فهرس الكتاب
إنه تقاطع تاريخي عميق بين الشرق الإسلامي والغرب، على مساحة الأرض، وعلى مساحة الفكر والتوجيه والقيادة. أمتان، ومشروعان يتدافعان بسبب طبيعتهما. فعلى الجانب الإسلامي أمة سادت الدنيا لمدة عشرة قرون (622م - 1566م) منها ستة قرون تبدأ من القرن السادس إلى الثاني عشر وسيادتها شبه كاملة لا يطمع فيها طامع، وأربعة قرون كانت لها فيها الكلمة الفاصلة وهي ترد الحروب الصليبية منكسرة وتدخل إلى قلب أوروبا لا تلوي على شيء. وعلى الجانب الآخر تقف أوروبا اليوم بكتلتها البشرية العملاقة، وإرثها الديني والوثني، مدججة بمبتكرات القرون الثلاثة الأخيرة الحاسمة في العلم وتطبيقاته، لتنتصر لهزائمها في عشرة قرون، وتسود العالم من أقصاه إلى أقصاه، ولا تعتقد بوجود المقاومة والاستعصاء، إلا فيما أسمته بالخطر الأخضر، هذا الجزء من العالم الذي يبدو مستعصيًا لسبب أو لآخر على الذوبان، في حضارة المنتصر.
ويجب أن نسجل هنا بعض القضايا الهامة:
1-إن كل الحضارات إنما قامت في مكان متقارب حول البحر الأبيض المتوسط فهي ليست حضارات متباعدة. وإن ادعاء أن إبداعها خالص غير متأثر بالآخرين أمرٌ تنقصه العلمية. فقد كان الاتصال فيما بين هذه الحضارات في الحرب والسلم كان قائمًا فالتلاقح بينها كان مستمرًا.
2-إن سبعًا منها هي حضارات شرقية، فالشرق هو منبت الحضارات على سبيل الحقيقة لا على سبيل الاستعلاء الجغرافي، وهو الأغزر إنتاجًا في مجالات عدة. ولقد عرفت أقدم هذه الحضارات - وهي الحضارة المصرية - الهندسة والمعمار وفنون الزراعة والري والطب، وكونت لها فلسفة حول الإله والبعث والحساب، وكتبت، ونقشت، ولونت. بينما اختفى الغرب عن الخارطة الحضارية، حتى ظهور الحضارة اليونانية. فادعاء أن العلم بدأ في الغرب اليوناني غير صحيح.
3-إن تنظيم الجيوش وتدريبها كان قائمًا في كل الحضارات وقوتها العسكرية خضعت لأمور كثيرة فليس كل من انتصر عسكريًا كان الأكثر تحضرًا. ولا ينبغي أن يستشهد على عظمة الحضارة الرومانية بقوة الجيش الروماني وتوسعه بقيادة الإسكندر المقدوني. فإن الحضارة الرومانية عندما انحسرت لم تترك شيئًا يذكر في تشكيل عقلية شعوب تلك المناطق. بينما نجد الحضارة الإسلامية تستوعب الشعوب في ظلالها. فتنتشر اللغة العربية، بل وتدافع هذه الشعوب التي دخلت في الإسلام حديثًا عن حمى الدولة الإسلامية. هذا مع قلة أعداد الفاتحين المسلمين بالمقارنة بالجحافل الجرارة للمستعمر الروماني. ولا تزال شعوب المستعمرات الرومانية السابقة تعتنق الإسلام. هنا تأتي الفاعلية الحضارية كمعيار وليست القوة العسكرية. كما أن الانتصار لا يعني بالضرورة التحضر. فقد ينتصر المؤمنون بأفكارهم، والمستعدون للتضحية في سبيلها،و الذين يجمعهم قائد مقدام، قد ينتصرون على الشعوب الأكثر تحضرًا. فها هم التتار يجتاحون العالم الإسلامي المتحضر. بينما كانوا قبائل تحيا البداوة. كذلك سقط الرومان - الأكثر تحضرًا - في أيدي البرابرة.
6-إن بلاد الإغريق دخلت تحت حكم الفرس في عهد سطوتهم. فقد شربت من حضارة
المشرق مباشرة.
7-إن بلاد اليونان لا تشكل من أوروبا إلا نقطة في بحر وكذلك روما. فادعاء أن أوروبا كل أوروبا مهد للحضارة وهم لا صحة له.
8-إن امتداد الحضارة الرومانية كان شرقيًا، أما ما وراء حدود روما من الشعوب بكل أقسامها (الجرمان والساكسون...) حسب التعبير الروماني هم قبائل برابرة. وكان الرومان يستعلون على شعوب أوروبا، وينظرون إلى من خارج أسوار روما أنهم متوحشون، ولم يكن الرومان يرون بقية أوروبا امتدادًا حضاريًا لهم. وكان سقوط الرومان في أيدي البرابرة بمثابة نكبة للحضارة الغربية، إذ بدأ بعدها ما يسمى بالعصر الوسيط أو"عهود الظلام".
بل إن أوروبا لم تتعرف على التراث اليوناني إلا عبر الحضارة الإسلامية. واكتشاف قيمة التراث اليوناني في الفلسفة والمنطق لم يتم إلا عن طريق الفلاسفة المسلمين كابن رشد وابن سينا وغيرهم، الذين درسوا للغرب كتابات أرسطو، ونقحوا التراث الغربي وقدموه لأوروبا. إن التراث اليوناني يعد اكتشافًا إسلاميًا، تم حفظه وتنقيحه وإعادة إنتاجه وتصديره للإنسانية عن طريق المسلمين.
البندول الحضاري
تصور الكثيرون - وبسبب ضغط اللحظة الحاضرة - أن الحضارة بضاعة غربية، ونحب أن نؤكد حقيقة بسيطة وهي أنّ الشرق الذي يندب اليوم حظه، وينظر بإعجاب إلى الغرب المتفوق؛ يجب أن لا تغيب الحقيقة عن عينيه، وهي أن منبت الحضارة كان هنا في الشرق لقرون متطاولة، فهذه الأمم المتراجعة اليوم، كانت يومًا تعتلي قمة الحضارة البشرية، ومنها بدأت تهب رياح التغيير على الإنسانية. ومع ذلك فإن حركة البندول الحضاري لم تتوقف عندها. فما هو هذا البندول؟
إن التاريخ ينبئنا أن الحضارات العظمى قد بدأت في مصر، وبلاد ما بين النهرين، وفارس وكلها حضارات شرقية، وما لبث البندول أن تحرك إلى الغرب ليقرع أبواب اليونان وروما، ثم غادر الغرب لقرون متطاولة تقرب من ألف عام ليستقر في مكانه في الشرق على يد الحضارة الإسلامية، وهو اليوم في الغرب ثانية على يد الحضارة الأوروبية، وهو عائد إلى مبتدئه مهما بدا للإنسان- كما
هو الحال في كل الفترات السابقة - أن حركة البندول قد انتهت وأنه قد توقف وإلى الأبد في مكان واحد لا يغادره.
الشرق
الحضارة المصرية القديمة.
حضارات ما بين النهرين.
الحضارة الفارسية.
الحضارة المرتقبة
الشرق
الغرب
الغرب
الشرق
الحضارة الغربية
الحديثة
الشرق
الغرب
الشرق
الغرب
الحضارة اليونانية.
الحضارة الرومانية.
الحضارة الإسلامية
النموذج الثاني
تراكم معرفي وإبداع جديد
تقاطع تاريخي
تقاطع تاريخي
تقاطع تاريخي
نشأة الإنسان
(في المشرق)
هجرات متتابعة غير منظمة
استيطان حول الأنهار
قيام حضارات شرقية
(المصرية -الآشورية -الكلدانية - ...)
قيام حضارات غربية
(اليونانية - الرومانية)
قيام حضارة شرقية
(الإسلامية)
قيام حضارة غربية
(الحديثة)
هجرات متتابعة منظمة
الحضارة المرتقبة
(شرقية)
تراكم معرفي وإبداع جديد
تراكم معرفي وإبداع جديد
تراكم معرفي وإبداع جديد
تقاطع تاريخي
تراكم معرفي وإبداع جديد
هذا النموذج يعينك على استيعاب تسلسل وتلاقح الحضارات.
الخلاصات:
* إن مفهوم الحضارة عكس مفهوم البداوة. وأي أمة تنتقل من طور الترحال والبداوة إلى طور الاستقرار والإضافة في المجالات العلمية والتطبيقية فهي أمة متحضرة.
* إن معرفة تاريخ الحضارات في صورته الزمنية، يعطي القارئ شيئًا من الإحساس بأن العالم لم يبدأ من هذا القرن، بل إن صنع البشرية فعل تراكمي، يضاعف في كل مرة من رصيد البشرية.
* إن من يظن أن الأوربيين امتلكوا الحضارة لأنهم أكثر ذكاء قد أغفل نقطة هامة، وهي أن موطن الإنسان الأصلي كان في الشرق، ثم توالت الهجرات، فلا يوجد جنس مفضل على آخر.
* كانت الكثافة السكانية العالية في أوروبا من أهم أسباب الإبداع.
* إن تنظيم الجيوش وتدريبها كان قائمًا في كل الحضارات وقوتها العسكرية خضعت لأمور كثيرة فليس كل من انتصر عسكريًا كان الأكثر تحضرًا.
* لم تتعرف أوروبا على التراث اليوناني إلا عبر الحضارة الإسلامية.