فإذا دخلت في هذه المنظومة منظومة فكرية تعمل كالفيروس - الذي يقوم بانتزاع ثورة المدافعة، ويؤدي إلى الخضوع والانقياد - فمن باب أولى أن تنتهي قضية المطالبة والمقاومة. وهذا أمر هام لقادة النهضة حتى يدركوا من أين يأتي الخلل في بناء الصحوة الضخم ؟!
إن وجود الكتلة البشرية - حسب نظرية ابن خلدون - التي بينها رابطة و دين يفترض أن تكون قادرة على إحداث التحولات، ولكن إذا دخل -عند ابن خلدون - عامل الخضوع والانقياد، أو أقحم في هذه المنظومة، نفى عنها قدرتها على إحداث التغيير.
إذا أضيف إلى منظومة الخضوع و الانقياد منظومة تؤدي إلى الترف والنعيم والانغماس في الملذات والماديات والمنافع الدنيوية انتهت قضية المدافعة والمغالبة وفقدت العصبية معناها.
عوامل إضعاف العصبية
الخضوع والانقياد
الترف والنعيم
عوامل تعزيز العصبية
يوجد في المقابل عاملان حاسمان في تعزيز العصبية ودعم روابطها وهما:
* وجود عصبية عامة: تتعدى عصبية النسب إلى الالتحام الاجتماعي أو الروحي. فالدول العظيمة تحتاج عصبية عامة بينما الدول الصغرى لا تحتاج أكثر من عصبية النسب.
* وقوع الدولة (المراد إسقاطها) في طور الهرم: ويرى أن ذلك ليس حتميًا أو نتيجة لا مفر منها. فالدولة القائمة تهرم إذا كانت لحمتها قائمة على عصبة النسب، إذ لا يمكنها أن تصمد طويلًا أمام مطالبة عصبية قوية، خاصة عندما تكون هذه العصبية معززة بدعوة دينية، إذ تغير الأوضاع القائمة عنده لا يتأتى بمجرد الدعوة لوضع أحسن؛ بل لابد من قوة مادية (عصبة) تسندها.
عوامل تعزيز العصبية
وجود عصبية عامة
وقوع الدولة في طور الهرم
نماذج معاصرة
إن العصبية تحتاج إلى رابطة، وتحتاج إلى دين أو فكرة. ونزع هذين الأمرين وتحييد عملية العصبية يحتاج إلى إدخال منظومة تؤدي إلى الخضوع والانقياد، ومنظومة تؤدي إلى الترف والنعيم والانغماس في الدنيا. وعندها لا يعود للمنظومة الأولى (العصبية) أي فائدة.
وانظر إلى هذا المعنى الكبير الذي يشير إليه ابن خلدون وتداعياته في الواقع المعاصر. فإذا أرادت الدول والتجمعات النجاة؛ فيجب أن تتعدى عصبية النسب إلى الالتحام الاجتماعي أو الروحي. فالدول العظيمة تحتاج عصبية عامة، بينما الدول الصغيرة لا تحتاج أكثر من عصبية النسب. فإذا أردنا تعزيز العصبية وتوثيق روابطها في مجتمعات كبيرة نحتاج إلى أكثر من مجرد النسب. وهذا ما تفعله الدول الكبيرة - مثل الولايات المتحدة الأمريكية - حيث تتكلم عن المواطنة أو القومية أو ما فوق القومية لعمل لحمة كبيرة جدًا بين الأجناس المختلفة، لا تربطها رابطة الدم.
والعصبية في الإسلام قوية إذ أنها تجمع كل الأجناس والأعراق على اختلاف الألوان واللغات.
هل تهرم المؤسسات والأحزاب؟!
إن ما يقال عن الدول يقال - بشكل أو بآخر - عن الأحزاب والمؤسسات والجماعات، فكما أن الفرد يهرم والدولة تهرم، فإن التنظيم قد يهرم. وللتنظيمات والمؤسسات أيضًا دورة حياة.
وهي تبدأ بفكرة وليدة لم تنضج بعد، ثم تبدأ الفتوة تدب في هذه الفكرة، وتنمو وتتبلور، وتتحدد أهدافها. ثم تبلغ طور الشباب بكل ما تحمله الكلمة من معنى يعبر عن الحماس والقوة والأمل. وتكون الأهداف واضحة فإذا لم تتمكن الحركة من تحقيق أهدافها وضربت بشكل أعاقها نفسيًا وعمليًا فإنها تتعرض لأن يصيبها طور الشيخوخة والهرم. إذ ينخفض سقف الأهداف، وتقل حدة الفكرة ووضوحها، وتخبو جذوة الشباب والحيوية.
أضف إلى ذلك - في حالة غياب الأهداف الحقيقية - بُعد الأتباع عن الحركة وانغماسهم في أمور الدنيا مما يضعف الرابطة (العصبية) . إما لغياب الهدف المشترك، أو لعدم السعي لتحقيقه من خلال ما تم من إعاقات نفسية.، وغلبة أمور الحياة والمعيشة على التفكير.
إن الذي يتأمل في تاريخ الحركات الاستقلالية الإسلامية وغير الإسلامية على مدار التاريخ يجد أن كل حركة تبدأ بفكرة ولودة، ثم تتحول إلى حركة فتية قوية شابة، فإما أن تنجح في تحقيق أهدافها، وإما أن تُسحق و تصاب بالإعاقة، ثم تبدأ أعراض الشيخوخة تدب إليها. فإذا واصلت الطريق، وظلت بحيويتها واتجاهها صوب الأهداف فإنها تنتصر، أما عندما يتضاءل سقف أهدافها فإنها تخبو وتهرم. إذ تركن للنعيم وتستمرئ السكون. فتأتي مجموعة جديدة فتية تتجه نحو نفس الهدف، وإما أن تنجح أو تفشل وهكذا.
إن من أخطر الأمور أن يطول الزمن على الحركة أو التيار دون أن يحقق هدفه. فالعمق التاريخي لأي تيار يكسبه شرعية وجماهيرية كبيرة، في حالة كونه ينتقل من هدف إلى هدف، ويقطع شوطًا تلو شوط. لكنه في حالة فشله وعدم تمكنه من الصعود على سلم الأهداف فإن ذلك عادة ما يكون له تأثير سلبي. حيث أن العمق التاريخي للحركة يصبح عبئًا عليها. إذ تقع دائمًا تحت مطارق التساؤلات عن نجاحاتها في هذه الفترة الطويلة. كما أن آثار الهزيمة وأشباحها غالبًا ما تكون عائقًا نفسيًا قبل الإقدام على شوط جديد.
ويقول محمد حسنين هيكل في حديثه عن أمريكا:"إن الولايات المتحدة بلد محظوظ: لديه كثير من الجغرافيا وقليل من التاريخ. ومعنى ذلك أن لديه غنى في الموارد بلا حدود، وخفة في أثقال التاريخ وحمولاته لم يتمتع بها غيره، وذلك منحه اطمئنانًا إلى وفرة مادية طائلة - ثم إنه أعفاه من وساوس تاريخية ينوء بها عديد من الأوطان أو البلدان."
والذاكرة الوطنية للشعوب في بعض الأحيان عبء بمقدار ما هي حافز - لكن الهجرة إلى أمريكا كانت مشروطة بالتخلي عن القديم والبدء من جديد لمن يبغون الفرص الطموحة.
وإذا اعتبر هذا الحال فقرًا في الإرث أو التراث - فإنه كان في نفس اللحظة عونًا على مواجهة المستقبل مفرغًا من العقد والمسئوليات مما يخلفه الإرث والتراث."23"
فكرة وليدة
أهداف محددة وحماس كبير
نصر وغلبة
هزيمة وانكسار
البعد عن الأهداف
والإعاقة النفسية
والانشغال بالدنيا
(هرم)
الاستمرار نحو الأهداف وإعادة الكرة بروح جديدة
(شباب)
طفولة
شباب
دورة حياة النظم والمنظمات التغييرية
كيف نضمن عدم الشيخوخة؟
* إن الحصيلة التاريخية لأي نظام يجب أن تكون عامل بناء لا عامل هدم، وذلك من خلال استخدام هذا الرصيد من زخم التجارب في التحفيز على المواصلة وعلى استمرار العطاء.
* إن ضخ دماء متجددة شابة في أي نظام كفيل بأن يستمر في حيويته، على أن تكفل القيادات التاريخية للشباب أن يقوم بدوره كاملًا، كما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم أسامة بن زيد وهو لم يبلغ السابعة عشرة عامًا على جيش يقوم بمعركة مصيرية لتأديب الروم.
* أما وضوح الأهداف واستمرارية السعي لتحقيقها فهو المحور الرئيسي لمنع التفلت، وركون العاملين للدنيا.
هكذا تستطيع النظم أن تجدد شبابها.
منهجية ابن خلدون
إن ابن خلدون في بحثه يركز على الدول فهو لا ينظر إلى منظومات كبيرة لكنه ينظر إلى الدول في أحوالها المختلفة. فهو يرى - في نموذجه القبيلة - أنها حينما لا تكون في السلطة، فإنها تمتلك الخشونة وتمتلك لحمة الدم، وإذا نادتها عاطفة دينية فهي تنطلق، ولا يوقفها شيء لإسقاط وضع قائم. كما يرى أن هذه القبيلة عندما تصل، ويستأثر أفراد منها بالترف والنعيم تدب في أوساطها عملية الضعف، وتنخر فيها عوامل الهرم وتنحل الرابطة التي قامت عليها ويدخل عليها من ليس في عصبتها وتبدأ شيئًا فشيئًا في الانهيار.