فهرس الكتاب
ويرى أرنولد توينبي أن الأفراد المبدعين و القادة الملهمين والفئة ذات الرؤية والتصور - والتي تطرح رؤية للمستقبل وحراك لمواجهة التحديات - هم المعول عليهم في عملية المواجهة. فإذا انقادت لهم الأغلبية - سواءً عن طريق المشاركة في المعاناة والخبرة أو عن طريق التقليد والمحاكاة الآلية -قادوا هذه المجتمعات إلى التغلب على ما يواجهها من عقبات.
العوامل الثلاثة لسقوط الحضارات
لنفرض أن وجود القادة المبدعين قد تم، وانطلقت مجتمعات معينة حول فكرة ما، مثل دعوة الإسلام الربانية التي يقودها نبي، وتحركت بهؤلاء المبدعين - الذين واصلوا التقدم - إلى آفاقها الرحبة الواسعة. كيف يحدث التآكل والتراجع بعدها؟!
يعزو توينبي سقوط الحضارات إلى ثلاث عوامل -مستبعدا أن يكون ذلك أمرًا حتميًا- هي:
* ضعف القوة الخلاقة في الأقلية الموجهة وانقلابها إلى سلطة تعسفية.
* تخلي الأكثرية عن محاكاة وموالاة هذه الأقلية.
* الانشقاق وضياع وحدة كيان المجتمع.
وتفسير ذلك أنه إذا حدث ضعف في القلة المبدعة - التي كانت تقود، وفقدت إبداعها؛ فإنها تتحول تلقائيًا -وهي في السلطة - إلى قوة تعسفية. هذه القوة التعسفية تقوم بمنع المبدعين الآخرين من تقديم إبداعاتهم، حتى لا تنكشف عوراتها، وتحارب الجديد، وسندها في ذلك إنجازات الماضي.
والأغلبية عادة لا تنضم إلى القلة المبدعة، وهي إما أن تظل في حيرتها بين الطرفين أو تظل على ارتباطها بالقديم. ونتيجة هذا الصراع يحدث الانشقاق وضياع وحدة كيان المجتمع، وتبدأ مرحلة يطلق عليها أرنولد توينبي"زمن الاضطراب"والذي يقود إلى الانهيار.
فانظر وتأمل فيما توصل إليه توينبي عن الأقلية المبدعة وأثرها، ودرجة محاكاة واتباع الأغلبية لها، ثم التطورات التي تحدث على الأقلية المبدعة -بعد أن يُمَكَّن لها في الأرض - و استخدامها للتعسف أمام المبدعين الآخرين، مما يعد - بعد ذلك - عاملًا أساسيًا ينذر ببداية الاضطراب، ثم
يكون العامل الحاسم هو اختيار الأغلبية من تتبعه (القديم أو الجديد المبدع) . وعندما تدخل المجتمعات في زمن الصراعات يصعب حتى على أذكى الأذكياء - كما يقول سان تسو المنظر الصيني - وقف عمليات الانهيار.
عوامل سقوط الحضارات
ضعف القوة المبدعة وتحولها إلى قوة تعسفية
تخلي الأكثرية عن موالاة واتباع الأقلية
الانشقاق والصراع وتفتت وحدة المجتمع
ثانيًا: الاستجابات
يؤكد توينبي أن العلاقة بين مستوى التحديات ومستوى الاستجابات علاقة طردية. أي أنه:
كلما ازدادت التحديات صعوبة كلما تصاعدت قوة الاستجابات، حتى تصل بأصحابها إلى ما يسمى ب"الوسيلة الذهبية". والتي تأتي من خلال سلسلة من الاستجابات الناجحة وشبه الناجحة والفاشلة في مواجهة التحديات التي تعترض طريق النهضة والحضارة. إلى أن تهتدي الأمة إلى الحل النموذجي أو الخلطة السرية التي تقودها بأمان لتحقيق النهضة والحضارة. هذه الوسيلة التي تنقل المشروع نقلة قوية هي ما أطلق عليه"الوسيلة الذهبية".
الوسيلة الذهبية
الاستجابات
التحديات
الحضارة
هذا الشكل يمثل مسار الصعود الحضاري، وليس الصعود والهبوط. ويلاحظ أن منحنى تقدم الأمم نحو الحضارة لا يسير في خط مستقيم، ولا في منحنيات ثابتة. ولكنه يمر بمنحنيات متغيرة متقلبة، تشير بوضوح إلى سلسلة المحاولات السلبية التي مرت بها الأمة أو الحضارة في
طريقها نحو القمة، حتى تأتي الوسيلة الذهبية (الاستجابة الصحيحة) فتعيد المنحنى مرة أخرى نحو الصعود. وهكذا تتكرر المحاولات السلبية والوسائل الذهبية حتى تصل الحضارة إلى ذروتها.
اللبنة المؤثرة:
عادة ما تكون أحد هذه الوسائل الذهبية من الضخامة والتأثير بحيث تمثل لبنة هامة وخالدة تبني عليها الحضارات كثيرًا من وسائلها وتحولاتها التالية. وبإمكاننا أن نطلق على هذه الوسيلة (اللبنة المؤثرة) . وهي تمثل تحولًا ما أثر في الحضارة واستمر معها، وأصبح من الثوابت التي يصعب إزالتها. وسنمثل لذلك بمثالين:
الأول: ما فعله الملك هنري في بريطانيا ونظامها السياسي. ففي القرن الثاني عشر الميلادي قام الملك هنري بتنظيم وضبط الدولة بالقانون وطبقه بصرامة على جميع المستويات ودرب شرائح المجتمع على احترامه. ورغم أن السبعين سنة التالية كانت من نصيب ملوك ضعاف؛ إلا أن نموذج هنري كان قد طبع المجتمع الإنكليزي وأصبح مطلبًا مستمرًا.26
والثاني: هو ما فعله نابليون بونابرت في فرنسا بعد قيام الثورة الفرنسية عندما أدخل أساليب الإدارة الحديثة و أنشأ الجامعة لمجابهة التحديات التي كانت تواجهه، ورغم أن تجربته كانت قصيرة إلا أنها بقيت ما يكفي لإحداث عدة تغييرات راسخة لا رجعة فيها. وما زال الكثير من هذه النظم معمول بها حتى الآن.
أنواع الاستجابات
تنقسم الاستجابات بحسب نتائجها إلى قسمين أساسيين:
* استجابات ناجحة.
* استجابات فاشلة.
ولكل من هذين النوعين نتائج منطقية تترتب عليها وذلك كالتالي:
استجابة فاشلة: وهي تؤدي إلى التخلف. وهي حالة لها أعراضها الداخلية متمثلة في الفوضى والتخبط ولها أعراضها الخارجية، المتمثلة بحدة في اعتماد الأمة على الغير في مأكلها ومشربها وحمايتها، بل وحتى في فكرها ونظمها. إنها حالة من الاستلاب للآخر وهي حالة بها كل مقومات"القابلية للاستعمار".
استجابة ناجحة: وتمر بعدة أطوار: الصحوة، ثم اليقظة، ثم النهضة، ثم الحضارة.
الصحوة:
* هي أولى مراحل انقشاع سحب التبلد الذهني. وسنستخدمها هنا لوصف المرحلة الأولى في البعث الحضاري.
* من أعراضها الإيجابية: الإحساس بالذات والهوية.
* من أعراضها السلبية: عدم تمتع أشكالها التنفيذية الانطلاقية بالرشد الكامل، فهي في جزء منها قد تبدو فوضوية غير منضبطة.
فالصحوة هي إرهاصات لحالة جديدة تعتري مجتمعًا ما، واضحة أحيانًا ومشوشة أحيانًا أخرى، ولكنها صرخات الجنين الأولى وحركة من صحا من نومه فجأة، ولكنه لم يفق بعد ويتنبه لمحيطه الخارجي بشكل سليم، فربما اصطدم بمقعد دون أن يقصد. غير أن هذه الأخطار تزيده صحوًا وتنقله للاستيقاظ الكامل.
وأما اليقظة:
* فهي حالة تالية تنقشع فيها بقايا الخِمار العقلي، ويعرف فيها المرء مكانه ووضعه بالنسبة لما يحيط به من أشياء وبشر، فيكيف حركته ليسير بين عالم الموجودات المادية حوله وينظم علاقته بعالم البشر المحيط به.
* أعراضها الإيجابية: الرشد والوعي والعمل المخطط المدروس.
وأما النهضة:
* فهي حالة تالية عندما ينظم عالم الأفكار (ويقصد به التصورات وإدراك العالم الخارجي ومجموعة المبادئ والصواب والخطأ والمشاعر والأحاسيس) . ويستيقظ عالم المشاعر ( أفرده بعض العلماء كعالم منفرد ولم يدرجوه تحت عالم الأفكار) . ويندفع الإنسان فيها متحررًا من قيود الخوف ليمارس دوره في جميع المجالات.
* أعراضها الإيجابية: استشعار الإنسان لذة العمل والاكتشاف والقوة، فهي حالة تتخلل كل أشكال الحياة، وتعطي للزمن قيمته من حياة الأمة، وتمنح للتفوق والإبداع قدرهما.
وأخيرًا تأتي الحضارة:
وهي حالة من بناء النموذج المنشود في عالم الواقع، متمثلًا في نموذج فكري متقدم، وعالم علاقات وسلوك متقدم (ويقصد به الحياة الاجتماعية والمدنية والعلاقات المنظمة للأفراد والجماعات) ، وعالم من الإنتاج المادي الصناعي والمعماري والفني متقدم (ويطلق عليه عالم الأشياء، ويقصد به البنية المادية المحسوسة كالمصانع والمنازل والجسور وغيرها) .
الحضارة
الصحوة
اليقظة
النهضة
البداية
الحلم