فهرس الكتاب
* التحديات الخلاقة هي سر تقدم الأمم، ومن ثم فهي فرصة لكل التيارات لأن تستجيب للتحديات من أجل الوصول إلى النهضة المرتقبة.
* التحديات التي تتعرض لها الأمة ليست فوق طاقتها، والتجربة النبوية خير شاهد، وفي تجارب الأمم التي نهضت مثل الصين خير مثال.
* إن أي تيار أو حزب يجب أن تتوافر فيه العناصر المبدعة، والتي تستجيب بدورها للتحديات بشكل فعال،
* يجب أن يعزز كل تيار وحزب التربية الإبداعية، ويقدم المبدعين، وإلا تجمد الحزب عند المبدعين الأُوَل، وضمرت الأفكار، ومن ثم شاخ وهرم. كما يجب الاهتمام بإيجاد تلاقح أفكار بين القديم والحديث، وإلا حدث الشقاق والصراع الداخلي.
* إن الاستجابات الفاشلة للتحديات التي تمر بها الأمة، يجب قراءتها من منظور إيجابي، إذ كل حضارة تمر بسلسلة من الاستجابات حتى تأتي الوسيلة الذهبية. وأسوأ ما تمنى به أمة من الأمم هو أن تموت فيها إرادة الاستجابة وتستسلم للواقع المفروض عليها.
* إن الوسيلة الذهبية ليست حكرًا على تيار بعينه، وإنما هو فضل الله يؤتيه من يشاء ممن اجتهدوا وأعملوا عقولهم وكانوا أهلًا للتحديات.
* إن أي مسار حضارة لابد أن يتعرض لانكسارات ومحاولات فاشلة، وهذا يجعل العاملين لا يستسلمون للفشل، ومن ثم فإن ميدان التنافس مفتوح من أجل الوصول إلى الوسيلة الذهبية، وفي ذلك فليتنافس المتنافسون.
* إن من ينتظر أن تكون مشاكله جزء من الماضي دون أن يتحرك فهو واهم. والذين سيتحركون ويطرقون الأبواب المختلفة يوشك أن يفوزوا بالوسيلة الذهبية. وهذه الوسيلة لا ينالها إلا الجسور المثابر المبدع."فالحرص الكافي كفيل بأن يجعل الأخطار تخطئك، فلن يمسك السوء أبدًا كما أن شيئًا جيدًا لن يحصل لك أبدًا"40، و"الشخص المسالم ذا الحركة البطيئة والثقيلة يعكف على المشي بحذر على أطراف الأصابع يهدف إلى الوصول إلى الموت بسلام".41
* إن مرحلة اليقظة هي المرحلة التي يجب أن تكون مرحلة الساعة، وأن تسعى إليها كل التيارات، لاستثمار نتاج مرحلة الصحوة في عمل راشد يجمع بين الحماس والعقل وفق رؤية مستقبلية واضحة تجمع كل العاملين للنهضة - على اختلافهم - في مشروع كبير.
* العالمية أمر ضروري للعمل النهضوي. إذ أن الخصم لا يتعامل مع دول مستقلة، ولكنه يتعامل مع بقع حضارية، ومن ثم ينبغي أن تقدر أهداف مشروع النهضة من منظور عالمي42، وألا تطغى المصلحة القطرية الضيقة على المصلحة العالمية.
الفصل الخامس
هيجل والتفسير المثالي للتاريخ
هيجل
ولد جورج ويلهلم فريدريك هيجل عام 1770م بمدينة"شتوتجارت"الألمانية، وكان والده موظفًا موظفًا بسيطًا، وكانت أمه على جانب كبير من الثقافة. والتحق بالمدرسة اللاتينية ثم اللاهوتية وتأثر بما درسه، كما تأثر بما عايشه. فقد عايش أحداث الثورة الفرنسية التي دخلت في صراع مع الرجعية في أوروبا، رافعة شعار"الحرية والإخاء والمساواة".
كما عايش هيجل دخول الإمبراطور نابليون الأول مدينة برلين، وفرض ما عُرف بمراسيم برلين الشهيرة 1806م، التي شعر الألمان أثناءها بالهوان من الاحتلال الفرنسي.
وعايش هيجل أيضًا محاولة نابليون الأول عام 1806م لتحقيق اتحاد بين ثلاثمائة إمارة ألمانية منفصلة بعضها عن بعض. فأقام اتحادًا أيضًا في شمال نهر الراين، واتحادًا آخر جنوب نهر الراين. ورغم أن هذه الخطوة تمت على يد الاحتلال الفرنسي إلا أنها قربت الألمان من حلمهم المنشود. فتمسكوا بالوحدة، ومقاومة عودة الانفصال، حتى بعد سقوط الإمبراطور نابليون الأول في عام 1815م.
وتأثر أيضًا بأحداث عصره الداخلية، حيث عاش في مجتمع إقطاعي تسوده رجعية النبلاء الذين يعتصرون الطبقة البرجوازية.
كل ذلك أثر في أفكار هيجل الذي اعتقد في سمو الجنس الألماني، وآمن بالعزة الوطنية الألمانية.
ومن هنا جاءت أفكاره الفلسفية نتاج تكوين شخصيته خلال حياته التي امتدت من عام 1770 إلى 1831م. عمل خلالها هذا المنظر والفيلسوف الألماني بالتدريس في الثانوية العامة، ثم أستاذًا بجامعة هيدلبرج، فجامعة برلين التي ظل يعمل بها حتى وفاته.
هيجل وصراع الأفكار
إن كتابات هيجل كثيرة جدًا. لكننا نتحدث عن فكرة أساسية طرحها. وهي في غاية الأهمية بالنسبة لقادة النهضة. فهو يرى - عندما يتحدث عن موضوع النهضة والتقدم في المجتمعات - أن القضية الرئيسية التي لابد من إدراكها هي أن النهضة تقوم على الأفكار. وأن الفكرة عندما تطرح - بسبب النقص في الإنسان - تكون فكرة جيدة من جانب، ولكنها تحمل نواقضها من جانب آخر. وهو ما نسميه نقيض الفكرة. وأنه يحدث صراع بين الفكرة ونقيضها المطروح. فالناس الناقضين للفكرة يستغلون النقص الموجود في الفكرة ليطرحوا فكرة أخرى على نقيض الفكرة الأولى. ويبدأ الصراع بين الأفكار. وتولد فكرة جديدة من رحم الصراع بين الأفكار، ومن هذه الفكرة الجديدة - نتيجة النقص الموجود فيها حتى بعد الدمج - يطرح آخر فكرة أخرى نقيضة، ويبدأ صراع جديد. ومن ديمومة طرح الأفكار ونقائضها يتقدم البشر طور بعد طور في سلم النهوض و التقدم. فهو هنا يتكلم عن صراع الأضداد في الأفكار، وكيف يولد أفكارًا جديدة.
إن تفسير التاريخ عند هيجل يقوم على النظر لكل فترة نظرة مستقلة باعتبارها وحدة قائمة بذاتها، وعلى اعتبار المجموع الحي حصيلة ملامح اجتماعية وسياسية واقتصادية وأخلاقية وعقلية ودينية تؤدي في النهاية لكيان متجانس.
وفي كل فترة -عند هيجل - تولد فكرة رئيسة. وكل فكرة تولد نقائضها وأضدادها. ويستمر الصراع بشكل آلي ومتلاحق، فتتحد المتناقضات مولدة المجموع الحي (الموحد) ليندفع مرة ثانية لحده الأقصى حتى يصل إلى المطلق، وفلسفة هيجل بذلك مزيج من المتناقضات. يقول عبد الرحمن عبد الله الشيخ في كتابه"المدخل إلى علم التاريخ":"ويرى هيجل أن كل عصر من العصور التاريخية يمثل وحدة مستقلة بكل أبعادها الدينية والفلسفة والاجتماعية والاقتصادية والسياسية، وأن هذه الوحدة تحوي في طياتها تناقضات تتعايش معًا فترة من الزمن. ثم تتولد عنها وحدة جديدة تمثل عصرًا تاريخيًا جديدًا تناقض العصر الذي قبله، وهذا العصر الجديد يخرج منه عصر آخر له روح مختلفة وهكذا."
وقد سمي تفسير هيجل للتاريخ بالتفسير المثالي، لأنه جعل الصراع في عالم الفكر، ومن التغيير الفكري ينطلق ويوجد العالم المادي. فالفكرة تولد ويولد معها نقيضها جنينًا في بطنها، يكبر ويصارعها حتى تتكون من الاثنين فكرة جديدة. وهكذا يتقدم العالم ويتطور حتى يصل لمرحلة الاتزان والكمال التام (إن كل فترة تنمي فكرتها الرئيسية إلى الحد الأقصى ثم تولد أضدادها أو نقائضها) .
والخلاصة المنهجية عند هيجل أن الفكرة تؤسس للواقع وأن التطور قائم على صراع الفكرة مع نقيضها المفضي لتأسيس فكرة جديدة وصولًا إلى الغاية القصوى (المثال أو المطلق) . ويبني هيجل على ذلك أن تاريخ العالم وتطوره كان دائما صيرورة عقلية (صراع أفكار) .
مثال
ولنضرب مثالًا على هذا الكلام: فقد ولدت فكرة الحرية المطلقة في اليونان القديمة، وحملت في بطنها جنينها المناقض لها، وهو الفوضى. وحين وصلت الفوضى قمتها ولدت الفكرة الجديدة، وهي
الحرية المقيدة، وخلاصتها أن الإنسان حر كشخص، ولكن حدود حريته في عدم التأثير على الكيان العام للدولة والمجتمع. هذا الصراع بين المتناقضات الفكرية يؤدي إلى التطور نحو الأفضل بصورة مطردة حتى نصل للعالم المثالي الكامل من كل جوانبه.
فكرة
نقيضها
فكرة ولودة
تقدم