فهرس الكتاب
يستريح لتحمل هي عنه الهم، فتسرح وتمرح في المال العام، ثم تقوم المعادلة الصعبة، فهو يحتاجهم ليستمر في الحكم، وهم يحتاجونه ليستمروا في النهب. تلك الفكرة الضيقة عن الحكم، والغنيمة، صبغت - ومازالت - كثيرًا من عصور التاريخ، ولم ننتقل لفكرة الوطن والأمة بعد. ولم يسلم من مثل هذا الوضع إلا قلة في الماضي والحاضر وعندما يتحول الوضع إلى الصورة أعلاه، تتوارى النخب الحقيقية وتبتعد تجنبًا لمثل هذه الأجواء المريضة، ويبتعد الشعب عن المسئولية، وعن البناء، ليتحول إلى أداة عاطلة عن العمل، وتصعد فرق الهدم على هذه الأنقاض لتشارك في عمليات النهب بقدر استطاعتها، تلك هي الحلقة المفرغة التي تدور فيها الأمة منذ أجيال، وتصحبنا إلى هذا الحاضر الذي نعيشه، وعلى الأمة قادة وقاعدة أن تنتبه لهذا الوضع المدمر.
10)حكم من لا يعرف الإسلام
ثم إن كثيرًا ممن حكموا ويحكمون العالم الإسلامي إلى اليوم، معرفتهم بالإسلام لا تتعدى المعرفة السطحية، وأداء العبادات إن فعلوا. هذا إذا تحدثنا عن الغالب التاريخي، أما الإسلام كمشروع حضاري كلي، وكنظام جديد للبشرية، وكدعوة ورسالة للعالمين، أما معرفة المنتظم الإسلامي، وخريطة الحركة الكلية من أجل الإسلام، أما التجرد للفكرة وبنائها لبنة بعد لبنة في هذا الصرح العظيم، فذلك أمر كان بعيدًا عن أذهان كثير من الساسة، وما حمله وقام بتبعاته، في الغالب إلا جمهور الأمة وبعض من أشرق النور في قلوبهم ولو ومضة من حكام الأمة، لقد انفصل الحكم عن المشروع ولم ينفصل عن الحاجة للدين في شكله الطقوسي، لأنه أداة تسكين للجمهور وأداة لكسب الشرعية، وبالتالي إذا أردنا التقدم فلابد من حل هذه المعضلة المستعصية تاريخيًا وإعادة الدولة لخدمة المشروع والحياة به، وهو الأمر الذي لابد أن تتحمله قيادات الأمة الإسلامية سواءً كانت نخب الحكم أم نخب الثقافة.
11)أزمة المدينة العربية
وهي جزء من أزمة الديموغرفيا المختلة، فنتيجة للكثافة السكانية، وأزمة الحكم المستمرة، كانت الحاجة دائمة عند الملوك لاستدعاء البادية لحكم المدينة العربية، وفي أشكال
مختلفة، فمرة تستدعي البادية العربية، ومرة تستدعي البادية التركية، والشركسية ومرة تستدعي العسكرتاريا أو القبيلة المعاصرة، وهي في كل الأحوال كتل بشرية معرفتها بالحضارة قليلة، ولكن قدرتها التنظيمية عالية، بسبب من رابطة الدم، أو رابطة الانتماء للعسكر، وعبر التاريخ الطويل، انتقلت هذه من حماية الحكم إلى حكم المدينة، في حين عُزِلَ أهل المدينة عن تسييرها في جهازها الأعلى، هذا الاختلال، قد تم إصلاحه في الحركة التاريخية الأوروبية، يوم أن حكمت المدينة نفسها، ممثلة في سكان المدن، فأوجدت حالة الاستقرار والتنمية، مهدت لحركة النهضة، أما في المدينة العربية وإلى يومنا الحاضر، فلم تستطع المدينة استعادة حريتها وتوازنها.
نظرات في مسار المماليك والعثمانيين
إن أهم مراحل التاريخ الإسلامي هما مرحلتي المماليك والعثمانيين من حيث بدء خط الانكسار واصطدامه بخط النهضة الأوروبي ولابد أن نلحظ هنا عدة أمور:
1.يبدو للوهلة الأولى، أن دخول الأتراك للمعادلة الإسلامية حدث قد جاء مع الدولة العثمانية، وهنا نحب أن نذكر بأن الإسلام وصل إلى بلاد ما وراء نهر جيحون سنة 705م على يد قتيبة بن مسلم حيث تستقر القبائل التركية القادمة من أواسط آسيا وأن المعتصم سنة 833م استقدمهم كحرس وجنود وخدم وسيبني مدينة سامراء في العراق ليستقر بها مع جنوده هؤلاء. وهؤلاء بدورهم سينقلبون بعد ذلك من أداة للسيد إلى سيد للسيد وسيمارسون الحكم كلما سنحت الفرصة وتهيأت الظروف وهي سنةٌ جارية في البشر.
2.ونؤكد أنّ الأتراك لعبوا دورًا هامًا كدول ثغور طوال تاريخهم الطويل، وهم الذين وقفوا في وجه الغرب وطموحاته في الشرق منذ عصر مبكر.
3.إن الدولة الأموية التي مدت رواق الإسلام إلى أقاصي العالم شرقًا وغربًا لم تدم في الشرق إلا ما يقرب من قرن، وهي مدة قصيرة في حساب الزمن، ومع ذلك حقق جيبها في أسبانيا معجزة حضارية، ستظل محل اعتزاز الأمة على مدى الأجيال.
4.دخلت الدولة العباسية في عهود الضعف، مع استلام المتوكل 847م (القرن التاسع) ، حيث بلغت الدولة، أوج اتساعها، وبدت على الخريطة، كطائر ذي جسم صغير، وهو العراق والشام، وجناحين كبيرين، ويمثل الجناح الشرقي، بلاد فارس، والجناح الغربي مصر والشمال الإفريقي، قلب ذو كثافة سكانية منخفضة، مقارنة بجناحين، ثقيلين عريضين، في عصر تشكل القوة البشرية والموارد عناصر حاسمة في صراعات القوة، وأي مرض سيطرأ على عقل الطائر أو جسمه سينعكس على الأجنحة، وسيختل ذلك التوازن الصعب، الذي سبب معضلة الدولة العباسية. وذلك ما حدث فمع ضعف قلب الدولة، بدأ تفكك الأطراف فالجناح الغربي وبالتحديد في مصر، سيبدأ أول عملية انفصالية على يد السرى بن الحكم 815م لتظهر في الجناح الشرقي المقابل وبالتحديد في خراسان الدولة الظاهرية
سنة 819م ولو تابعت التواريخ اللاحقة لقيام الدول ستجد عملية التناوب على التفكيك من الأجنحة، ثم الاتجاه للسيطرة على القلب والجسد الضعيف.
5.هذه الدول رغم كل العيوب الناتجة عن تفكيك الإمبراطورية الإسلامية، فإن معظمها كان له إسهام حضاري أضاف للتراث الإسلامي، وسد عجزًا ما، في مراحل ضعف القلب. ودافع عسكريًا عن الأمة بشكل أو بآخر.
6.هذا الوضع المجزأ، والضعف البادي في القلب، سيغري أولًا الكتل البشرية العملاقة في الغرب على الحركة للاستيلاء على هذه الممالك الغنية وستبدأ حركة الحروب الصليبية بين العامين 1095م-1291م (نهاية القرن الحادي عشر إلى نهاية القرن الثالث عشر) أي متزامنة مع عمر ثلاث دول إسلامية، الدولة السلجوقية، والدولة الأيوبية، وما يقرب من أربعين سنة من عمر الدولة المملوكية. ويغري ثانيًا الكتل البشرية العملاقة من الشرق ممثلة في المغول سنة 1258م أي قبل انتهاء الحروب الصليبية بثلاث وثلاثين سنة ليسقطوا الدولة السلجوقية وينهوا الخلافة العباسية ليوقفهم المماليك في فلسطين 1260م. وفي عين جالوت يتوقف المغول بعد توقيع الصلح مع المماليك 1320م. وبعدها ببضعة عقود يدخل التتار بقيادة تيمورلنك مرة أخرى ليستولوا على بغداد 1393م ويجتاحون المدن السورية ويدمرون دمشق سنة 1401م ويأخذون خيرة الفنانين والصناع إلى عاصمة ملكهم سمرقند قبل أن تصل إليهم جيوش المماليك وتنهي وجودهم في الشام.
والخلاصة: أن القرن الثاني عشر والثالث عشر والرابع عشر هي قرون صبغتها الحروب المتواصلة من أجل البقاء، بما تعنيه الحروب ماديًا وبشريًا من تكاليف تكبدها العالم الإسلامي ومناطقه الحضارية. فقد تم تدمير بغداد وحرق مكتباتها على يد المغول ثم قام تيمورلنك بتفريغ المنطقة من خيرة الصناع والفنانين.
النموذج الخامس
هذا النموذج يعينك على استيعاب مسار الحضارة الإسلامية ، وحفظ أهم ما فيه، وشرحه للآخرين.
الدولة العثمانية
(1288 - 1924م)
ستة قرون
الدولة الإسلامية
النموذجية
(622م - 661م)
الهجرة 622م
فتوحات مستمرة ضمت أجزاء واسعة من امبراطوريتي بيزنطة وفارس
مقتل علي بن أبي طالب 661م ونهاية الخلافة الراشدة.
الدولة الأموية الشرقية
(661م - 750م)
معاوية ابن أبي سفيان (661م - 680م) وبداية الملك.
سقطت في أيدي العباسيين 750م
خلافة عمر ابن عبد العزيز الراشدة ( 717م - 720م)
عهود قوة وفتوحات حتى عهد الوليد بن يزيد وبداية الضعف 743م
الدولة العباسية