فهرس الكتاب

الصفحة 542 من 2255

وثانيتها مسألة مرتكب الكبيرة: مرتكب الكبيرة الذي لم يتب هل هو مؤمن أم كافر؟

وثالثتها مسألة الأسماء والصفات وأهم مسألة طرحت يومها: هل القرآن كلام الله أم خلق من مخلوقاته؟

وستظهر فرق تنافح عن اختياراتها:

جـ- في الفقه:

تعددت المذاهب بين جميع الفرق، واختلفت الآراء، ولم تخل من التعصب. وتلك هي الآفة الكبرى لأي مجتمع، فعندما ينتقل النقاش المنطقي، إلى ساحة الفعل التحريضي، ومن ثم إلى ساحة العنف فإن ذلك دمار للمجتمع، فإذا استدعيت جماهير الغوغاء إلى ساحة المعركة الكلامية، فتلك بداية النهاية لكل شيء جميل، لأنها تنتقل تلقائيًا إلى ساحة العنف ضد المعارضين، وذلك الأمر الذي يقتل الفكرة والعقل وهما دعامة النجاح لأي مجتمع وعليهما يقوم الإيمان والتكليف وبهما يخطط لنصرة الدين وإعمار الحياة.

5)المعضلة الاقتصادية

سوء توزيع واستخدام الثروة، الاحتكار، تداول الثروة بين طبقة محددة بالباطل، اعتبار الدولة غنيمة، وملكًا شخصيًا للوالي. كل هذه المثالب طبعت الدولة في عصورها المختلفة، ثم الانغماس في الملذات بشكل غير مسبوق، حكيت عنه الأساطير، خاصة لبعض الولاة في تاريخنا، هذا الترف والسرف، أضاع الدنيا والدين معًا على مر التاريخ، ونحن هنا سنأخذ واحدة من أغنى الدول التي حكمت العالم الإسلامي قبل انهيار الوضع، ونسجل للدولة المملوكية، غناها التجاري الباهر، ونسجل عليها فقر الفلاحين وطبقات الشعب، والحرمان الذي كانوا يعانونه، في هذه الدولة الغنية، والمدى الذي وصلت إليه الأحوال في الشارع المصري من جراء ذلك، والآثار المدمرة التي ستقود إليها بعد ذلك، والتي سيصفها لنا الجبرتي - المؤرخ المشهور- يوم نزل نابليون إلى مصر، ومدى تدهور الحالة الحضارية للمجتمع. ويمكن أن يرجع إلى ذلك في تاريخ الجبرتي.

إنّ أخطر ما في الحالة الاقتصادية المذكورة، أن الغنى والترف، كانا نتاج حدث عارض، وهو أن موقع الدولة في قلب العالم وسرته حتَّم مرور تجارة العالم القديم خلال مصر إلى أوروبا، ولم يكن ذلك ناتجًا عن نشاط المجتمع وحيويته الكلية ومشاركته في الدفع الاقتصادي، ولما كان الحدث العارض عارضًا، فزاوله محتوم، وقد حدث ذلك باكتشاف طريق

الرجاء الصالح وعندها انكشفت القدرات الحقيقية للمجتمع، وأختبرت صلابة بنائه وكانت النتيجة ذلك السقوط المريع للمجتمع. أن إيجاد مجتمع نشط بسبب حالته الداخلية الصحيحة كان ولا يزال التحدي الأكبر لأمتنا. وهي مدعوة لأن تتعلم الدرس التاريخي الأزلي، أن المال يجب أن لا يكون"دولة بين الأغنياء"ويجب أن تعتمد الدولة على نشاط المجتمع وحيويته لا الأحداث العارضة مثل تجارة الترانزيت والاقتصاد السياحي الذي يعلم الجميع أنه لا يبني العمود الفقري للاقتصاد وأقصى ما يمكن أن يقدمه فسحة من الوقت لبناء ذلك الاقتصاد لا أكثر ولا ضمان لاستقلال أي أمة لا تمتلك اقتصادًا حقيقيًا.

6)إهمال العلوم التطبيقية

لقد شاع في كثير من فترات التاريخ الإسلامي، أن العلوم الشريفة هي علوم الدين، أو كما قيل"قال الله وقال رسوله"أما عدى ذلك، فهو أمر يؤخذ منه بأقل قدر، فالحساب، والفلك، والكيمياء .. إلخ كلها يجب أن تعطى أقل قدر من الاهتمام، وفي مراحل أخرى، أصاب الاضمحلال حتى العلوم الدينية، وساد التقليد واجترار الموروث، دون أي خلق وإبداع جديد .. تلك النظرة للعلم وتطبيقاته، قضية لم تحل إلى اليوم، وإن كانت دخلت في طور جديد، وهو عالم استهلاك التطبيقات العلمية، وعدم تجاوز ذلك إلى سبر المعرفة العلمية، والغوص في أعماق العلوم. وأصبحت الجامعات محطات تفريخ لمجاميع تفتقد المضمون العلمي، وروح العلم وأن حملت أوراق اجتياز الامتحانات النظرية والشهادات المعهودة. إن الخروج من هذه الحالة هو تحدٍ لابد من اجتيازه إذا أردنا النهوض والخروج من المأزق.

7)ضعف الدافع العقدي

إن الناظر في أحوال الأمم، يستطيع أن يلمح، وباستمرار أثر الدافع العقدي، في مسيرة أية أمة، هذا الدافع العقدي، هو الإيمان بقضية ما إيمانًا لا يحتمل الجدل، والحماس للفكرة، حماسًا يجعل كل تضحية في سبيلها أمرًا هينًا، تلك هي"المكنة النفسية"التي إذا زرعت في أمة ما نفخت الرياح في أشرعتها، وإذا نزعت من أمة ما دب السكون والموات في جنباتها، ونكست راياتها، وبفضل هذه النفخة، اندفعت الأمة في الأرض، وكلما خفتت هذه

الروح، سكنت وتراجعت، ومع مرور الأيام والسنين بدأ الوهن العقائدي يدب في أوصال الأمة، مما مهد لحالة التراجع، ورسم خطًا مبكرًا هدد ولايزال هذا الكيان الكبير، لقد عرّف الصدر الأول العقيدة بالعمل، وعرفت الأمة بعدها العقيدة بالجدل. والفرق بين المعنيين كبير، فالأولى تعني أن المؤشر الحقيقي للعقيدة، هو في مجموع الجهد الذي يضعه الفرد لخدمة أهداف الدين على جميع المستويات، والمعنى الثاني يعني مجموع ما يعرفه الفرد من اصطلاحات وتعريفات، وما يتقنه من جدل وحجه في موضوع العقائد، هذا الخط وهذا التحول سيظل قائمًا يؤدي دوره السلبي على مر العصور اللاحقة.

8)عدم متابعة تطور الأمم الأخرى

لقد كانت الأمة في حالة صراع حاد ومازالت، هذه الحالة التنافسية كانت تستدعي بالضرورة، متابعة التطورات التي تحدث في الأمم المنافسة، ولكن ذلك لم يحدث، وكان له أسوأ الأثر على مستقبل الأمة الإسلامية. فالدولة العثمانية المشتبكة مع الغرب، لم تفلح في رصد متغيرات الحالة الأوروبية في القرن الرابع عشر والخامس عشر والسادس عشر، ولذلك فوجئت بالتحولات العسكرية التي حدثت بعدها، وقل ذلك عن المماليك، الذين كانت بعض ممالك البحر الأبيض المتوسط الأوروبية تدفع لهم الجزية، فقد فوجئوا لحظة نزول نابليون بصنف آخر من الناس غير الذين عهدوهم في الحروب الصليبية وهزموهم فوجًا بعد فوج، ولم يكن ذلك ليحدث لو كانت قرون الاستشعار حية في الأمة ونسبة الغرور أقل.

9)تكوين النخب حول السلطان

لقد رأينا أرسطو على رأس مرافقي الإسكندر المقدوني، ورأينا جاك أتالي حول ميتران في عصرنا، ورأينا النخب المفكرة الاستراتيجية حول رجالات البيت الأبيض، لكن من يجتمع حول سلاطيننا على مر العصور؟! فإذا استثنينا إشراقات صغيرة داخل التاريخ فسنجد غالبية غالبة من محترفي النفاق تتمركز حول نقطة اتخاذ القرار، نخب تفتقد العلم والخبرة، تحيط بالوالي إحاطة السوار بالمعصم يسمع بآذانها، ويفكر بعقلها، ويتردى وهو يحسب أنه يصعد، تتحول الهزائم إلى انتصارات والنكسات إلى أفراح واحتفالات، تهيئ له أن

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت