فهرس الكتاب
ونرى أن الأمر فيه سعة كبيرة. فعند العقلاء أن كل مجتمع استقر ونمى عالم أفكاره بشكل من الأشكال، وأبدع في مجالات العلم والعمران البشري يوصف بأنه قد نمت عنده حضارة، صغرت أم كبرت. فالحضارة عكس البداوة. ولأن الشيء بنقيضه يُعرف كان لابد من تعريف البداوة أولًا. فالبداوة مصطلح يطلق على البدو الذين يعيشون في قبائل بالصحراء، والبربر الذين يسكنون الجبال في جماعات عشائرية وأسرية، والتتار الذين يسكنون السهول في عصبيات قوية. وهؤلاء جميعًا لا يخضعون لقوانين متحضرة ولا تحكمهم سوى حاجاتهم وعاداتهم. فهم قوم رحَّل لا يستقرون في مكان وبالتالي تفتقد البداوة التراكم المعرفي والفعلي فيبدأ البدوي من حيث بدأ أبوه، لا من حيث انتهى.
إن لاستقرار الإنسان ونضجه دورًا كبيرًا في إيجاد ناتج تراكمي لجهده في حقبة من الزمان، وبنظرة واحدة لتراث الإنسان على الأرض، سنجد أممًا كثيرة خلّفت وراءها آثارًا عظيمة في العمران، والفلسفة، والقانون، والدين، والصناعة، والتجارة والفنون بقيت شاهدًا على أن هؤلاء قد خرجوا من طور البداوة والارتحال، إلى طور الاستقرار والعطاء. وكل أمة خلفت خلفها تراثًا شاهدًا على قدراتها فقد دخلت طور التحضر، مثل الحضارة الفرعونية وما خلفته من آثار وكتابات وحياة مدنية وفلسفات وعمران وفنون .. إلى غير ذلك، وقل ذلك عن الحضارات المشرقية الأخرى، وقل ذلك عن الحضارات التي قامت في اليونان أو روما .. إلخ. فهل نحتاج إلى كثير عناء في تصور معنى الحضارة؟ أو إلى فلسفة طويلة حول المصطلح؟!
نشأة الإنسان والهجرات البشرية
سنبدأ القصة، من حيث عُرف الإنسان علي الأرض: تشير الدراسات إلى أن الإنسان الأول، غادر موطنه الأول، الواقع في منطقة شرقي وشمال أفريقيا، وجنوب آسيا، والهند والصين، وجاوة. وبدأ ينتشر منذ مليون سنة عن طريق اليابسة فقط، فهو لم يعرف القوارب والسفن بعد .. ولعل سائلًا يسأل: فكيف عبر الناس إلى استراليا والشماليتين إذن؟
"يسود الاعتقاد بأنه خلال الدور الجليدي الأخير، كان منسوب البحر أدنى من منسوبه الحالي بحوالي 300 قدمًا، بل إن البعض يرى أن منسوب سطح البحر انخفض أثناء زحف الجليد بمقدار 600 قدمًا. ومن ثم كانت هناك معابر أرضية ربطت بين بعض القارات، واستطاع الإنسان الأول أن ينتشر انتشارًا بريًا من مكان إلى آخر." (1)
ومع استخدام الإنسان للبحر من 5000 ق.م إلى 1500م (أي بداية الكشوف الجغرافية) تزايدت هذه الهجرات وتحرك من مواطنه الأصلية والواقعة في جنوب الجزيرة العظمي (2) متجهًا إلى الشمال.
وتركز الناس حول الأنهار والمناطق الخضراء في كل أنحاء العالم . أما الطابع العام لهذه الهجرات فهو في تلقائيتها وعدم تخطيطها. عكس الهجرات الأوروبية المنظمة في القرن الخامس عشر."حيث كانت الهجرات الحديثة تتم عن طريق خطط مدروسة، وعن طريق تنظيم حكومي أو منظمات خاصة، وليس عن طريق مجهودات فردية." (3)
أما تقديرات السكان في العالم في هذا الوقت ، فقد كان المجموع يصل إلى 400 مليون نسمة، يسكن آسيا 240 مليونًا وأوروبا 80 مليونًا وأفريقيا 70 مليونًا والأمريكتين حوالي 12 مليونًا وبقية العالم مليونان.
وبنظرة واحدة إلى الكثافة السكانية لأوروبا مقارنة بمساحتها ستجد أنها تتفوق على كل من قارة أفريقيا والأمريكتين، الأمر الذي سيكون له أثره بعد قرون طويلة (1) .
ويجب أن نسجل هنا بعض القضايا الهامة:
1.إن من يظن أن الأوربيين امتلكوا الحضارة لأنهم أكثر ذكاء قد أغفل نقطة هامة، وهي أن موطن الإنسان الأصلي كان في الشرق، ثم توالت الهجرات، فلا يوجد جنس مفضل على آخر.
2.كانت الكثافة السكانية العالية في أوروبا من أهم أسباب الإبداع، إذ كلما كثر عدد السكان كلما قلت فرص العمل. فيزاد التحدي وتتعدد المواهب وتزداد المنافسة، والحرص على التميز. وهذا التحدي هو الذي يولد الإبداع. كما أن الكثافة البشرية بطبيعتها تؤدي إلى وفرة في الطاقات.
3.إن الكثافة السكانية العالية في القارة الأوروبية وقلة فرص العمل كانت من عوامل الطرد، مما أدى إلى الهجرات المنظمة من أوروبا إلى استراليا والأمريكتين للبحث عن مواطن جديدة للعمل.
قصة التتابع الحضاري
4000 ق.م
476م
حتى الآن
622م- الهجرة
1600م
3000 ق.م
-المصرية
-ما بين النهرين
(السومريون- البابليون -...)
الفارسية
اليونانية
الرومانية
الإسلامية
الغربية الحديثة
التاريخ
الحضارات
حضارة شرقية
حضارة غربية
2000 ق.م
1000 ق.م
ميلاد المسيح
1000م
2000م
4000 ق.م
1100 ق.م
612 ق.م
486 ق.م
2000 ق.م
330م
509 ق.م
1492م
يبين الشكل كيف أن أغلب الحضارات جاءت موافقة لأفول نجم حضارة أخرى كانت تأخذ منها أفضل ما فيها ثم تزيد عليها إبداعًا لتصنع حضارة جديدة متميزة.
إن معرفة تاريخ الحضارات في صورته الزمنية، يعطي القارئ شيئًا من الإحساس بأن العالم لم يبدأ من هذا القرن، بل إن صنع البشرية فعل تراكمي، يضاعف في كل مرة من رصيد البشرية، ويجعل كل قفزة جديدة، تبدو وكأنها القفزة التي لا تضاهيها قفزة أخرى. وإليك تعاقب الأمم والحضارات وتداولها بين الشرق والغرب:
إن نظرة واحدة إلى ما خلفته الحضارات المصرية والآشورية والكلدانية والفينيقية والفارسية في الكتابة والبناء والطب والفلك، وفي التراث الفلسفي والديني تؤكد لنا مبدأ التلاقح الحضاري للمتجاورين. وتبين كيفية تراكم المعرفة الإنسانية لتعطي في كل مرة نبضًا جديدًا للحياة. وينطبق الأمر على اليونان الذين جاوروا جغرافيًا كل الحضارات التي ولدت حول وقرب البحر الأبيض المتوسط، فورثوا تراث المشرق العظيم ثم أضافوا من إبداعهم إبداعًا وقدموا للبشرية فكرًا وعلمًا سيرثه أهل المشرق بعدها ليعيدوا النظر فيه وينقدوه وينظموه عبر فلاسفتهم العظام كابن رشد وابن سينا وغيرهم. ثم يبدع الشرق قفزته العلمية التي ستنقل البشرية للعصور الحديثة في مختلف العلوم، لتستلم الأمم الغربية هذا التراث فتضيف له ما شاء الله لها ثم سيرثها من يرثها وهكذا.
التقاطع التاريخي
مما سبق يتبين أن نسيج الحضارة صاغته أمم عدة. ولا عجب أن اللاحق يزيد على من سبقه، ولكنه قطعًا لا يبدأ من فراغ. كما يتضح أن الحضارات القديمة هيأت للحضارة العربية الإسلامية كما هيأت الحضارة العربية الإسلامية للحضارة الغربية أرضيتها، رغم كل ادعاءات المبهورين بحضارة الغرب اليوم. وكما ستهيئ الحضارة الغربية الحاضرة الأرضية لحضارة الشرق القادمة بإذن الله. ولطالما التقت الحضارات ببعضها سلبًا وإيجابًا ولكن ما يعنينا نحن هنا هو تقاطعنا الحضاري مع الغرب.