فهرس الكتاب
ولكن.. هل لابد أن تمر أي حضارة بمرحلة من التخبط والعشوائية وهي في طريقها للنهضة والحضارة؟؟
يقول رينه ريمون في تأريخه عن الثورة الفرنسية التي لا زالت عماد فرنسا الحديثة (الإخاء والمساواة والحرية) :"فالثورة لم تكن على الدوام موفقة في إلهامها. فقد كانت مشاريعها على الدوام طوباوية (والمقصود النموذج الفاضل المثالي التخيلي مثل مدينة أفلاطون الفاضلة) ، وأحيانًا تراجعية قهقرية. فالثورة لم تكن بكليتها متوجهة نحو المستقبل."27 ويقول في موضع آخر:"أوجبت الظروف - أي المخاطر الداخلية والخارجية والمقاومة التي كان على الثورة أن تواجه بها العدوان الخارجي والحرب الأهلية - القيام بتغيير كامل."28
وهكذا نرى أن أي صحوة تمر بها أمة من الأمم تكون أشكالها التنفيذية الانطلاقية شبه فوضوية أو عشوائية في كثير من جوانبها.
إن أمتنا ليست عقيمًا أن تلد أفكارًا تصل بها إلى الوسيلة الذهبية، غير أنها تحتاج سعة أفق وجرأة على التصدي للمشاكل.
إن الاستمرار في الأخذ بالوسائل المجربة غير المجدية يمثل الدوران حول النفس، بينما لو جربت الأمة طرقًا جديدة لوصلت إلى النهضة، ويتطلب هذا الأمر الجرأة على طرق الأبواب الجديدة، وعدم الاكتفاء بالوسائل
المجربة سالفًا. لذلك يقول روبرت شولر:"أفضل أن أغير رأيي وأنجح على أن أستمر على نفس الطريقة وأفشل".29 ويقول أديسون:"العديد من التجارب الفاشلة في الحياة تكون عندما لا يدرك الناس أنهم كانوا قريبين من النجاح عندما استسلموا".30 وسُئِل أديسون ذات مرة عن شعوره إزاء خوضه ألف تجربة فاشلة، فأجاب بأنه لم يقم بألف تجربة فاشلة، بل تعرف على ألف طريق لا يؤدي إلى الحل الصحيح.
النهضة
إن الأمم التي تجدد في أفكارها وأهدافها، وتجود في أعمالها وإنتاجها، وتبدع في عطائها ومبادراتها، وتستقل برأيها وقراراتها أمة لا يمكن إلا أن تنهض وتصل إلى الريادة الحضارية
أهداف جامدة
روتين قاتل
ركود
تبعية
محاربة الإبداع
استهلاك
جودة ضعيفة
طريق النمو
طريق التكرار
أهداف متجددة
تغيير مستمر
تجديد
استقلالية
إبداع
إنتاج
جودة عالية
موقف بعض الأمم من التحديات
إن تحقيق النهضة والريادة الحضارية لا تعد مطلبًا إسلاميًا فقط، وإنما تعد مطلبًا إنسانيًا. تسعى كل أمة من الأمم على مدار التاريخ والأزمان لتحقيقه باستجابات مختلفة لتحديات مختلفة. فينجح بعضها ويفشل البعض الآخر.
ولقد استطاعت بعض الأمم أن تنهض وتخرج تباعًا من الطوق الذي يحيط بعنقها، رغم شدة التحديات التي تواجهها. مثل الصين والهند وآخرون لما يلحقوا بهم بعد. وهم يجسدون نماذج حية شاهدة على إمكانية الخروج من أسر التحديات.
إن دراسة بعض هذه النماذج في عجالة يؤكد أن نهوض أي أمة أمر ليس بالمستحيل، شريطة أن تمتلك هذه الأمة إرادة التغيير.
التحدي ...
على المستوى الصحي: كثافة سكانية هائلة (900مليون) - مجاعات - 100مليون مدمن - أمراض متوطنة (الرمد الحبيبي) - نسبة العمي كبيرة جدًا.
على المستوى الثقافي: جهل - تخلف تكنولوجي - انبهار بالغرب لدى الطبقات المثقفة.
على المستوى السياسي: عرقيات كثيرة تريد الاستقلال وترفض التوحد - أجزاء مستعمرة للإنجليز - حرب الأفيون 1840م - حرق الإنجليز والفرنسيين لقصر الصيف عام 1860م - احتلال ياباني عام 1895م.
على المستوى الاقتصادي: قيود اقتصادية عبر المعاهدات غير المتكافئة مع الغرب.
محصلة الاستجابة ... تحرير الصين
توحيد الصين.
تقدم تكنولوجي.
أصبحت من أكبر القوى العالمية.
التجربة الصينية
موقف الأمة الإسلامية من التحديات
ليست الأمة الإسلامية بدعًا من الأمم، بل ينطبق عليها هذا القانون كما ينطبق على غيرها، وقد مرت الأمة في مسارها الحضاري بسلسلة من التحديات تبعته سلسلة من الاستجابات (الفاشلة والناجحة) استطاعت معها التغلب على تلك التحديات. ومن هذه التحديات:
الفترة ... التحدي ... الاستجابة
من خلافة أبي بكر إلى نهاية فترة عثمان ... كيف يؤَمَّن قلب الدولة ويؤَمَّن عمقها الاستراتيجي؟ ... حروب الردة والفتوحات الإسلامية
من علي
إلى القرن الثالث
... مع كثرة دخول العجم في دين الله وظهور الفرق الإسلامية كان التحدي هو: كيف تقنن قضية التعامل مع الكتاب والسنة؟ ... بداية تقنين العلوم الشرعية (أصول الفقه - علوم السنة- علوم القرآن- اللغة العربية - مصطلح الحديث - ...)
جزء من خلافة الأمويين إلى العباسيين ... مع بدء تسرب علوم الحضارات الأخرى التي احتك بها المسلمون؛ كان التحدي هو: كيف نستوعب تراث الأمم الأخرى ونحافظ على نقاء الإسلام ... بدأت حركة ترجمة علوم الحضارات الأخرى ودراستها وانتشار المناظرات بين علماء المسلمين وغيرهم.
الخلافة العثمانية ... كيف يمكن التحرر من تراث الجبرية الصوفية؟ ... تصدي العلماء بالكتابة والمناظرة وإظهار الحجج ودرء الشبه.
بعد سقوط الخلافة ... كيف ننتقل وننهض من حالة التخلف ونستعيد وحدتنا؟ ... ظهرت الصحوة التي تمثل أول طور من أطوار الاستجابة، فجاء محمد علي ومحمد عبده وقاسم أمين والكواكبي ورشيد رضا وحسن البنا وغيرهم.
نتيجة هامة
وهكذا يتبين لنا أن الأمة الإسلامية استطاعت بالفعل أن تتصدى لكثير من التحديات التي واجهتها على فترات مختلفة، وكان يتصدى لها في كل مرة رجال كانوا يتمتعون بإرادة قوية.
غير أننا في تحدي العصر يجب أن لا ننسى فكرة (الوسيلة الذهبية) ، وأن أية محاولات فاشلة لا تعني اليأس من وجود حل، بل تعني أن الأمة في حاجة إلى إعمال تفكيرها لعلها تصادف الوسيلة الذهبية.
يقول بيتر.اف:"على المرء أن لا يمر بنفس الأزمة مرتين".31 ويحدث ذلك فقط عندما يستفيد الإنسان من تجاربه ويحاول أن يطور من أساليبه ووسائله. وما أحوجنا لفعل ذلك.
ناقوس الخطر
إن الفشل في التصدي لهذه التحديات يعزز:
* حالة التخلف: وهي حالة نسبية عل كل حال لا نستشعرها إلا إذا قارنا أنفسنا بمن يفوقنا ويتقدم علينا.
* حالة"القابلية للاستعمار"أو"حالة الاستعمار": وهما وجهان لعملة واحدة، فالاستعمار تتعدد أشكاله منذ القرن الحادي عشر إلى يومنا هذا، ولكن تفوقه الحقيقي لم يظهر إلا بعد الثورة الصناعية
وآثارها العملاقة على الحياة الأوروبية، وما خلفته من إمكانات الحركة والاتصال والقوة التدميرية، الأمر الذي أخل بالتوازن لصالح الغرب بشكل ضاعف من أعباء النهضة في الشعوب المستضعفة، وجعله -أي الاستعمار- قادرًا على التدخل المبكر ضد خصومه من الأمم التي تريد الانفكاك من طريقه.
صحوة ترتقب اليقظة
إن هذا التحدي السافر على أمتنا يفرض علينا الرد، وقد بدأت بشائره في كل مكان. قد تكون متعثرة. قد تكون مترددة. وقد يكون الميلاد صعبًا. ولكنه الأمل الذي يراه الناس - أسرى اللحظة البائسة - خيالًا، ونراه - بعين البحث والنظر - حقيقة لابد أن تتجسد معالمها الكلية على أرض الواقع، بعد أن وضعت اللبنات الأولى في مطلع هذا القرن، وتبلورت في أشكال فكرية وحركية واجتماعية في مجتمعاتنا، وبدأ البناء في الصعود شيئًا فشيئًا متضحًا في أشكال المقاومة المختلفة الراشدة وغير الراشدة. وما يحدث في الساحة الآن يمثل الصحوة التي يرتجى أن تتحول قريبًا إلى يقظة تلملم أوراقها لتنطلق في ميادين النهضة، ثم تكون حضارة للعالمين.
ابن خلدون وتوينبي