منذ نحو عشر سنين، وتحديدًا منذ الانقلاب على شرع الله، وتنحية البرلمان الإسلامي الذي اختاره رجال العشائر، وإخوة الإسلام في أرض الجزائر، والأرزاء في تلك البقعة تترى، أصيبت البلاد بعدد من الكوارث، ومع ذلك لم يتجاوز عدد القتلى في هذه النكبات بما فيها الزلازل الثلاثة الأخيرة ثلاثة آلاف.
على الرغم من شدة الزلازل، وقلة التحصينات، والشكوى من سوء التدبيرات، كان عدد القتلى يقل عن الثلاثة آلاف، ولا أقلل من العدد بل هو عدد ضخم إذا ما قورن بما تحصده الزلازل في بعض الدول التي تأخذ بالأسباب المادية والطرق الوقائية والتحصينية، كسائر دول أوروبا واليابان.
ولكن ما يجب أن ننتبه إليه هو أن هذا العدد لا يمثل شيئًا إذا ما قورن بحصاد الهرج المر، ففي غضون عشر سنوات قتل من أهل الجزائر بسبب الفتنة التي ماجت، ووفقًا للمصادر الحكومية، مئة ألف إنسان، ويصل التعداد وفقًا لمصادر أخرى إلى ما يربوا على المائة والخمسين ألفًا، أي أن أثر الهرج فاق أثر الزلازل بأكثر من خمسين ضعفًا!
إن مفسدة الهرج عظيمة، يجب أن يقدر قدرها قبل الإقدام على أي عمل قد يقود إليها، فإن عواقبها وخيمة، قال البخاري: وقال ابن عيينة عن خلف بن حوشب كانوا يستحبون أن يتمثلوا بهذه الأبيات عند الفتن، قال امرؤ القيس:
الحرب أول ما تكون فتية *** تسعى بزينتها لكل جهول
حتى إذا اشتعلت وشب ضرامها *** ولّت عجوزًا غير ذات حليل
شمطاء ينكر لونها وتغيرت *** مكروهة للشّم و التقبيل
وإذا دخل الناس في الفتن وتلوثت الأيدي بالدماء، شق بعدها الخروج منها، وفي صحيح البخاري، عن ابن عمر أنه قال: (إن من ورطات الأمور التي لا مخرج لمن أوقع نفسه فيها سفك الدم الحرام بغير حله) ، وفيه أيضًا عن ابن عمر -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (لن يزال المؤمن في فسحة من دينه ما لم يصب دما حرامًا) ، قال بن حجر:"وقد ثبت عن بن عمر أنه قال لمن قتل عامدًا بغير حق: (تزود من الماء البارد، فإنك لا تدخل الجنة) ، وأخرج الترمذي من حديث عبد الله بن عمر: (زوال الدنيا كلها أهون على الله من قتل رجل مسلم) ، قال الترمذي: حديث حسن، قلت: وأخرجه النسائي بلفظ: (لقتل المؤمن أعظم عند الله من زوال الدنيا) ، قال ابن العربي: ثبت النهي عن قتل البهيمة بغير حق، والوعيد في ذلك، فكيف بقتل الآدمي؟ فكيف بالمسلم؟ فكيف بالتقي الصالح؟" (1) .
إخوة الإسلام إن هذه الزلازل دعوة لإعادة الأمور إلى نصابها، بتحكيم شرع الله، وإلقاء السلاح، فإن المفسدة عظيمة، وقد جاء في الحديث: (يا معشر المهاجرين: خمس إذا ابتليتم بهن، و أعوذ بالله أن تدركوهن) قال في الخامسة: (و ما لم تحكم أئمتهم بكتاب الله، و يتخيروا ما أنزل الله، إلا جعل الله بأسهم بينهم) . (2) .
جعلنا الله وإياكم من المعتبرين بآيات الله المنقادين لأمره.
وفي الختام لاشك أن من الواجبات التي تمليها إخوة الإسلام، الوقوف مع إخواننا في هذه النوازل حسًا ومعنًا، دعاءً وبذلًا، أسأل الله أن يلطف بالمسلمين عامة وبأهل الجزائر خاصة، وأن يمن علينا وعليهم بالأمن والإيمان، والسلامة والإسلام، اللهم استر عوراتنا، وآمن رواعتنا، واحفظنا من بين أيدينا ومن خلفنا، وعن أيماننا وعن شمائلنا ومن فوقنا، ونعوذ بعظمتك أن نغتال من تحتنا.
وصلى الله وسلم على نبينا وآله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.
الهوامش:-
(1) الفتح 12/189.
(2) رواه ابن ماجة 2/1332، وحسنه الألباني في الصحيحة 1/216 رقم (206) .
"تسونامي".. الطوفان يعود!!
د. لطف الله ملا خوجة
عاد الطوفان من جديد..!!
في يوم الأحد الماضي وقع زلزال كبير وسط المحيط الهندي، بقوة بلغت 9.8 درجة بمقياس ريختر، حرك المحيط الكبير في كل اتجاه، بارتفاع زاد عن عشرة أمتار، فجاءت الأمواج كصواعق، وعواصف، وطوفان، تجاه الشواطئ المحيطة، فضربتها، فما أبقت فيها ولم تذر.. كان مريعًا..!! القتلى بلغوا (150) ألف قتيل، بحسب الإحصاءات الرسمية، والعدد مرشح للزيادة حتى المائتي ألف، مع تشريد المليون ومئات الآلاف، وتخريب جزر، ومنتجعات، وقرى، ومدن، ومناطق بكاملها، وكل شيء كان في طريق هذا الطوفان الكبير.
وقد عم شواطئ دول عدة هي: إندونيسيا ( أكثرها تضررًا، حيث زاد القتلى فيها على 80 ألفًا) ، وسيريلانكا (بلغ 30ألفًا) ، والهند (13ألفًا) ، وتايلند (3 آلاف) ، والمالديف، وقوة الزلزال دفعت بأثره إلى بلاد بعيدة، حيث تأثرت كل من: الصومال، وتنزانيا. فقتل فيها المئات، وشعر بأثره القاطنون سواحل: عمان، واليمن.
هذا الحدث الهائل صار الخبر الأهم؛ تابعه العالم كله، ورصدته الأخبار كل لحظة، وفي كل موقع، ودرسه المختصون في علوم الأرض، وتنبؤوا بحدوث تغيرات في الأرض: في سرعة دورانها، وفي تحرك جزيرة سومطرة، أقرب النقاط إلى موقع الزلزال، وأكثرها تأثرًا، عن موقعها تجاه الجنوب بنحو ثلاثين كيلومتر، كما تحدثوا عن المساعدات التي بدأتها تتدفق إلى تلك البلدان، وكان أسرعها مساعدات الدول الإسلامية.
كل ذلك تحدثوا عنه بالتفصيل، والتكرار، وتحدثوا عن شيء أيضًا، ربما لفت أنظار بعض المتابعين، وهو: أن الزلزال وقع متوافقًا مع اجتماع أعداد كبيرة من السياح الذين أتوا لهذه المناطق الدافئة، هروبًا من البلاد الباردة، للاحتفال بأعياد رأس السنة وميلاد المسيح عليه السلام، فنزلوا في منتجعات على الشواطئ، اشتهرت بجمالها الأخّاذ، أتَوْا حاملين معهم ما يسميه بعض الناس:"ثقافات وعادات اجتماعية": يشربون الخمر، ويتعرون الرجال والنساء جميعًا، ويمارسون الفواحش، ويرتكبون أعمالا قبيحة وشنيعة، مع تواطؤ من بعض أهل تلك البلاد من: رؤساء، وتجار، وعامة. بتيسير كل هذا الأمور لهم، وإعانتهم عليها، حبًا في المال..!!
ولما كثرت الفاحشة وعمت: نزل عليهم غضب الجبّار. فجاءهم العذاب من حيث لم يحتسبوا، جاءهم من المكان الذي تمتعوا به، واستنشقوا نسماته، وأكلوا من نعمه، ونعّموا أبدانهم بمائه، فما أمهلهم، ولا استمهلهم، جاءهم بغتة، فلم يتركهم إلا قتيلًا، أو فقيدًا، أو شريدًا، ممزقين، حيارى، نادمين، قال تعالى:
- (وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد) [هود:102] .
لقد خرب الزلزال منتجعات، كانت تسمى بجنة السياح، كمنتجع"بوكيت"و"خولاك"في تايلند، فتركها وغيرها أثرًا بعد عين، ودمارًا بعد عمار، وأطلالًا وذكريات أليمة، زرع الحزن وقتل الفرحة:
- (فكأين من قرية أهلكناها وهي ظالمة فهي خاوية على عروشها وبئر معطلة وقصر مشيد) [الحج:45] .
انظر إلى الأطلال كيف تغيرت *** من بعد ساكنها وكيف تنكرتْ
سحَبَ البِلى أذيالَه برسومها *** فتساقطت أحجارُها وتكسّرتْ
ترك الناس يجمعون جثث الأحباب، والخلان، وذوي القربى، عاجزين عن دفنها لكثرتها..جاء الزلزال وما أراد إلا الشواطئ، بما فيها من كبائر، فما أصاب إلا إياها، ومثله في قوته الهائلة، لو أصاب عمق اليابسة، لقتل ملايين من الخلق، لكنه أراد مرتادي الشواطئ، فبدأ من قعر المحيط، ثم مد غضبه إلى أطرافه..!!
- (ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر * وفجرنا الأرض عيونا فالتقى الماء على أمر قد قدر * وحملناه على ذات ألواح ودسر * تجري بأعيننا جزاء لمن كان كفر * ولقد تركناها آية فهل من مدكر * فكيف كان عذابي ونذر * ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر) [القمر:11ـ17]