فابن خلدون ينظر من هذه الزاوية إلى الدول. والدول التي رآها هي الدول الصغيرة التي كانت تقوم كممالك. ولكن فكرة العصبية وفكرة الخضوع والانقياد وفكرة الترف والنعيم أفكار صالحة تستخدمها أمم كثيرة في مجالات الصراع متعددة. وعلى القائد أن يفهم هذه الثلاثية جيدًا لينطلق باحثًا في صفحات التاريخ، حتى يتأكد من أن هذه المنظومة لها شواهدها من التاريخ والواقع.
الأفكار الثلاثة
العصبية
الخضوع والانقياد
الترف والنعيم
التوظيف العملي لقانون العصبية
* إن على الأحزاب والمؤسسات والحكومات المختلفة أن تسعى إلى تجديد حيويتها وإلا شاخت ونخر الهرم في جسدها.
* إن ظهور الجماعات والمؤسسات والحكومات الجديدة الشابة كفيل بتقدم المشروع. وكونها لا تحمل ألمًا تاريخيًا يجعلها مندفعة متقدمة، ومن ثم ندرك قيمة التعدد في الأحزاب والمؤسسات. إذ أن الإرث التاريخي أحيانًا يكون له دور المثبط، خشية تكرار الآلام.
* ويأتي الهرم من جمود الأفكار، وضعف الارتباط (العصبية) ، وكثرة الترف والنعيم، والبعد عن الأهداف الحقيقية، كما يأتي من الخضوع والانقياد. التام بدون وعي وبصيرة ما يشبه حالة الاستسلام.
* إن التكتلات والتحالفات التي تعتمد على الاتفاق على فكرة واحدة وأهداف واحدة-بغض النظر عن رابطة الدم -هي من أقوى العصبيات، ويجب السعي لتحقيقها في مجتمعاتنا، بدلًا من التفتت، وتشرذم التيارات التي تسعى للنهضة.
* إن الإسلام به من المقومات التي تعطي قوة هائلة لأي عصبة تتبناه. فهو أمر ضروري لتقوية العصبية. ويطمس أي عصبية قائمة على العرق أو الجنس مما يمنع حدوث التنازع والفشل.
* إن هرم بعض الأحزاب الفاسدة سواءً كانت حكومية أو غيرها، هو فرصة ذهبية لوجود لظهور عصبية جديدة تقوم على الدين كفكرة مركزية منتقاة، لإحداث عمليات التغيير والتحول الاجتماعي.
الفصل الرابع
أرنولد توينبي والحضارات
لقد كان ابن خلدون ينظر في دراسته إلى الدولة. والآن ننتقل إلى مفكر آخر وسع دائرة نظره، فدرس الدولة في سياق أكبر، وهو سياق الحضارات. وهذا الجهد قام به أرنولد توينبي.
أرنولد توينبي
ولد في انجلترا عام 1889م، وعاش أحداث الحربين العالميتين الأولى والثانية فانفعل بها، وجاءت نتيجة ذلك موسوعته الضخمة"دراسة التاريخ"التي قضى في تأليفها حوالي أربعين سنة من عام 1921م إلى عام 1961م، وكان من أشد المعجبين بأعمال ابن خلدون، ولكنه رأي أن يوسع دائرة النظر من الدولة إلى الحضارات. وبدأ يدرس الحضارات البشرية ليخرج لنا بخلاصات في غاية الأهمية.
والقانون الكبير الذي يتحدث عنه هو قانون التحدي والاستجابة. وفي شرحه يطرح مجموعة ثرية من الأفكار، التي يجب أن يلم بها قائد النهضة والعامل لها.
ويرى أرنولد توينبي- من زاويته- أن الحضارات رغم وجود عناصر الوحدة فيها فيما يسمى بالتشكيلة الحضارية لمجتمعات ما، إلا أن هناك تنوع للوحدات الصغيرة (الدول والمجتمعات) داخل هذه المنظومة الحضارية. وبداخل هذه المجتمعات الحضارية يوجد الإنسان المبدع. وهؤلاء المبدعين الكبار هم الذين أنشئوا الحضارات، أو أطلقوا شرارة قيامها، كالأنبياء والرسل، أو من في صفهم من المفكرين والمنظرين، الذين بنيت على أساس أفكارهم مجتمعات ضخمة.
ويرى أرنولد توينبي أن كل هذه المنظومة المكونة من المنظومة الحضارية والدول التي تقع داخل إطارها وفي قلبها الأناس المبدعون الذين يقومون على قيادة هذه الأوضاع؛ تمر بهم المجتمعات في تحديات وتستجيب لها وتطور قدراتها من أجل التغلب على عليها.
الحضارة
دول ومجتمعات
مبدعين
قانون التحدي والاستجابة
يرى صاحب نظرية التفسير الحضاري (توينبي) أن نشوء الحضارات وبعثها متعدد الأسباب. ويقوم أساسًا على عمليات التحدي الجغرافية والبشرية التي تدفع للاستجابة والتحرك الخلاق سعيًا للإقلاع الحضاري.
يقول توينبي:
يواجه الإنسان في طريقه لبناء الحضارات مجموعة من التحديات (مواقف وظروف ومشكلات صعبة) فيتعامل معها إما باستجابات ناجحة تؤدي إلى التغلب عليها والوصول إلى تحقيق النهضة المنشودة، وصولًا للحضارة، أو إلى استجابات فاشلة لا تؤدي إلى تحقيق النهضة والحضارة.
ويقسم توينبي هذه التحديات إلى قسمين:
* تحديات طبيعية: مثل المناخ والجغرافيا الطبيعية والموارد الطبيعية والموقع الجغرافي وغيرها.
* تحديات بشرية: مثل عدد ونوع السكان وثقافة المجتمعات وطبيعتها.
والتحديات الطبيعية قد تكون أرض صعبة، و زلازل وبراكين وفيضانات، وما شابه ذلك. فالأرض الصعبة تكون دافعًا لأن يطور الإنسان قدراته، وأن يشق الطرق والقنوات، ويبتكر وسائل المواصلات.
وكذلك الأرض البكر الجديدة تدعو الإنسان إلى تطوير قدراته لاستغلالها،
وهناك دوافع النكبات، كأن تحدث مآسي كبيرة في المجتمع، سواءً كانت هذه النكبات بيئية أو من صنع الإنسان، ففي الحالتين يواجه مجتمع ما تحديات كبيرة جدًا، ولابد أن يطور قدراته للتغلب عليها.
وهذه التحديات تواجه الأمم جميعًا بلا استثناء. والفارق الوحيد هو في الاستجابات التي تختلف من أمة لأخرى. وهذه الاستجابات هي التي تحدد شكل ونوع النتائج المستقبلية. وسنتحدث عن كل من التحديات والاستجابات بشيء من التفصيل.
أولًا: التحديات
إن التحديات هي سر نهضات الأمم. ولولا التحديات لما وجدت الحضارات، ولما كانت هجرات الشعوب واكتشافها لمواطن جديدة تصلح للحياة. ولذلك فإن الرغبة في حياة ليس بها تحديات يعتبر بمثابة حبس طاقات الإنسان. وفي هذا يقول روبرت شولر:"إن الصراع هو مكان ولادة الإبداع الأعظم"24، ويقول الدكتور كاريل:"الأهداف التي تعمل على إثارة الحافز فينا تقوم بتقديم أجمل الهدايا لنا على شكل إنجازات"25.
أنواع التحديات
وتنقسم التحديات من حيث مستوياتها إلى ثلاثة أقسام رئيسة:
تحد قاس: أكبر من قدرة المجتمع ولا يستطيع الإنسان تطوير آليات التغلب عليه، مثل شعب الإسكيمو وتحدي الثلوج المستمرة. فإنهم لم يتمكنوا من إبداع أي شيء يخلصهم من هذا، فاستمرت حياتهم البدائية حتى يومنا هذا.
تحد ضعيف: غير مستفز للإنسان ليطور ذاته وبالتالي يظل الإنسان على حاله من غير تقدم. مثل شعب نيوزيلندا، حيث قلة السكان ووفرة الموارد وسهولة الأرض. فلم يتقدم سكان نيوزيلندا الأصليين.
تحد خلاق: يستفز طاقات الإنسان. ولكنه - أي الإنسان - قادر على تطوير آليات للتغلب عليه مثل حالة كل الشعوب التي صنعت حضارات، فطورت آلاتها المعرفية والعملية، حتى ووجهت بتحدي داخلي أو خارجي أو بيئي ولم تستطع الاستمرار أو تباطأت حركتها فسبقها غيرها.
وهذا التحدي الخلاق هو الذي يستفز طاقة الإنسان لأقصى درجاتها تخطيطًا وتنظيمًا وحشدًا. وكلما استجابت الأمة بتنمية قدراتها لمواجهة تحد ما؛ كلما زادت طاقاتها. وبالتالي واجهت تحد آخر، فتغلبت عليه لتطوير طاقاتها. وبذلك يتكون المجتمع النامي والمتقدم والحضاري وليد سلسة التحديات والاستجابات الناجحة.
التحديات
تنقسم إلى
الطاقات والهمم
العجز والاستسلام
خلاقة
ضعيفة
قاسية
حافز على
لا تستنفر
تؤدي إلى
الإبداع وتفجير الطاقات
من الذي يقود مواجهة التحديات؟