فهرس الكتاب

الصفحة 556 من 2255

ونقترح على القادة تمام الاستيعاب لفلسفة التاريخ واستخدامها وشرحها لغيرهم، والتدرب على الاستعانة بأطروحاتها في ثنايا حديثهم بل وعقد حلق النقاش حولها حتى تتحول إلى مكون طبيعي في ثقافة القائد.

الفصل الثالث

العصبية عند ابن خلدون

بن خلدون

"هو عبد الرحمن بن محمد بن خلدون الحضرمي التونسي (732-808هجرية) . أصله من حضر موت، ولكن أجداده نزحوا إلى بلاد المغرب أثناء الفتح الإسلامي للأندلس، وولد في تونس عام 732 هـ الموافق 1332م."

قضى العشرين سنة الأولى من عمره متعلمًا للعلوم الدينية واللغوية والفلسفية والطبيعية والرياضية. وقضى خمسة وعشرين سنة أخرى من عمره موظفًا حكوميًا بدول شمال أفريقيا، وكانت هذه الفترة فترة اضطراب سياسي من عام 1350 إلى 1374م. ثم عاش أربع وعشرين سنة في القاهرة معلمًا وقاضيًا ومؤلفًا. ووافته المنية في القاهرة عام 808هـ الموافق 1406م.

وقد نشأ في بيت علم ودين، فكان أبوه معلمه الأول، ثم تتلمذ على يد مجموعة من العلماء حتى صارت ثقافته موسوعية.

واستهواه العمل السياسي مع الأمراء والملوك سواءً في تونس أو في تلمسان وغيرها من مدن شمال أفريقيا.

و كتب مقدمته المشهورة والتي أصبحت فيما بعد أساس"علم العمران"لاعتماده على الاستقراء والتحليل والاستنتاج والنقد للحوادث التاريخية، لا من حيث هي وقائع مروية يكتفى بالنظر في سندها فحسب وإنما باعتبارها مؤشرات ودلالات ينتظمها سياق يقود ربطها وتحليلها من داخل تلك المنظومة لإدراك مغازيها واحتمالات تأثيراتها الحاضرة والمستقبلية."19"

وابن خلدون هو أول من بدأ يقرأ التاريخ قراءة مختلفة، فبينما كان التاريخ قبل ابن خلدون يدرس على أنه حوادث متفرقة ومتتابعة؛ جعل بن خلدون التاريخ مجالًا للاستقراء والتحليل والاستنتاج، وكان يريد أن يستنتج القوانين التي تحكم الحراك التاريخي. حتى يمكن استخدامها في مجالات أخرى. فاعتبر الوقائع التاريخية والإسناد في التاريخ وتحقيق الحادثة التاريخية هو مجال صناعة المادة الخام. أما وظيفة ابن خلدون فكانت استخدام المادة الخام واستخراج القوانين منها.

ومن خلال هذه الدراسة تمكن من أن يستخلص نظرية حول نشوء الدول واستقرارها، وتحللها واندثارها، ملاحظًا الدورة من الظفر إلى الانقراض، ومؤكدًا على نظرية العصبية القائمة على الدم أو الدين أو أي رابطة اجتماعية أخرى في جميع مراحل الدولة.

الدولة والعصبية عند ابن خلدون

لقد كان الهم الأول عند ابن خلدون وهو يكتب التاريخ ويصحح وقائعه ويستكشف ظواهر العمران البشري هو أن يجيب على سؤال محوري:

كيف تقوم الدولة؟ كيف تنهار؟

وقد وضع في اعتباره أن للدول أعمارًا طبيعية كما للإنسان.

دورة حياة الدولة

"نظر ابن خلدون إلى الدولة على أنها كائن حي يولد وينمو ثم يهرم ليفنى، فللدولة عمر مثلها مثل الكائن الحي تمامًا".20

وهو يشبهها بدورة حياة الإنسان التي ذكرها رب العزة في قوله تعالى: {الله الذي خلقكم من ضعف ثم جعل من بعد ضعف قوة ثم جعل من بعد قوة ضعفًا وشيبة يخلق ما يشاء وهو على كل شيء قدير} .21

والدولة عند ابن خلدون تمر بأربعة أطوار هي:

* طور الظفر والاستيلاء على الحكم غلبة وقهرًا وانتزاعًا.

* طور الاستبداد والانفراد بالسلطة والتنكر للعصبة.

* طور الفراغ والدعة لتحصيل ثمرات الملك وفيه تسود الراحة والطمأنينة.

* طور الهرم والانقراض بسبب الإسراف والتبذير.

ويدور الفكر الخلدوني في الدولة والحضارة على قانون العصبية ويعني بها الالتحام الذي يكون بين الأقارب أو القبائل والعشائر والذي يدفع للمناصرة والمطالبة بالملك والمغالبة في سبيله ويدخل فيه الحلف والولاء وغير ذلك من صنوف التكتل والتحالف القبلي شاملًا أي نوع من الولاء المفضي للمغالبة في سبيل تلك الغاية.

فابن خلدون يدرس كيف تصل جماعة ما إلى إسقاط نظام ما، ثم ماذا يحدث لها عندما تصل إلى الحكم ويشتد عودها، ثم ماذا يحدث عندما تنهار. وهو في نظريته يؤكد على نظرية العصبية القائمة على

الدم أو على الدين. فإذا وجدت العصبية؛ فإن تفسيره للظواهر يقوم عليها. وعندما تشتد توصل أصحابها إلى السلطة وعندما تصل بهم إلى السلطة تضعف هذه الرابطة شيئا فشيئًا، إلى أن ينهار هذا النظام، ويقوم نظام جديد. وبالرغم من أن هذا النموذج الذي يتحدث عنه ابن خلدون - كما حدد هو في دراسته - متعلق بدول المغرب التي شاهدها والممالك التي قامت بها - إلا أن نظرية العصبية نظرية صحيحة في جوهرها، تنطبق على أماكن كثيرة.

وقد عرف الدكتور محمد عابد الجابري في كتابه"معالم نظرية خلدونية"العصبية بأنها"رابطة اجتماعية نفسية تربط أفراد جماعة معينة قائمة على القرابة المادية أو المعنوية ربطًا مستمرًا يشتد عندما يكون هناك خطر يهددهم"أوهي"قوة جماعية تمنح القدرة على المواجهة سواءً كانت المواجهة مطالبة أو دفاعًا".

وينطبق ذلك أيضًا على أكثر من مجرد القبيلة التي كانت تتحرك برابطة الدم. فهو ينطبق على الحزب السياسي، إذا اجتمعت في أتباعه هذه الصفة، وينطبق على الجيش إذا تحول إلى حزب سياسي

يمتلك هذه الرابطة. فوجود رابطة تجمع مجموعة من الناس وتدفعهم إلى التكتل والتضامن والإحساس بالخطر المشترك والتحرك في مواجهة الآخرين هو المقصود بالعصبية.

وعلى ذلك يقول محمد عابد الجابري:"يمكن اعتبار التكتلات الحديثة بجميع صورها عصبية متى ما سعى منتسبوها لتحقيق أهداف معينة واضحة وجسد انتماؤهم للتكتل شعورًا قويًا بالتضامن للإنجاز يشتد وقت الخطر وينمو باطراد".

وفي رأي ابن خلدون أن العصبية إذا اقترنت بالدين لا يقف أمامها شيء"فالصبغة الدينية تذهب التنافس والتحاسد الذي في أهل العصبية (العرقية) وتفرد الوجهة إلى الحق". كما يرى أنه لابد للعصبية الدينية من عصبية أخرى. ومؤدى هذه النظرة في الواقع أن الدين لا يستغني عن جماعة أو تنظيم يطالب بتحقيقه ويدافع عنه.

فإن وجود جماعة أو جهة تحمل هذه الفكرة الدينية وتتبناها يحقق مصلحتين:

* وجود العصبية التي تتم بها المدافعة والجسم المادي (الجماعة) الذي يدافع.

* وجود الفكرة (الدين) التي تستجلب العصبية وتهذبها وتنقيها من الشوائب التي يفرزها التعصب. حيث أن الدين ينقي العصبية من سلبياتها ويستثمر إيجابياتها.

عوامل إضعاف دور العصبية

ترى ما الذي يلغي دور العصبية عند ابن خلدون؟! فإذا وجدت أمة من الأمم، أو مجتمع من المجتمعات فيه هذه اللحمة، وله أهداف مشتركة، ووجد مع هذه الأهداف المشتركة عنصر الدين- والمجتمعات الإسلامية بها البشر والدين. فما الذي يلغي أثر الدين؟!

ويوضح ابن خلدون عاملين يشلان فعالية العصبية ويلغيان دورها وهما:

* الخضوع والانقياد

إذ"المذلة والانقياد كاسران لثورة العصبية وشدتها فإن انقيادهم ومذلتهم دليل على فقدانها فما رئموا المذلة حتى عجزوا عن المدافعة، ومن عجز عن المدافعة فأولى أن يكون عاجزًا عن المطالبة والمقاومة".

* الترف والنعيم

وهو عامل يقف بالعصبية في منتصف طريقها نحو تحقيق غايتها المنشودة. وكلما ازداد انغماس أفراد العصبة في النعيم ضعفت رابطتهم شيئًا فشيئًا حتى تضمحل.

وقد لفت القرآن انتباهنا إلى دور الترف والنعيم في هلاك الأمم. يقول تعالى: {وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرًا} 22.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت