فهرس الكتاب
مع سقوط الإمبراطورية الرومانية في الغرب 476م تعاظم دور الكنيسة في الحياة المدنية لتحل محل الدولة بالكامل في عهد البابا غريغيروس الأول (590-604م) .
الكنيسة والتعليم
مع شيوع الاضطرابات ستقوم فكرة الأديرة. و قد أخذت من صعيد مصر وانتشرت في أوروبا. وستتحول إلى مراكز نشر للمسيحية بين الشعوب الأوروبية الوثنية. وستقوم بتعليم المنتسبين اللغة والكتاب المقدس وشيئًا من الحساب. وداخل هذا البناء المركب من الملك والنبلاء والبابا في القمة وجموع الشعب في القاع كان الصراع محتدمًا طوال العصور الوسطى.
الكنيسة والصراع مع الملوك
فمنذ بداية القرن الحادي عشر حاول غريغريوس السابع منع تدخل الملوك في تنصيب رجال الدين، الأمر الذي كان يعني تحكمهم في الكنيسة، فحرًّم غريغريوس ذلك بقرار عام 1075م، حتى خضع الملك سنة 1122م، وتنازل عن حقه في تسليم الصولجان للأسقف عند توليته وظيفته، مكتفيًا أن يكون له صوت في الاختيار، ولكن ذلك لم يحسم النزاع الذي استمر وانتهى بانتصار الملوك على الكنيسة في القرن الثالث عشر.
رابعًا: بذور عصر النهضة
قلنا أن القرون الوسطى تبدأ مع سقوط روما وتنتهي بسقوط القسطنطينية. وتمتد من القرن الخامس الميلادي إلى القرن الخامس عشر، أي ما يقرب من عشرة قرون. ورغم أن القرون الخمسة الأولى تميزت بالانحطاط الشديد في معظم المجالات، في الدين، والعلم، والاقتصاد والسياسة، والاجتماع، إلا أن خطًا صاعدًا خجولًا سيظهر منذ بداية القرن الحادي عشر وسيلقي ببذور متعددة في الأرض الأوروبية، ستظهر آثار ذلك في القرن السادس عشر وما بعده. وحتى يمكن تخيل الإطار العام للصورة والتعرف على البذور الجنينية التي ساهمت في نهضة أوروبا، نبدأ مع الإمبراطورية الرومانية وبشكل تجريدي يمكن تلخيص هذه البذور في:
البذرة الأولى:
لقد كانت روما في نظر الأوروبيين هي العَظَمَةُ والعلم والتقدم، فلما دخلتها المسيحية أصبحت هي أيضًا العاصمة المقدسة ويمكن تبسيط الصورة:
روما العظيمة + روما المقدسة = روما العظيمة المقدسة رمز الوحدة الأوروبية ومع الوقت ستفقد روما خصائصها مثل كل الحضارات فلا النشاط والمبادرة ولا الجند والحرب سيبقيان ولو وضعنا ذلك في معادلة أخرى لظهرت بهذا الشكل:
روما العظيمة المقدسة - النشاط والمبادرة - القوة العسكرية = روما الكسولة غير المحاربة المعتمدة على الشرق في الغذاء وعلى البرابرة لحماية حدودها. (لاحظ علامة الطرح [-] وعلامة [=] )
والباقي هو تحصيل حاصل فبجمع المعادلتين سنكون أمام روما المنهزمة التي تسقط تحت يد البرابرة (جنودها المرتزقة سابقًا) .
ثم تبدأ مرحلة التفتت لتظهر فرنسا، وأسبانيا، وإيطاليا، ثم يأتي شارلمان 800م لمحاولة إعادة حلم الوحدة فيوحد الإمبراطورية ثانية لفترة قصيرة ومع شارلمان نقف قليلًا للتأمل، فلا شك أن الوحدة السياسية أمر عظيم ولكن اقتصاد بلاده كان اقتصادًا قرويًا يعتمد على القرية والزراعة فيها، وهو ما سيعرف بالإقطاع أو الاقتصاد الموضعي ويمكن صياغة المعادلة كالتالي:
العظمة السياسية [ممثلة في الوحدة + الاقتصاد المجزأ (القروي) ] = السقوط والتفتت للدولة ثانية، فالأعمال العظيمة تحتاج إلى موارد عظيمة واقتصاد قوي. وهو أمر لا يوفره الاقتصاد الريفي المتواضع. فكانت النتيجة الحتمية سقوط الدولة وتفتتها. لكن حلم الوحدة سيظل عميقًا في أوروبا، فرغم كل الأهوال التي ستمر بها أوروبا من حروب طاحنة ومشاحنات داخلية دائمة كما سنرى لاحقًا. فإن الحلم ظل قائمًا إلى القرن العشرين ليتمثل في تحالف عسكري ووحدة اقتصادية اندماجية لها ما بعدها ألا وهي الوحدة الأوروبية المرتقبة.
البذرة الثانية:
الصراع بين الملكية والكنيسة وطرح مسألة: أيهما أسمى الكنيسة أم الملك والاحتكام للجمهور، فرغم دموية هذا الصراع وعنفه ولكن الحوارات حوله ستهيئ المجتمع ليقرر بنفسه لمن سينحاز، كما سيعتاد المجتمع استخدام الملكات العقلية وسيمكن الناس من التعامل مع المنطق السياسي.
البذرة الثالثة:
منذ بداية القرن الحادي عشر ستنشط التجارة في البحر الأبيض المتوسط، ففي السلم والحرب (الحروب الصليبية) ستنمو التجارة وتنشط ومع هذا التبادل النشط مع الشرق ستنتج آثار كبيرة. نستطيع أن نطلق عليها"بذور التحديث" (1) . ويمكن بلورتها في الآتي:
1.ستقتبس أوروبا كثيرًا في الصناعات من العالم الإسلامي.
2.سيتم ترجمة كثير من الكتب.
3.سيتم نقل كثير من العلوم التطبيقية في الطب والهندسة والفلك والميكانيكا.
4.ستغير إيطاليا ومدنها وملوكها من نمط حياتهم ليتشبهوا بحياة القصور العربية، ومن هنا ستتغير القصور وأشكال التمدن في أوروبا مثل البناء والنظافة والعطور والأثاث .. إلخ.
5.ستظهر في القصور حلقات العلم والمدارسة وستنشأ الجامعات.
6.ستضاف أفكار جديدة للقضاء الأوروبي.
بذور الرأسمالية
وبتطور التجارة وتراكم الثروة القادمة من الأمريكتين والالتفاف حول العالم الإسلامي ستظهر في أوروبا طبقة جديدة وهي الطبقة البرجوازية ربيبة المدن وهذا الخط سيقلب النظام الاقتصادي من الاقتصاد القروي إلى الاقتصاد الرأسمالي التجاري التبادلي أو اقتصاد المدن بدلًا من اقتصاد الأرياف ولن يتوقف دور هذه الطبقة عند الاقتصاد بل سيمتد للسياسة الداخلية والخارجية على حدٍ سواء.
بذور الدولة القومية
ومع نشاط المدن وانتقال الناس إليها، سيقل دور الأرياف وقيمة الأرض، وبالتالي تقل قيمة النبلاء. وستصبح سلطة الملوك أكبر على الدول، وتصبح هذه المركزية، مقدمة منطقية لظهور الشعور بالانتماء القومي (لغة + شعب + أرض دائمة + تاريخ مشترك) وستتجلى هذه الروح في الحرب الفرنسية - البريطانية، المسماة بحرب المائة عام في القرن الرابع عشر. وفي الروح الجماعية التي رافقت إخراج المسلمين من أسبانيا.
بذور الإصلاح السياسي
ستظهر بذور الإصلاح السياسي في بريطانيا في القرن الثاني عشر الميلادي. عندما ينهض الملك هنري لينظم (1) ويضبط الدولة بالقانون، ويطبقه بصرامة على جميع المستويات، ويدرب الجميع على احترامه. ورغم أن السبعين سنة التالية كانت من نصيب ملوك ضعاف؛ إلا أن نموذج هنري كان قد طبع المجتمع الإنكليزي، وأصبح مطلبًا مستمرًا.
ثم تأتي قصة تطور البرلمان البريطاني (بيت الكلام) هذا هو معنى الكلمة ومحتواها أيضًا. ثم ظهور وثيقة العهد العظيم (MAGNA CARTA) ، والتي ستشكل أول وأهم الوثائق الأوروبية في الإصلاح السياسي الدستوري.
ويمكن أن نشير إلى بعض القضايا الهامة في العصور الوسطى وعلى عجالة:
1-الحروب الصليبية
حرب أم هجرة أم مستعمرات جديدة؟
بنظرة واحدة، إلى الأسباب الحقيقية، التي دعت إلى خروج الكثيرين في الحملات الصليبية؛ سيبدو واضحًا، أن معظم هؤلاء كان دافعهم الخروج من أوضاعهم الصعبة، والوصول إلى ثروات الشرق، فالاكتظاظ السكاني في أوروبا كان دافعًا رئيسًا للخروج، من ضيق العيش، وتقلص فرص الثروة، وندرة فرص العمل، وعدم توفر الحياة الكريمة، كل ذلك دفعهم إلى عالم سمعوا عنه الكثير، وأمّلوا فيه الكثير. ويكفي أن نفس هذه الجموع التي خرجت باسم الصليب، هاجمت القسطنطينية في إحدى حملاتها، في واحدة من أبشع عمليات التدمير والنهب. ولا يقلل ذلك بطبيعة الحال من عمق الحافز الديني وقدراته التحريضية العالية، الدافعة للتضحية والموت مقابل وعد الآخرة، وهو أبرز ما طبع الحياة الأوروبية حينها.
2-الكشوف الجغرافية