فهرس الكتاب
والجواب بلى كانت لهم عقول، وكانت لهم حضارة، وكانت لهم علوم، ولكنهم اغتروا بها فاقتصر نظرهم على ظاهر الأمور ولم يتعده إلى مسبباتها وحقائقها وما ورائها، وتأمل معي قول العزيز الحكيم: (وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَأَيَّ آيَاتِ اللَّهِ تُنكِرُونَ * أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ فَمَا أَغْنَى عَنْهُم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ * فَلَمَّا جَاءتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِندَهُم مِّنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُون * فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ * فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ) .
نعم قد سمعوا بالآيات التي نزلت بالأمم كما سمعنا بها، ورأوها كما شهدناها، وعلموا أن الهالكين أشد منهم قوة وآثارًا في الأرض كما علمنا، وفوق ذلك كله قد جاءتهم الرسل بالبينات كما جاءتنا، ولكن؟
(فرحوا بما عندهم من العلم) فكانت النتيجة الطبيعية: (وحاق بهم ما كانوا به يستهزؤون) ، وعندها استفاقوا: (فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ * فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ) .
لقد كانوا يرون الآيات ولكن ما عندهم من العلم قادهم إلى بَطَر الحق، فَمَنْ أُهلِكوا بالريح، غضبت عليهم الطبيعة وفق علومهم! إثر تقلبات جوية، سببتها تخلخلات في الضغط الجوي بفعل تغيرات في السخونة والبرودة. وهكذا تنتهي الآية فلا ينظر عاقل في مسبب الأمر وموقته ومدبره، سبحانه وتعالى!
كان أحدهم يرى الخسوف فيقول من الطبيعي انعكاس ظل الأرض على القمر! وينسى الذي أوجد هذه الطبيعة بعد أن كوكب الكواكب وأجراها على ناموس مطرد فلا يتساءل ما باله أمره فاضطرب هنا، ولماذا؟
وإذا أُهلك قوم بالطوفان، ورأوا الآية فرحوا بما عندهم من العلم، وقالوا: هزة أرضية ناجمة عن تخلخل للصفائح في قعر المحيط أدى إلى ارتفاع مد البحر، وتننتهي القضية دون نظر إلى من أوجد تلك الصحائف وأرساها وجعل بها صدوعًا في ذلك المكان ودون اعتناء بأمر من أمر تلك الصحائف أن تضطرب الساعة فاضطربت، وأمرها أن تسكن بعدها فسكنت! فإذا تساءلت من المسبب لتلك الأسباب، يخرس متفلسفة كل عصر، وينطق العجاج، من عاصر الجاهلية الأولى ثم أدرك الإسلام:
الحمد لله الذي استَقَلَّتْ بإذنه السماءُ واطمأنتْ
بإذنه الأرض فما تَعَنَّتْ وَحَّى لها القرارَ فاستقرتْ
وشَدَّها بالراسيات الثُبَّتْ رَبُّ العبادِ والبلادِ القُنَّتْ
لقد رأى فرعون طوفان النهر أو البحر أحد تسع آيات ذكرت في القرآن فلم يعتبرها آية، بل ثورة كونية! ويرى اليوم بعض الناس طوفان المحيط فيتبع منطق فرعون فلا يراه آية، بل هو غدر الطبيعة القاسي!
ويصر على عزو الأمور إلى أسباب تفتقر إلى أخرى لاتنتهي إلاّ عند مسببها. فقد تقرر في ميزان العقول أن كل ماهو جائز الحدوث، من نحو هذه العوارض الأرضية، من الممكن أن يكون، ومن الممكن ألا يكون، فكونه جائزًا قضى باستواء طرفي الوجود والعدم، فلا يترجح أحد الطرفين فيكون موجودًا أو يكون معدومًا إلاّ بمرجح خارجي ليس بجائز بل واجب تختلف صفاته ونعوته عن مايدركه البشر من الموجودات الجائزة فلا تجري فيه مقاييسهم.
إن من فرح بما علمه من أسباب كونية وأصر على قصر تفسير الظواهر الأرضية بها فسينتهي به المطاف إلى الحيرة أو الاتكاء على سبب هش لن يجد له مسببًا إلاّ إن أقر بالخالق الرازق المدبر واعترف بعلمه وقدرته ومشيئته، وعلم أنه لايحيط به علمًا.
وعندها حري به أن يلهج بدعاء الأنبياء: (سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ) ، (لَّا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ) .
المصدر: موقع المسلم
الزلزال
أ. د .ناصر بن سليمان العمر
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه والتابعين، وبعد، فإن الحواث التي تحل بالمسلمين أصبح ينسي بعضها بعضًا، وغدا كل مجتمع منشغل بنفسه، ينظر المؤمن لأخيه المؤمن وكأنه (أجنبي) لاتربطه معه علاقة، مع أن أوثق عرى الإيمان الحب في الله والبغض في الله، وهذا يقتضي التأثر بمصاب المسلم، والتفاعل معه في قضاياه، وقد رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم أناسًا من مضر حفاة عراة مجتابي النمار فتمعر وجهه وقام خطيبًا في الناس، فجاء رجل من الأنصار بصرة كادت كفه تعجز عنها بل قد عجزت ثم تتابع الناس، يقول جرير بن عبدالله البجلي: حتى رأيت وجه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يتهلل كأنه مذهبة. فينبغي للمسلمين أن يكونوا كالجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد، فالمسلمون تتكافؤ دماؤهم، ويسعى بذمتهم أدناهم، وهم يد على من سواهم.
وقد أصيب بالرجفة إخوة لنا في أرض الجزائر، دماؤهم دماؤنا، وهدمهم هدمنا، وهذه وقفات وتأملات، ودروس يقدمها لنا المصاب الجلل الذي نزل بإخواننا هناك، وأجملها في ثلاث نقاط:
أولًا الكوارث البشرية قد تكون نعمًا:
إن الله ينذر العباد بالآيات السمعية ويخوفهم بها أليم عقابه (وَكَذَلِكَ أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا الله) ، غير أن بعض البشر ربما طغت على قلوبهم وعقولهم حجب تحول دون التدبر أوالتأثر بالآيات السمعية، فمن رحمة الله تعالى بهم أنه يرسل كذلك الآيات العينية، لعلها ترفع الحجب وتزيل الغشاوة (.. وَمَا نُرْسِلُ بِالآيَاتِ إِلاَّ تَخْوِيفًا) وفي الصحيحين قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله، يخوف الله بهما عباده، وإنهما لا ينكسفان لموت أحد من الناس، فإذا رأيتم منها شيئا فصلوا وادعوا الله حتى يكشف ما بكم) .