداد لمواجهة هذا العدو الجديد)
وفي تقرير أصدرته"الأكاديمية الملكية للشئون الدولية"في لندن، جاء ما يلي ("بالنسبة إلى الأوربيين كان الإسلام مسألة تشغل بالهم دائما، غير أن هذه المشكلة ليست ظاهرة بعيدة، والآن أصبحت جزءا من الواقع الثقافي في الأحياء الأكثر فقرا في بعض المدن الأوربية، إن العدو القديم تسلل من الباب الخلفي حاملا لافتات غرائبية وغير منطقية تكونت عبر العصور:"جهاد ضد الكافرين، وتقبل سلبي للمصير، وللعقيدة المتزمتة") "
وهنا يشير بعضهم إلى (أن التهديدات النووية يمكنها أن تكون صادرة من بلدان العالم الثالث حيث رؤساء الدول لا يتمتعون بقدر كاف من العقلانية، وليسوا واعين للعواقب التي ستترتب على عدم الانصياع للمنطق المفروض من قبل الولايات المتحدة وروسيا خلال الحرب الباردة)
وهنا تبدو عنصرية هذا الطرح الذي ينطلق من عقيدة الغرب في تفوق الرجل الأبيض عنصريا، كما يبدو منطقه متهافتا إذ يعني أن الجنون حالة إسلامية تعني تجريد المسلمين من القدرة على الدفاع عن أنفسهم ضد"الحالة الصهيوينة"المسلحة نوويا.
وبما أننا نحن المسلمين نواجه في الواقع عدوا عاقلا جدا، فإنه لابد من وجود تفسير أكثر عمقا وشمولا وعقلانية من مجرد الإشارة إلى أسلحة الدمار الشامل: إنها فكرة الصراع في الغرب، نجدها جزءا من بنيتهم الثقافية قديما وحديثا، فهناك"صراع الآلهة"فوق جبال الأولمب، كما نجده في أساطير الإلياذة والأوذيسة وما جره هذا الصراع من صراع بين أسبرطة وأثينا، ثم هناك صراع الدولة الرومانية مع الدولة الفارسية، وصراعها مع الإسلام، وصراع المسيحية مع الإسلام، وزحف هذا الصراع إلى أمريكا في عملية إبادة الهنود الحمر، وزحف الاستعمار الحديث على الشرق، وصراع الغرب لإبادة المسلمين في حروب القرم والقوقاز، والبلقان، وتحتل فكرة الصراع موضع العقيدة في التكوين الثقافي للإنسان الغربي المعاصر، فهو - أي هذا الإنسان - قد يشك في عقيدته المسيحية، وقد يشك في عقيدته الرأسمالية، أو غيرها ولكن تبقى لديه فكرة الصراع راسخة لا تمس، بدءا بالصراع البيولوجي الذي أسسه دارون، ومرورا بالصراع الاجتماعي عند هربرت سبنسر، وانتهاء بصراع القوميات عند نيتشة، وهو - أي هذا الإنسان - في ذلك كله ينظر إلى الصراع لا باعتباره شرا لابد منه، ولكن باعتباره آلية التقدم في الطبيعة والإنسانية والحضارة.
إنه الصراع الذي لا يكتفي بمقتضى ثقافتهم بغير إبادة الآخر، مهما ارتفعت لديهم شعارات الديموقراطية وحقوق الإنسان والحوار والاعتراف بالآخر، فهي شعارات سطحية"مضروبة"لا يشتريها أحد، يسمح بها طالما كانت الأمور"تحت السيطرة"لحساب التفوق العنصري الأبيض، أما إذا اهتز هذا التفوق أو تحركت ضده نذر الخطر من بعيد على مرمى قارات ومرمى قرون فإن الإبادة للآخر تنكشف لتكون هي الأساس
إبادة الآخر في الأندلس، إبادة الآخر في القارة الأمريكية الجديدة (الهنود الحمر) ، إبادة الآخر المسلم في أوربا الشرقية والبلقان وآسيا الصغرى والقوقاز، إبادة الآخر في الشرق الأوسط، في الجزائر وفلسطين والعراق وإيران، إبادة الآخر في تصنيفهم للعالم أخيرا إلى محورين: أحدهما للخير، والآخر للشر. تلك هي مشكلتهم المستعصية التي يعالجونها بلا هوادة منذ ظهور الإسلام إلى اليوم، وليس من بعد أحداث حالية.
وهاهو وزير السياحة الإسرائيلي المدعو بني آلون يصرح لصحيفة هأرتس في مطلع شهر (مايو 2003 م) قائلا:"من الواضح أن الإسلام في طريقه إلى الزوال، فما نشاهده اليوم في العالم الإسلامي ليس انتفاضة إيمان قوية، بل انطفاء جذوة الإسلام، أما كيف سيزول فبكل بساطة بقيام حرب مسيحية صليبية ضد الإسلام في غضون بضع سنوات، ستكون الحدث الأهم في هذه الألفية، وطبعا سنواجه مشكلة كبرى حين لا يبقى في الساحة سوى الديانتين الكبيرتين: اليهودية!! والمسيحية، غير أن ذلك ما زال متروكا للمستقبل البعيد". أما المشكلة الكبرى التي يتحسس لها الوزير بعد القضاء على المسلمين فهي المواجهة التي يتوقعونها بين المسيحية واليهودية آنذاك.
أليس من الضروري إذن أن نحذر المسلمين اليوم من التناوم والغفلة عن ثأر أوربا ضد الإسلام الذي يتركز في منطقة الشرق الأوسط بالذات، ولن يكتفي هذا الثأر حتى يقتات على لحومهم ودمائهم وعظامهم بغير استثناء، ويتطاول إلى قدسين: تم له الإطباق على أحدهما وهو بيت المقدس، ويخطو حاليا بخطوات ثابتة نحو الآخر.
(3) وبقدر ما أنه من المناقصة على الإسلام في باب الدعوة للقتال - أن يعرض الحمائم فيه"حوار السلام والرحمة والتسامح"في نفس الوقت الذي وصلت قعقعة السلاح ضده إلى عنان السماء، كذلك فإنه من المزايدة الفارغة على الإسلام - في باب الدعوة للسلام أن ينكر أعداؤه عليه فريضة الجهاد، لأنهم إذ ينكرونها فإنما يدعون إلى حالة من الفوضى والضعف يصبح السلام معها أمرا مستحيلا
إذ من المؤكد تاريخيا أن الضعف يمثل الإغراء الأقوى بالاعتداء وتدمير السلام، ومن المؤكد استراتيجيا كما هو معروف أن نفوذ الأقوياء ليس حصيلة قوتهم فحسب ولكنه معادلة من طرفين: قوتهم الذاتية + ضعف العدو وحرص رجاله على الحياة
وهم إذ ينكرون الجهاد على الإسلام لا ينكرون عليه فريضة دينية فحسب، ولكنهم يرتكبون نفاقا مكشوفا: حيث يحرصون على أن يغرق الكيان الصهيوني فلسطين بالدماء والدمار بأحدث الأسلحة الأمريكية، تاركا للدول العربية أن تحصي الشهداء، الذين يسقطون والمنازل التي تدمر والأراضي التي تجرف أو تصادر
وحيث يحرصون على أن تمتلئ ترساناتهم الحربية بما يكفي لتدمير الحياة الإنسانية على الأرض مرات ومرات بينما هم يعملون على تجريد المسلمين من كل سلاح بدعوى السلام، في الوقت نفسه .