فهرس الكتاب
ليس المقصود من هذا الموضوع نجاة البدن فقط، أو طلب النجاة في الدنيا.. بل الأهم من ذلك صلاح القلب أولا، وإذا صلح واستقام حصلت نجاة البدن والقلب جميعا في الدنيا والآخرة. أما إن كان القلب فاسدا قد استولى عليه اتباع هواه وطلب ما يحبه ولو كرهه الله، فقد تعرض لسخط الله وعقابه، ومهما عمل من حيلة لنجاة بدنه من الكوارث والفواجع فلا يمنع عنه عذاب الله، إذا قدر عليه بذنبه ولو جعل منزله نم حديد مؤسس في أعماق الأرض؛ لأنه أهمل الوقاية الشرعية، لو نجاه الله في الدنيا فقد عرض نفسه لعذاب الآخرة وهو الأشد والأنكى، قال الله تعالى: {يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم} الشعراء.
ولهذا لما حصلت الزلزلة لم يخطب عمر رضي الله عنه بتوجيه الناس إلى الملاجئ أو تأسيس البناء في مواصفات معينة، بل وجه إلى الأهم فأمرهم بالتوبة؛ لأن سبب الزلزلة معصية. وهكذا قال ابن مسعود رضي الله عنه عند الرجفة: ( إن ربكم يستعتبكم يطب منكم الرجوع إلى ما يرضيه) .
أما الاهتمام المادي لنجاة البدن فقط وطلب البقاء فمن صفات الكفار قال الله تعالى: {ولتجدنهم أحرص الناس على حياة ومن الذين أشركوا يود أحدهم أن يعمر ألف سنة وما هو بمزحزحه من العذاب أن يعمر والله بصير بما يعملون} (سورة البقرة) .
أما المؤمن فيسعى إلى إرضاء الله ولو أدى إلى إزهاق نفسه، وتلف بدنه كما يحصل في الجهاد في سبيل الله.
وعلى كل لا منافاة شرعا بين اتخاذ من الجمع بين اتخاذ الأسباب الشرعية والأسباب المادية، لطلب الأمن والسلامة.
وخلاصة القول أن المطلوب منك أخي المسلم الاهتمام بهذه الأسباب الشرعية وهي تحقيق الإيمان والتضرع والدعاء والتوبة والاستغفار، والإصلاح والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والإنفاق في سبيل الله، قبل حلول الكارثة، وإذا قدر الله شيئا من ذلك فيضاعف العمل لعل الله أن يكشفها ويخفف أثرها.
الوقفة الخامسة عشرة:
إنذار الناس من عذاب الله من مهام الأنبياء والرسل التي أمروا بها، قال الله تعالى لنبينا صلّى الله عليه وسلّم: {إنا أرسلناك بالحق بشيرا ونذيرا} {إنما أنت منذر} وقال الله جلا وعلا عن نوح عليه السلام: {إنا أرسلنا نوحا إلى قومه أن أنذر قومك من قبل أن يأتيهم عذاب أليم} .
وعن عبد الله بن بريدة عن أبيه رضي الله عنه قال: (خرج إلينا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يوما فنادى ثلاث مرات فقال:(( أيها الناس تدرون ما مثلي ومثلكم؟ ) )قالوا الله تعالى ورسوله أعلم. قال صلّى الله عليه وسلّم: (( إنما مثلي ومثلكم مثل قوم خافوا عدوا يأتيهم فبعثوا رجلا يتراءى لهم فبينما هو كذلك أبصر العدو فأقبل لينذرهم وخشي أن يدركه العدو قبل أن ينذر قومه فأهوى بثوبه أيها الناس أوتيتم أيها الناس أوتيتم ـ ثلاث مرات ـ ) )رواه الإمام أحمد.
والله تعالى يقول لنا: {لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا} فواجب على كل مسلم ومسلمة أن يزكي نفسه ويتوب إلى الله تعالى من كل ذنب ويسعى في إنذار غيره كل حسب استطاعته، لعل الله أن يرحم البلاد والعباد.
هذه أهم أسباب النجاة والأخذ بها هو الحل الحقيقية لكل كارثة ومصيبة، ولا يمنع بعد ذلك من اتخاذ الأسباب المادية.
اللهم إنا نعوذ بك من جهد البلاء ودرك الشقاء وسوء القضاء وشماتة الأعداء، اللهم يا حي يا قيوم نجنا من الفتن والمصائب واجعلنا من أسباب نجاة عبادك منها. آمينا اللهم إني بلغت اللهم فاشهد. وصلى الله وسلم وبارك على أفضل الأنبياء والمرسلين.
حرر مع الإضافات في 24\11\1425هـ.
زلزال آسيا.. وقفة اعتبار
أ. د .ناصر بن سليمان العمر
الحمد لله على ما قضى وقدر، والشكر له على ما امتن به وتفضل، والصلاة والسلام على البشير النذير والسراج المنير، نبينا محمد وعلى آله وصحابته ومن اتبع سبيلهم إلى يوم الدين.
وبعد فإن الله عز وجل خلق الخلائق لعبادته، وجعل الحياة الدنيا دار اختبار وابتلاء لينظر كيف يعملون، (خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملًا) ، (ونبلوكم بالشر والخير فتنة وإلينا ترجعون) .
وإن من جملة الابتلاء الذي عاشه بعض أهل الأرض وبالأخص أهل جنوب شرقي آسيا ذلك الزلزال الذي ضرب المحيط الهندي فتجاوزت آثاره غربي القارة حتى بلغت الصومال بإفريقيا، مشردًا أكثر من خمسة ملايين، ومتسببًا في موت زهاء مائة وخمسين ألف نفس بشرية فضلًا عن غيرها.
ولا شك أن هذا الزلزال آية كونية مرئية تدل على قدرة الله، يخوف الله بها عباده يتحتم الوقوف معها، وأخذ بعض الدروس والعبر منها، وقد جالت بالنفس خواطر عدة أثناء قراءة أخبار الزلزال والطوفان الناجم عنه، ولعلي أقف اليوم وقفة مع مسألة ثم إن تسير الأمر وقفت مع مسائل أخرى في مقالات ربما أتيح لجمعها كتاب.
فمن ذلك الوقوف عند قوله تعالى: (وما نرسل بالآيات إلاّ تخويفًا)
إن الله عز وجل يخوف عباده بالآيات السمعية كما قال سبحانه: (ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ) فيعتبر ويتذكر أولوا الألباب كما قال سبحانه: (وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الألْبَابِ) .
غير أنه تظل فئة من الناس متبلدة الأفهام والإحساس لاتؤثر فيها الآيات السمعية، بل ما تزداد غير طغيان وبعدًا، كما قال سبحانه: (وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلاَّ فِتْنَةً لِّلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي القُرْآنِ وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلاَّ طُغْيَانًا كَبِيرًا) .
ولعل من إمهال الله لفئام من البشر الذين تبلدت أحاسيسهم وفهومهم فلم تخلص إليهم معاني الآيات السمعية المتلوة، ومن رحمة الله بهم بعثه بالآيات الكونية المرئية المحسوسة، حتى تنبه من لم تكفه الإشارة، وتنغز من لم يفهم العبارة، فإن انصاعوا بعدها تجاوز عنهم، وغفر لهم، وكشف ما بهم، وإن استمرءوا التكذيب ومحادة الرسل، فلم تبق إلاّ النار تذيب تلك الفهوم المتحجرة، وتشوي تلك الجلود الثخينة المتبلدة.
ولهذا جرت سنة الله بإهلاك المكذبين الذين لم تكفهم الآيات السمعية، بعد إرسال الآيات الكونية، فإذا لم يعتبروا بهما أهلكهم بعدها أخذًا لهم بذنوبهم، ومن هؤلاء قوم صالح أصحاب الناقة، جادلهم رسولهم بالحجج السمعية، ثم بعث الله لهم آية مشهودة مرئية، فقال الله عز وجل حكاية عن نبيهم: (وَيَا قَوْمِ هَذِهِ نَاقَةُ اللّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللّهِ وَلاَ تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ * فَعَقَرُوهَا فَقَالَ تَمَتَّعُواْ فِي دَارِكُمْ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ) .
ولم يُذكر في القرآن أن الله أنجى قومًا بعد أن رأوا الآية الكونية إلاّ قوم يونس، قال الله تعالى: (ولَوْلاَ كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلاَّ قَوْمَ يُونُسَ لَمَّآ آمَنُواْ كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الخِزْيِ فِي الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ) . فما أعقلهم من قوم آبوا جميعًا ورجعوا إلى ربهم مذعنين عندما رأوا الآية.
قد يتعجب المرء! ما بال أولئك المكذبين؟ أليست لهم عقول؟ أولا يرون الآيات؟ فما بالهم لايرعوون ولايرجعون؟! أيعقل أن يرى فرعون تسع آيات ثم يصر مستكبرًا؟ ألا يعقل؟