فهرس الكتاب

الصفحة 472 من 2255

فإذا أردنا الكرامة ونتائجها لأطفالنا فما أحرانا بأن نهبها لهم من خلال حبهم لخالق الكرامة الذي كرَّم أباهم آدم وأسجد له الملائكة ، وقال عنهم: { ولقد كرَّمنا بني آدم } ... وإذا أردنا لهم الدرجات العُلا في الدنيا والآخرة ، فلا مفر من مساعدتهم على حب الله الذي يقودهم إلى التقوى ، فيصبحوا من الذين قال عنهم: { إن أكرمكم عند اللهِ أتقاكم }

4-كيف نزرع حب الله عز وجل في قلوب أطفالنا ؟

تحتاج هذه المهمة في البداية إلى أن يستعين الوالدان بالله القوي العليم الرشيد ، فيطلبا عونه ، ويسألاه الأجر على حسن تربية أولادهما ابتغاء مرضاته ، ويرددان دائمًا: { رب اشرَح لي صدري ، ويسِّر لي أمري ، واحلُل عقدةً من لساني يفقهوا قولي } ؛"مع ضرورة بناء علاقات صحيحة وسليمة بين الأهل والأولاد" (4) ثم بعد ذلك تأتي العناية ، والاهتمام ، واليقظة ، والحرص من الوالدين أو المربين لأنهم سوف يتحدثون عن أهم شيء في العالم ، وأهم ما يحتاج إليه طفلهم ؛ لذلك فإنهم"يجب أن يتناولوا هذا الموضوع بفهم وعمق وحب وود" (5) ... أما إن أخطأوا ، فإن الآثار السلبية المترتبة على ذلك ستكون ذات عواقب وخيمة .

لذا يجب مراعاة متطلبات المرحلة العمرية للطفل ، وسماته الشخصية ، وظروفه... وكلما بدأنا مبكرين كان ذلك أفضل ، كما أننا إذا اهتممنا بالطفل الأول كان ذلك أيسر ، وأكثر عونًا على مساعدة إخوته الأصغر على حب الله تعالى ؛ لأن الأخ الأكبر هو قدوتهم ، كما أنه أكثر تأثيرًا فيهم من الوالدين .

و يجب أيضًا اختيار الوقت والطريقة المناسبة للحديث في هذا الموضوع معهم ... وفيما يلي توضيح كيفية تعليمهم حب الله في شتى المراحل:

أولًا: مرحلة ما قبل الزواج:

إن البذرة الصالحة إذا وضعت في أرض خبيثة اختنقت ، وماتت ، ولم تؤت ثمارها ، لذا فقد جعل الإسلام حسن اختيار الزوج والزوجة من أحد حقوق الطفل على والديه ، فقد قال الله تعالى في كتابه الكريم: { الطيباتُ للطيبين ، والطيبون للطيبات } ، وقال صلى الله عليه وسلم: ( تخيَّروا لِنُطَفِكُم ، فإن العِرق دسَّاس ) ، وقال أيضًا: ( تُنكح المرأة لأربع: لمالها ، وجمالها ، وحسبها ، ودينها ، فاظفَر بذات الدين تَرِبَت يداك ) ، وروي عن الإمام جعفر الصادق أنه قال: قام النبي صلى الله عليه وآله وسلم خطيبًا ، فقال: ( أيُّها الناس إياكم وخضراء الدُّمُن . قيل: يا رسول الله ، وما خضراء الدُّمُن ؟ قال: المرأة الحسناء في منبت السوء ) .

كما أكَّد صلى الله عليه وسلم على أن يكون الزوج مُرضيًا في خُلُقه ودينه ، حيث قال: ( إذا جاءكم من ترضون خُلُقه ودينه فزوجوه ) ، وأردف صلى الله عليه وآله وسلم ذلك بالنهي عن ردّ صاحب الخلق والدين فقال: ( إنّكم إلاّ تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير ) ، كما قال صلى الله عليه وسلم: ( من زوّج ابنته من فاسق ، فقد قطع رحمها ) .

فإذا اختلط الأمر على المقدمين على الزواج ، فإن الإسلام يقدم لهم الحل في"صلاة الاستخارة".

ثم يأتي بعد حُسن اختيار الزوج أو االزوجة: الدعاء بأن يهبنا الله الذرية الصالحة ، كما قال سيدنا زكريا عليه السلام مبتهلًا: { رب هَب لي ِمن لَدُنكَ ذُرِّيَةً طيبةً إنك سميعُ الدعاء } ، وكما دعا الصالحون: { ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين إماما } .

ثانيًا: مرحلة الأجِنَّة:

تقترح كاتبة هذه السطور على كل أم مسلمة تنتظر طفلًا أن تبدأ منذ علمها بأن هناك رزق من الله في أحشائها ؛ فتزيد من تقربها إلى الله شكرًا له على نعمته ، واستعدادًا لاستقبال هذه النعمة ، فتنبعث السكينة في قلبها ، والراحة في نفسها ، مما يؤثر بالإيجاب في الراحة النفسية للجنين ؛ كما يجب أن تُكثر من الاستماع إلى القرآن الكريم ، الذي يصل أيضًا إلى الجنين ، ويعتاد سماعه ، فيظل مرتبطًا به في حياته المستقبلة إن شاء الله .

ولنا في امرأة عمران- والدة السيدة مريم- الأسوة الحسنة حين قالت: { ربِّ إني نَذَرتُ لك ما في بطني مُحرَّرًا ، فتقبل مني إنك أنت السميع العليم } ، فكانت النتيجة: { فتقبَّلها ربُّها بقَبول حَسَن } .

ولقد أثبتت التجربة أن أفضل الطعام عند الطفل هو ما كانت تُكثر الأم من تناوله أثناء حملها بهذا الطفل ، كما أن الجنين يكون أكثر حركة إذا كان حول الأم صخبًا أو ضجة ، وهذا يعني تأثر الجنين بما هو حول الأم من مؤثرات.

( وهاهي الهندسة الوراثية تؤكد وجود الكثير من التأثيرات التي تنطبع عليها حالة الجنين ، سواء أكانت هذه التأثيرات بيولوجية ، أوسيكولوجية ، أو روحية ، أوعاطفية.

ونحن نطالع باستمرار مدى تأثر الجنين بإدمان الأم على التدخين ، فإذا كان التدخين يؤثر تأثيرًا بليغًا على صحة الجنين البدنية ، فَتُرى ما مدى تأثره الأخلاقي والروحي بسماع الأم للغيبة أو أكلها للحم الخنزير ، أو خوضها في المحرمات وهي تحمله في أحشائها؟! ) (6)

ويؤكد الدكتور"علاء الدين القبانجي" (7) هذا بقوله:"هناك خطأ كبير في نفي التأثير البيئي على النطفة ، في نفس الوقت الذي نلاحظ فيه التأثير ا لبيئي على الفرد ذاته سواء بسواء ، ولن تتوقف النطفة عن التأثر بالمنبهات الكيماوية - بما فيها المواد الغذائية والعقاقير- أو بالظروف البيئية ، بل ستظل تتأثر بقوة التوجه إلى الله أيضا ، فروح الاطمئنان والتوجه إلى الله تعالى تخفف من التوترات والتفاعلات النفسية المضطربة ."

ويضيف فضيلة الشيخ"علي القرني":"أثبت العلم الحديث أن للجنين نفسية لا تنفصل عن نفسية أمه ، فيفرح أحيانًا ، ويحزن أحيانًا ، وينزعج أحيانًا لما ترتكبه أمه من مخالفات كالتدخين مثلًا ، فقد أجرى أحد الأطباء تجربة على سيدة حامل في شهرها السادس وهي مدمنة للتدخين ، حيث طلب منها الامتناع عن التدخين لمدة أربع وعشرين ساعة ، بينما كان يتابع الجنين بالتصوير الضوئي ، فإذا به ساكن هادئ ، حتى أعطى الطبيب الأم لفافة تبغ ، فما إن بدأت بإشعالها ووضعها في فمها حتى بدأ الجنين في الاضطراب ، تبعًا لاضطراب قلب أمه."

كما أثبت العلم أيضًا أن مشاعر الأم تنتقل لجنينها ، فيتحرك بحركات امتنان حين يشعر أن أمه ترغب فيه ومستعدة للقائه ، بينما يضطرب وينكمش ، ويركل بقدميه معلنًا عن احتجاجه حين يشعر بعدم رغبة أمه فيه... حتى أن طفلة كانت أمها قد حملتها كُرهًا ، وحاولت إسقاطها ، دون جدوى ، فلما وضعتها رفضت الطفلة الرضاعة من أمها ، فلما أرضعتها مرضعة أخرى قبلت!!! ولكنها عادت لرفض الرضاعة مرة أخرى حين عصبوا عيني الطفلة ، ثم أعطوها لأمها كي ترضعها !!!" (8) "

بينما نرى أمًا أخرى حرصت- منذ بداية الحمل- على تلاوة القرآن والاستماع له في كل أحوالها ... قائمة ، وقاعدة ، ومضطجعة ، فكانت النتيجة أن وضعت طفلًا تمكن بفضل الله تعالى من ختم القرآن الكريم حفظًا ، وتجويدًا ، وهو في الخامسة من عمره!!! فتبارك الله أحسن الخالقين" (9) "

مما تقدم نخلص إلى أن تربية الطفل تبدأ من مرحلة الأجنة ،"فإذا نشأ الجنين في بطن أمه في جو من الهدوء والسكينة - وخير ما يمنحهما هو القرب من الله سبحانه- فإنه يستجيب بإذن ربه ، ويعترف بفضل أمه عليه ، ويتمتع بشخصية سوية ونفسية هادئة ، يقول لسان حاله: { هل جزاء الإحسان إلا الإحسان؟!!! } " (10)

ثالثا: مرحلة مابعد الوضع حتى السنة الثانية:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت