فهرس الكتاب

الصفحة 402 من 2255

إنها لآية..!! لقد حكى الله تعالى لنا أقواما عُذّبوا، وأُهلكوا بأيسر من هذا، وأخّر هذا ذكرى لنا.

والعبرة واضحة للمؤمن، فما وقعت مصيبة إلا بذنب، ولا رفعت إلا بتوبة، لكن أنى للقاسية قلوبهم أن يفهموا هذا..؟! وقد حكى الله -تعالى- عنهم فقال:

(ولقد أخذناهم بالعذاب فما استكانوا لربهم وما يتضرعون) [المؤمنون:76]

فكم أولئك الذين يردّدون: أن لا علاقة بين الكوارث من زلازل ونحوها والذنوب. أن لا علاقة بين الزلازل وغضب الله تعالى؛ وأنها ظواهر طبيعة محضة، تحدث لأسباب فلكية، وجيولوجية.

ويتخذ للتوصل إلى هذه النتيجة مقدمات، هي في حقيقتها شبهات لا تقوم أمام حجج النقل والعقل، فمنها:

1-كيف تكون الزلازل عقوبة مع الإنعام؟

2-الزلازل لها أسبابها الطبيعية المحضة، وهي تجري على سنة ثابتة، لا علاقة لها بأحوال الناس المتغيرة.

3-إذا كانت الزلازل عقوبات، فلم يُصاب بها المسلمون والكافرون على حد سواء؟

وهذا الفهم والتحليل خطأ مصادم لنصوص صريحة في القرآن والسنة، تبين أن الكوارث إنما تصيب الإنسان والأمم لغضب الله تعالى عليها، لركوبها المعاصي، وهذا تفصيل تلك الشبهات وتفصيل الجواب عليها:

الشبهة الأولى: أن الزلازل تصيب دولًا وأممًا متقدمة غنية، فإذا كانت هذه الكوارث دليل غضب الله، فلم يعطيها من النعم وهو عليها غاضب؟

فهذه الشبهة مبنية على استحالة اجتماع النعمة والنقمة في محل واحد: شخص أو أمة؛ فهي من مقدمتين ونتيجة:

المقدمة الأولى: النعمة والنقمة لا تجتمعان في محل واحد.

المقدمة الثانية: الزلزال وقع في محل نعمة.

النتيجة: الزلازل ليست نقمة ولا عقوبة على ذنب، بل ظاهرة طبيعية محضة، كطلوع الشمس وغروبها.

وفي الجواب نقول: المقدمة الأولى خاطئة من حيث العقل والشرع، وإذا بطلت المقدمة بطلت النتيجة.

فالعقل لا يمنع من اجتماع النعمة والنقمة في محل واحد، ونحن نرى هذا ونفعله، من أصاب أحسنّا إليه، فإن أخطأ عاقبناه، وقد يخطئ وهو في عمل حسن؛ فنعاقبه على خطئه، ونثيبه على إحسانه في الوقت نفسه، وهكذا القاعدة في تعامل الأمم فيما بينها، يُعرف لها إحسانها وإساءتها، فتعامل بقدر كل شيء.

وفي الشرع: فإن النصوص أشارت إلى القواعد التي يتعامل بموجبها مع خطايا البشر، وهي:

-القاعدة الأولى: أن يعامل الناس بالعدل؛ وذلك بأن يُثاب الإنسان على إحسانه والأمم على إحسانها بالنعم، وتُعاقب على إساءتها بالعقوبات، فيجتمع فيها كلا الأمرين، وهذه معاملة العدل تعمّ المسلمين والكافرين.

-القاعدة الثانية: أن يُعامل الناس بالإمهال؛ وذلك بأن يجعل الله -تعالى- للعُصاة خصوصًا الكافرين. النعم في هذه الدنيا، ويقلّبهم فيها، لكن ذلك لا يمنع من عقوبتهم في بعض الأحيان بكوارث: عظة وعبرة.

وآية ذلك قوم فرعون، كانوا في النعيم العظيم، قال تعالى:

- (ونادى فرعون في قومه قال يا قوم أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي أفلا تبصرون) [الزخرف:51] .

- (كم تركوا من جنات وعيون * وزروع ومقام كريم * ونعمة كانوا فيها فاكهين) [الدخان25ـ27] .

لكن ذلك النعيم لم يكن خالصًا، بل خالطه العذاب والعقوبة، قال تعالى:

- (وما نريهم من آية إلا هي أكبر من أختها وأخذناهم بالعذاب لعلهم يرجعون) [الزخرف:48] .

- (فأرسلنا عليهم الطوفان والجراد والقُمّل والضفادع والدم آيات مفصلات...) [الأعراف:133] .

هذا مع كونهم في الآخرة من الخاسرين، لكن ذلك لم يمنع من متاعهم في الدنيا، قال تعالى:

- (النارُ يُعرضُون عليها غدوًا وعشيًا ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب) [غافر:46] .

وكذا ما حصل لكفار مكة، قال تعالى:

- (فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين * يغشى الناس هذا عذاب أليم * ربنا اكشف عنا العذاب إنا مؤمنون* أنى لهم الذكرى وقد جاءهم رسول مبين * ثم تولوا عنه وقالوا معلم مجنون * إنا كاشفو العذاب قليلا إنكم عائدون * يوم نبطش البطشة الكبرى إنا منتقمون) [الدخان: 10ـ16] .

فإذا بطلت المقدمة بطلت النتيجة إذن.

الشبهة الثانية: أن الزلزال ظاهر كونية طبيعة محضة ثابتة، لا علاقة لها بأحوال الناس.

فهذه الشبهة مبنية على رفض العلاقة بين الظواهر الكونية، وأحوال الناس، فهي من مقدمتين ونتيجة:

المقدمة الأولى: الزلزال ظاهرة طبيعة ثابتة.

المقدمة الثانية: الظاهرة الطبيعة لا علاقة لها بأعمال الناس الحسنة والسيئة.

النتيجة: لا علاقة للزلزال بأعمال الناس الحسنة والسيئة.

وللجواب نقول: يسلم لكم بجزء من الأولى، ولا يسلم لكم بالجزء الآخر منها. كما لا يسلم لكم بالثانية.

فالزلزال ظاهرة طبيعة، هذا صحيح، لكن ادّعاء ثبوتها، وعدم تغيرها ألبته فيه نظر، فإن خرق الظواهر الطبيعة أمر وارد، ثابت بالوقائع والأدلة، وهاكم الأدلة:

1-النار من سنتها الإحراق، لا تكاد تتخلف، ومع ذلك تخلفت في حق إبراهيم عليه السلام: (قلنا يا نار كوني بردًا وسلاما على إبراهيم) ، هنا لماذا تخلفت هذه السنة، سنة الإحراق، فصارت بردًا على إبراهيم؟ .

أليس السبب هو طاعته وإيمانه وقربه من الله تعالى؟ بلى كذلك، هذا وحدث نحو من هذا للتابعي الجليل أبي مسلم الخولاني، أُلقي في النار فكانت بردًا وسلامًا عليه، ألقاه فيه الأسود العنسي، فوجده قائمًا يصلي، (انظر: الحلية لأبي نعيم، وصفوة الصفوة، ترجمته) ، فخرق السنن الكونية ليست خاصة بالأنبياء.

2-من السنن الكونية امتناع المشي على الماء بالأقدام، هذا في الأصل، لكنها انخرقت لسعد بن أبي وقاص -رضي الله عنه- ومن معه في معركة القادسية، لما أرادوا عبور الماء الذي يقسم مدائن كسرى إلى شطرين، ولم تكن معهم مراكب، فدعا سعد ربه، فأجابه، فمشى الجيش كله على الماء، مع مخالفته للسنة الكونية..

3-كنا نشهد المطر في مواسم معينة، لا تكاد تتخلف، ومنذ عشر سنوات وزيادة، جفت الآبار، ومات الزرع، وقل الثمر، والسبب: تخلف هطول المطر في تلك المواسم.. فهذه السّنة التي تعاهدها الناس وألفوها، حتى ظنوها ثابتة لا تتغير.. قد تغيّرت، والسبب: ذنوب العباد.. فإن الناس في القديم لم تكن منهم المعاصي التي هي اليوم، وقد ورد في الصحيح بيان أن المطر قد يمتنع بسبب ذنوب العباد، قال صلى الله عليه وسلم:

-(... ولم ينقصوا المكيال والميزان، إلا أُخذوا بالسنين، وشدة المؤونة، وجور السلطان عليهم. ولم يمنعوا زكاة أموالهم، إلا مُنعوا القطر من السماء، ولولا البهائم لم يمطروا( رواه ابن ماجة في الفتن، باب العقوبات.. صحيح ابن ماجة 1/370..

فالزلازل قد عُرِف أنّ لها أسبابًا خلقها الله تعالى، كضعف القشرة الأرضية، أو حركات في باطن الأرض، فمتى وُجِدت هذه الأسباب وُجِد الزلزال.. نعم هذا صحيح.. لكن ذلك لا يمنع أبدًا من تغير هذه السنة، ووقوعها في مناطق صلبة، فزلزال (ذمار) في اليمن وقع في منطقة صلبة القشرة، وكذا ما وقع في تركيا قبل أعوام، والأصل: أن السنة الكونية قد تتغير، وذلك بأمر الله وإرادته، يقول للشيء: كن فيكون.

هذا لإبطال دعوى: أن السنة الكونية لا تتغير بحال. بل الصحيح: أنها مضطردة. ولا يستحيل عليها التغيير.

وهي ظاهرة ثابتة في أصلها، لكن من الذي يخلق الأسباب ومسبباتها؟أليس هو الله تعالى؟

بلى، هو الله تعالى. هو يقدر لهذه الكوارث أن تقع مناسبة لما تقترفه يد الإنسان من سوء.

فأين امتناع أن تكون هذه الكوارث سببًا لما كسبت أيدي الناس..؟!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت