فهرس الكتاب

الصفحة 561 من 2255

إن توينبي يقدم لنا مساحة جديدة من التصور، فيتكلم عن التحديات ودورها في استفزاز طاقات المجتمعات. ويقدم لنا نظرية الإنسان المبدع. وصراعه مع المجموعة المسيطرة، ودور الجماهير العامة في التقدم مرة أخرى إلى مساحات جديدة. وأثر الأغلبية واتباعها للأقلية المبدعة، أو للأقلية التي كانت مبدعة يومًا ما، والتي تحولت إلى قوة متعسفة، وأثر ذلك في استمرار النهضة أو تدهورها.

ويقدم لنا صورة عن سلوك القيادة بعد نضوب معينها الإبداعي، فيصبح مرتكزها في الكلام مع المخالفين هو القانون والانضباط وما يدخل ضمن هذه المفردات، التي لا تتكلم عن المشروع؛ بل تتكلم عن المشروعية (أحقية القيادة) . وفارق كبير يبن الاهتمام بالمشروع وتطويره، وبين الكلام عن المشروعية. فالمشروعية خلقتها ظروف سابقة، بينما المشروع حياة متجددة تحتاج إلى أدوات مستمرة، ونمو دائم.

هذه الظواهر تفيدنا في تفسير الوقائع التي نعيشها على مستويات مختلفة في أحوالنا، وتقدم لنا مدخلًا آخر أوسع من مدخل ابن خلدون. لكنه ليس مناقضًا له؛ بل هو مكمل لما تحدث عنه في نظرته لنهوض الدول وسقوطها. فهو يتكلم عن الرابطة الجامعة (العصبية) ، والفكرة الموحدة للأفراد، وأهمية استمرار ظاهرة التمرد وظاهرة العنفوان مضيفًا إليها ظاهرة الخشونة والقوة لاستمرار عملية الدفع في نمو الدولة. وعندما تنحسر هاتان المسألتان لدى الفئة التي قادت عملية الصراع وانتصرت؛ تبدأ عملية الانحدار بالدولة إلى هاوية السقوط.

إن النظريتين متكاملتان بشكل من الأشكال. وتقدمان لنا تفسيرات متعددة للظواهر التي نراها من حولنا اليوم.

توينبي والعالمية

إن أرنولد توينبي كان ممن أثروا تأثيرًا كبيرًا في النظرة العالمية للأحداث، وعدم اعتبار كل دولة مستقلة عن غيرها في التأثر بالحدث أو فعله. وقد قسم العالم إلى بقع بحسب الحضارات.

ويؤكد توينبي على أن الحضارة كيان كلي ملتحم الأجزاء. وهذه الأجزاء متسقة اجتماعيًا ومتناسقة مظهريًا ومنسجمة في جميع عناصرها، فهي بذلك كيانات حقيقية قائمة بذاتها وهو ما يستتبع منطقيا أن التغيير في جزء من الحضارة يعني تغييرًا في الكل.

وقد تحدثنا عن تداعيات هذه النظرية - في كتابنا"مشروع النهضة الأهداف ..الوسائل .. المراحل". وننقل هنا نص ما كتبناه:

"ومع إطلاق"أرنولد توينبي"نظريته في صراع الحضارات - أو في وجود حضارات متباينة على مساحة العالم- ودراسته لها وحديثه عن نهوضها وسقوطها، تحول الفكر الغربي وتغيرت مواقف الغرب تأثرًا بنظرية توينبي."

ولننظر إلى الغرب كيف وضع صورة حضارية وتاريخية للعالم وبنى مواقفه عليها، والتي تمثلت في وثيقة كامبل. فما هي هذه الوثيقة؟

وثيقة كامبل:

في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين وتحديدًا في سنة 1907م كان هنري كامبل رئيس الوزارة البريطانية. وكان مولعًا بفلسفة التاريخ، وكانت بريطانيا - ذات النجم الصاعد - تمتد إمبراطوريتها من أقصى الأرض إلى أقصاها. 32

تأمل كامبل في فلسفة التاريخ وتساءل: إذا كان نجم بريطانيا سيغرب لا محالة بحسب نظريات فلسفة التاريخ، وإذا كانت بريطانيا وحدة من مكونات الحضارة الغربية المسيحية فما الذي تستطيع أن تفعله بريطانيا لمد أجل الحضارة الغربية وديمومة سيطرتها على العالم، بحيث يستمر الدور البريطاني بشكل أو بآخر في السيطرة على هذه البقاع من العالم؟!

وكان ما أرداه هو إعداد استراتيجية أوروبية لضمان سيادة الحضارة الغربية وطول أمدها. لذا بعث كامبل برسالته وتساؤله إلى الجامعات البريطانية والفرنسية التي ردت عليه بالجواب المفصل في وثيقة سميت بوثيقة كامبل التي ما زالت موجودة في الأرشيف البريطاني لمن شاء الرجوع إليها33.

تحدثت هذه الوثيقة عن أن واجب بريطانيا أن ترى العالم من خلال ثلاثة مساحات:

المساحة الأولى: تتكون من الوحدات التي تقع في المنظومة المسيحية الغربية. وتقرر الوثيقة أن من واجب بريطانيا تجاه هذه المساحة من الحضارة - على أي حال من الأحوال- ألا تكون السيادة على العالم خارج إطارها. أي أن هذه المنظومة الحضارية هي التي تسيطر على العالم، ويظل زمام الأمور بيدها.

فإذا كانت أي حضارة لاشك ستنتهي - بحسب نظرة فلسفة التاريخ - فإنها يجب أن تضمن أن وريث هذه الحضارة من نفس المساحة، ومن جوهر المنظومة الغربية.

المساحة الثانية: وهي الحضارة الصفراء،34 التي لم تتناقض مع الحضارة الغربية من الناحية القيمية، لكنها قد تختلف معها في حساب المصالح. وهذه الحضارة يمكن التعامل والتعاطي معها تجاريًا، ويمكن غزوها ثقافيًا لهشاشة منظومتها القيمية. وبالتالي فالتعامل معها يعتمد على الجانب المصلحي للكتلة المسيحية الغربية من العالم.

أما المساحة الثالثة: فهي البقعة الخضراء أو الحضارة الخضراء 35وتقرر وثيقة كامبل أن هذه المساحة من الأرض تحتوي على منظومة قيمية منافسة للمنظومة الغربية، صارعتها في مناطق كثيرة وأخرجتها من مناطق كثيرة، وأنه من واجب الحضارة الغربية المسيحية أخذ احتياطاتها وإجراءاتها لمنع أي تقدم محتمل لهذه المنظومة الحضارية أو إحدى دولها لأنها مهددة للنظام القيمي الغربي. وستجد هذه الكلمة Value System تتكرر اليوم في كل التراث الأوروبي المعاصر، وفي وثائق البيت الأبيض بشكل متكرر على مدى تاريخ رؤساء الدول الذين مروا على الإدارة الأمريكية.

إجراءات تتخذ مع المساحة الثالثة: (الحضارة التي تتناقض مع الغرب)

وتقترح هذه الوثيقة ثلاثة إجراءات رئيسة:

أولًا: حرمان دول المساحة الخضراء من المعرفة والتقنية، أو ضبط حدود المعرفة.

ثانيًا: إيجاد أو تعزيز مشاكل حدودية متعلقة بهذه الدول.

ثالثًا: تكوين أو دعم الأقليات بحيث لا يستقيم النسيج الاجتماعي لهذه الدول ويظل مرهونًا بالمحيط الخارجي.

ومن هنا تشكلت هذه المنظومة الضخمة في العالم الإسلامي، وتشكلت السياسات العامة الضابطة لحركة هذه المجتمعات. وقد تكلمنا من قبل عن دور الاستعمار في ديمومة التخلف وليس في

إيجاده ابتداءً.36 فالتخلف له عوامله الداخلية، أما ديمومته فهناك عامل تثبيت خارجي، ويمكن الرجوع إلى وثيقة كامبل لمعرفة هذا النوع من العمل الجاد من قبل المنظومة الغربية.

وبذلك يتبين لنا أنه لم يعد هناك مجال للنظر لمساحات العالم على أنها دول صغيرة منعزلة، بل إن ما يتم الآن هو النظر إلى مساحات وبقع حضارية.

وإذا نظرنا إلى ما طرحه فوكوياما37 مثلًا أو ما طرحه هنتجتون38 أو غيره نجد هذا التجدد في تطوير هذه الفكرة وبنائها، ويدور الحديث اليوم كثيرًا عن ما إذا كان هناك صراع حضارات أم حوار حضارات؟! والحقيقة أن الواقع العملي يقول أن هناك صراعًا محتدمًا على قمة العالم، وأن هناك أمم يجب أن تُحرم

-حسب بعض المناظير - من حق المنافسة الحرة بحرمانها من المعطيات التي تسمح لها بذلك.

إننا لا يمكن أن نستمر في النظر الجزئي إلى مساحة الصراع مع التطورات الحادثة في العالم . أو أن نتخيل أنه يشمل قطرًا بعينه أو منطقة دون أخرى، إن الصراع قائم لكسر إرادة كل البقعة الخضراء عن النهوض والتقدم."انتهى39"

وثيقة كامبل

دول هذه الحضارة يقدم لها الدعم

دولها تدعم بحسب المصلحة

تتخذ ضدها إجراءات:

* حرمان من التقنية.

* مضاعفة مشاكل الحدود.

* مضاعفة مشاكل الأقليات.

حضارة غربية

حضارة صفراء

حضارة خضراء

التوظيف العملي:

إن التوظيف العملي لما سبق من أفكار يمكن تحديده في:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت