هذا هو الله تعالى، قدّر وخلق ما شاء في الأرض والسماء، من النظام والسنن، وهو الذي أمر ونهى الناس، فإن عصَوْه أليس قادرًا على أن يسخر هذه السنن لتكون مصيبة على العصاة؟
ليس ذلك ممتنعًا، لا عقلًا ولا شرعًا:
-ففي حكم العقل: أن صاحب الملك إذا عُصِي له أن ينتقم. والله تعالى مالك الملك، فإذا عُصي هل يمتنع عليه الانتقام، ولو بنقض السنة التي سنها.. ؟!
-وفي حكم الشرع يقول تعالى: (ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون) [الأعراف:96] .
كذلك: لا يسلم لهم بالمقدمة الثانية: بأنها محضة، لا علاقة لها بما يفعل الناس من حسنات وسيئات.
كلا، بل هي للعبرة والعظة، وأمور يعلمها الله تعالى، فما خلق الله تعالى شيئًا، ولا قدّره إلا لحكمة، وحصر الحكمة والعلة في الظواهر الطبيعة، من تغير في سير الأرض، ومواقع الجزر والقارات: تحكم بغير دليل.
بل الدليل دل على أن الحكمة من حصول هذه الكوارث مرتبطة بالإنسان، الذي خلقه الله تعالى في هذه الأرض، وسخر له ما فيها:
- (هو الذي جعل لكم الأرض ذلولًا فامشوا في مناكبها...) . [الملك:15]
- ( وسخر لكم ما في السموات وما في الأرض جميعًا منه...) [الجاثية:13] .
فما يحدث في الأرض إنما للإنسان منه أكبر النصيب، فعزله عن أحداث الأرض: عظة وانتفاعًا. عزل له عن علاقته بالأرض ذاتها، وهذا باطل، ولا دليل عليه.
وإذا انتفت المقدمتان انتفت النتيجة إذن.
الشبهة الثالثة: إذا كانت الزلازل عقوبات، فلم يُصاب بها المسلمون والكافرون على حد سواء؟
هذه الشبهة مبنية على استحالة وقوع العقوبة ذاتها على المسلمين والكافرين، فهي مقدمتين ونتيجة:
المقدمة الأولى: لا تقع العقوبة ذاتها على المسلمين والكافرين.
المقدمة الثانية: الزلزال يقع على المسلمين والكافرين.
النتيجة: الزلزال ليس بعقوبة، بل ظاهرة طبيعية محضة.
وللإجابة نقول: إذا أثبتنا بطلان المقدمة الأولى تهاوت النتيجة، والمقدمة باطلة عقلًا وشرعًا، وبيان ذلك:
أن العقوبات جزاء المعاصي، والمعصية حاصلة من المسلم، ومن باب أولى الكافر، وهذه حقيقة، فليس المسلم بسالم من الخطايا، فإذا ثبت وقوع المعصية من المسلم، وتبين أن العقوبات سببها المعاصي، لم يمتنع أن يقع على المسلمين من العقوبات، مثل ما يقع على الكافرين، وهذا الجهاد يقع فيه على المسلمين من الألم ما يقع على الكافرين، كما قال تعالى:
- (إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون) .
- (إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله وتلك الأيام نداولها بين الناس) .
وبذلك تبطل المقدمة، وببطلانها تبطل النتيجة إذن.
والشبهة أتت من جهة: أنه كيف يعذب المؤمنين، كما يعذب الكافرين، فما فضل المؤمنين حينئذ؟
ونقول: إن هناك فرقًا بين ما يصيب المؤمن وما يصيب الكافر من عقوبات: فالمؤمن إذا أُصيب بعقوبة عامة كزلزال، أو خاصة كمرض ونحوه، فذلك:
-إما أن يكون ابتلاء لرفعة درجته في الدارين.
-وإما أن يكون تكفيرًا لخطاياه لينجو من النار..
أما الكافر فإذا أصيب بعقوبة فليس ابتلاء ولا تكفيرًا:
-لأنه ليس من أهل الجنة فيُبتلى لترتفع درجته.
-ولا هو ناجٍ من النار لتكون في حقه تكفيرًا.
بل ما يصيب الكافر إنما هو عظة وعبرة له لعله يتقي، أو انتقام منه جزاء جرمه، كما قال تعالى:
- (وأخذناهم بالعذاب لعلهم يرجعون) .
- (فلما آسفونا انتقمنا منهم فأغرقناهم أجمعين) .
وقد كان محصل كلامهم أن الزلازل ليست بعقوبة..!!
ويُرد على هذا أن العقوبة هي:"الألم، سواء كان نفسيًا أو حسيًا". فذهاب الأنفس والأموال لا شك أنه عذاب، والزلازل عذاب وعقوبة... إذ فيها الألم، من فجيعة، وهلاك نفس وذهاب مال.
فإذا ثبت أن الزلازل عقوبة، ثبت أنها متعلقة بالذنوب وبغضب الله تعالى، يؤكد هذا ويبينه أن القرآن جزم بالعلاقة التامة بين العقوبات وبين الذنوب، فقال تعالى:
- ( وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير) .
- ( ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون) .
فهذه النصوص واضحة الدلالة على: أن المصائب، وهي العقوبات التي تحل بالإنسان، سواء كانت فردية أو جماعية، سببها ما اكتسبت يد الإنسان؛ وكسب الإنسان إما طاعة وإما معصية، ولا ريب أن المصائب ليست بسبب الطاعة، فلم يبق إلا أنها بسبب المعصية ولا بد.
أليست الزلازل من المصائب التي تصيب الإنسان، بما فيها من ألم نفسي وبدني ومالي؟
أو ليس الله تعالى قد حكم بأن المصائب إنما بسبب ذنوب الإنسان؟
إذن الزلازل بسبب الذنوب... وهذا واضح من النصوص ...
وبهذا يتبين علاقة الكوارث ومنها الزلازل بالذنوب، مما يتوجب على العباد التوبة إلى الله تعالى، الاتعاظ بهذه الحوادث، فما وقعت إلا لتنبيه الناس وتحذيرهم، ولنحذر أن نكون كقوم فرعون، أرسل الله عليهم الآيات والعقوبات ليتقوا فما انتفعوا فانتقم منهم، قال تعالى:
- (فلما آسفونا انتقمنا منهم فأغرقناهم أجمعين * فجعلناهم سلفًا ومثلًا للآخرين) .
ولنحذر أن نكون من الذين لا ينتفعون بالآيات والنذر، كما قال تعالى:
- ( ولقد أخذناهم بالعذاب فما استكانوا لربهم وما يتضرعون) .
فإن شيئا من المعاصي التي كان عليها السياح في شواطئ المحيط الهندي موجودة في شواطئ: الخليج، والبحر الأحمر، والأبيض المتوسط. وقد ضرب قبل خمسة أعوام الساحل التركي بزلزال، فقتل ثمانين ألفًا، وقبله خليج العقبة، فعم منطقة تبوك حتى المدينة، ومن قبل جنوب الجزيرة، في منطقة ذمار، فالمجاهرة بالمنكرات جرم عظيم، وأعظم منه صرف الناس عن الانتفاع بهذه الموعظة، والتلبيس على الناس، برد الأسباب إلى أسباب طبيعية محضة، والسعي بين الناس وبين أن يفهموا هذه العبرة، فإن هذا إضلال لهم، وقد توعد الله -تعالى- الذين يُضِلّون الناس بعقوبة لم يتوعد بمثلها غيرهم، فقال:
- (ومن الناس من يجادل في الله بغير ولا هدى ولا كتاب منير * ثاني عطفه ليضل عن سبيل الله له في الدنيا خزي ونذيقه يوم القيامة عذاب الحريق * ذلك بما قدمت يداك وأن الله ليس بظلام للعبيد) [الحج:8ـ10]
فعلى المسلمين أن يتقوا الله، ويتواصوا بالحق والصبر، ويدافعوا المنكرات، ولا يسكتوا، فإن هذا هو الضمان الوحيد لسلامتهم ونجاتهم، كما قال تعالى:
- (فلولا كان من القرون من قبلكم أولوا بقية ينهون عن الفساد في الأرض إلا قليلا ممن أنجينا منهم واتبع الذين ظلموا ما أترفوا فيه وكانوا مجرمين * وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون) [هود:116ـ117] .
وفي ختام هذه الذكرى، أذكر بقوله تعالى:
(ولقد أرسلنا إلى أمم من قبل فأخذناهم بالبأساء والضراء لعلهم يتضرعون * فلولا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا ولكن قست قلوبهم وزين لهم الشيطان ما كانوا يعملون * فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون * فقطع دابر القوم الذين ظلموا.
والحمد لله رب العالمين) [الأنعام:42ـ45] .
زلزال وعظمة
حميد اللبدي
بينما الناس في بيوتهم آمنون ، يرفلون في نعمة من الله وفضل
وإذا البحر يهيج كالغضبان وترتفع أمواجه عشرات الأمتار
فتبهر العيون وتحار الأفكار ، ويفر الناس ولكن إلى أين يلجؤون ، ماذا يصنعون وإلى أين يلجؤون ؟
إذا الماء الذي يه يستمتعون وببرودته متلطفون . ينقلب كالأسد الضاري فلا يدع شيئًا إلا أغرقه ولا بيتًا إلا حطامًا .