"بعد أن يولد الطفل ويبدأ بالرضاعة والنمو يكون أشد استقبالًا لمتغيرات الحياة من الشاب البالغ ، لأن الوليد يكون مثل الصفحة البيضاء الجاهزة لاستقبال خطوط الكتابة ، بينما يكون الشاب البالغ قد أوشكت قناعته على الاكتمال ، فيصبح من الصعب التلاعب بها أو محوها" (11)
لذا يجب أن نرقيه بالرقية الشرعية ( المأخوذة من الكتاب والسنة المطهرة ) ، ونسمع معه التلاوات القرآنية لشيوخ ذوي أصوات ندية ، كما نُكثر من الاستغفار والتسبيح والتحميد والتهليل والحوقلة ونحن نحمله ، حتى تحُفُّه الملائكة ، ويتعود سماع مثل هذه الكلمات النورانية.
"ومع زيادة نمو الوعي عند الطفل يجب أن نحرص على أن نَذكُر الله عز وجل أمامه دائمًا ، فبدلًا من أن نقول:"غاغا"، أو ما شابه ذلك من ألفاظ نقول:"يا الله"، ونسعى دائمًا إلى أن يكون لفظ الجلالة ملامسًا لسمعه حتى يحفظه ، ويصبح من أوائل مفرداته اللغوية ، وإذا أراد أن يحبو ، وصار قادرًا على النطق ، فيجب أن نأخذ بيده ونريه أننا نريد أن نرفعه ، فنقول:"يا رب .. يا مُعين"، ونحاول أن نجعله يردد معنا ، وإذا أصبح أكثر قدرة على التلفظ بالكلمات علمناه الشهادتين ، ورددناها معه حتى يعتادها" (12) فنراه يَسأل عن معناها حين يستطيع الكلام .
رابعًا: من سنتين إلى ثلاث سنوات:
( في هذا العمر يكون الطفل متفتح الذهن ، مما يدعونا إلى تحفيظه بعض قصار السور كالفاتحة ، والعصر ، والكوثر...إلخ ، وذلك حسب قدرته على الحفظ ، وكذلك تحفيظه بعض الأناشيد مثل:"الله رب الخلق ، أمدنا بالرزق"، و"من علِّم العصفور أن يبني عشا في الشجر ، الله قد علمه وبالهُدى جَمَّلهُ") (13)
وكذلك:"اللهُ ربي ، محمدٌ نبيي ، والإسلامُ ديني ، والكعبةُ قبلتي ، والقرآن كتابي ، والنبي قدوتي ، والصيام حصني ، والصَدَقة شفائي ، والوضوء طَهوري ، والصلاة قرة عيني ، والإخلاص نِيَّتي ، والصِدق خُلُقي ، والجَنَّةُ أملي ، ورضا الله غايتي".
( وكلما زاد وعيه وإدراكه ردَّدنا أمامه أن الله هو الذي رزقنا الطعام ، وهو الذي جعل لنا الماء عذبًا ليروي عطشنا ، وهو الذي أعطاه أبوه وأمه لرعايته ، وهو الذي أعطانا المال والمنزل ، والسيارة واللعب...إلخ ، ولذلك فهو جدير بالشكر ، وأول شكر له هو أن نحبه ولا نغضبه ، وذلك بأن نعبده ولا نعبد سواه ) (14)
كما نذكر ونحن نلعب معه بدميته مثلا: أن هاتين اليدين والعينين والأذرع والرجلين لدينا مثلها ولكن ما يخص الدمية من القماش أو البلاستيك ، أما ما أعطانا الله فهي أشياء حقيقية تنفعنا في حياتنا وتعيننا عليها.
( وإذا جلسنا إلى الطعام قلنا بصوت يسمعه:"بسم الله"، وإذا انتهينا قلنا"الحمد لله"، وكذلك إذا شربنا ، وإذا اضطجعنا وإذا قمنا من النوم ) (15) ... حتى يعتاد الطفل ذلك ويردده بنفسه دون أن نطلب منه ذلك.
كما يجب أن نخبره أن الله تعالى يحب لهم الخير ويعلم ما يصلحهم ، فهو الذين أوصى بهم الوالدين أن يحسنوا اختيار أسماءهم ( ويعلِّموهم أمور دينهم ودنياهم ، ويحسنوا تأديبهم و تربيتهم ، وهو الذي أمر الوالدين بالعطف عليهم والترفق بهم ، والعدل بينهم وبين إخوتهم في كل الأمور) (16) ، وهو حبيبهم الذي يتجاوز عنهم حتى يصلوا إلى سن الإدراك ، فنخبرهم أنه يسامحهم على أخطائهم ماداموا صغارًا . فعليهم أن يستحيوا من الله وأن لا يعصوه .
ومن المفيد أن نربط كل جميل من حولهم بالله تعالى ، فالوردة ، والنحلة ، والفراشة ، والقمر ، وغيرها من مخلوقات الله ، أما الأشياء التي تبدو ضارة بالنسبة لنا كالذبابة ، والفأر ، وغيرهما فهي من مخلوقات الله أيضًا ، وهي تقوم بوظيفة تساعد على أن يظل الكون من حولنا جميلًا ونظيفًا.
كما يجب أن نربط كل خُلُق جميل بالله تعالى ، فالله يحب الرحمة والرفق والعدل والجمال والنظافة...إلخ.
كما يجب ان نقرِّب إلى أذهانهم فكرة وجود الله مع عدم إمكانية رؤيته في الدنيا ، فهناك أشياء نحسها ونرى أثرها ونستفيد منها دون أن نراها كالهواء والكهرباء والعطر...إلخ. أما من يريد رؤيته جل شأنه فعليه أن يكثر من الطاعات كي يحظى برؤيته في الجنة.
وينبغي أن نعلِّق في بيوتنا صورًا للحرمين الشريفين حتى تعتادهما عينيه ويدفعه الفضول للسؤال عنهما ، وعندها نجيبه بطريقة تشوِّقه إليهما ، كأن نقول عن الكعبة:"هي بيت الله ، والله كريم يكرم ضيوفه الذين يزورون بيته بأشياء جميلة ويرزقهم بها كاللعب والحلوى ، وغير ذلك مما يحب الطفل"، مع ملاحظة أننا إذا اصطحبناه إلى هناك فلابد أن نجعل ذكرياته عن الزيارة سعيدة قدر الإمكان ونشتري له من الهدايا والأشياء المحببة إليه ما يرضيه ، حتى ترتبط سعادته بالبيت الحرام ، ومن ثم برب البيت.
خامسًا: من الثالثة حتى السادسة:
( يكون استقبال الطفل للمعلومات ، واستفادته منها ، واقتداؤه بأهله- في هذه المرحلة- في أحسن حالاته) (17) ، كما يكون شغوفًا بالاستماع للقصص ، لذا يجب الاستفادة من هذا في تأليف ورواية القصص التي توجهه للتصرف بالسلوك القويم الذي نتمناه له ، وتكون هذه الطريقة أكثر تأثيرًا ، إذا كانت معظم القصص تدور حول شخصية واحدة تحمل اسمًا معينًا ، لبطل أو بطلة القصة [ يفضل أن يكون ولدًا إذا كان الطفل ولدًا ، والعكس صحيح ] ، بحيث تدور أحداثها المختلفة في أجواء مختلفة ، وتهدف كل منها إلى تعريفه بالله تعالى على أنه الرحيم الرحمن الودود الحنان المنَّان الكريم العَفُوّ الرءوف الغفور الشكور التواب ، مالك الملك ، كما تهدف القصة إلى إكسابه أخلاقيات مختلفة إذا قامت الأم برواية كل قصة على حده في يوم منفصل- لتعطيه الفرصة في التفكير فيها ، أما إذا طلب قصة أخرى في نفس اليوم فيمكن أن نحكي له عن الحيوانات الأليفة التي يفضلها مثلًا- فيصبح الطفل متعلقا بشخصية البطل أو البطلة وينتظر آخر أخبار مغامراته كل يوم ، فتنغرس في نفسه الصغيرة الخبرات المكتسبة من تلك القصص.
وإذا كانت الأم لا تستطيع تأليف القصص فيمكنها الاستعانة بالقصص المنشورة ، منها على سبيل المثال لا الحصر سلسلة «أطفالنا» ، وقصص شركة « سفير » للأطفال ، وقصص الأديب التربوي « عبد التواب يوسف » ، وقصص الأنبياء المصورة للأطفال المتاحة لدى « دار المعارف » بالقاهرة ، وغير ذلك مما يتيسر.
وفيما يلي قصة سمعتها كاتبة هذه السطور من معلمة ابنتها التي كانت تحفِّظها القرآن ، وهي تفيد حب الله والثقة به تعالى ، وحسن التصرف ، وأخذ الأسباب ، ثم التوكل عليه .
كانت"ندى"تجلس بجوار والدتها التي كانت تقوم بتغيير ملابس أختها الرضيعة"بسمة"، بينما اكتشفت الوالدة أن"بسمة"حرارتها آخذة في الارتفاع ، فحاولت إسعافها بالمواد الطبيعية المتاحة بالمنزل ، دون جدوى ، ولما كان الوالد مسافرًا ، فقد طلبت الوالدة من"ندى"أن تظل بجوار أختها حتى تذهب إلى الصيدلية القريبة من منزلهم لتشتري لها دواء يسعفها ، فقالت"ندى":"سمعًا وطاعة يا أمي"