فهرس الكتاب

الصفحة 563 من 2255

وبغض النظر عن دور هيجل في الفكر الألماني وأطروحاته عن روح العالم وتغذية النزعة الآرية - خاصة في المفهوم النامي الذي حدث بعد ذلك. فإننا يمكن أن نستفيد من بعض أفكاره. فالتطور في الفكر- في تصور هيجل - هو نفس طرح الأفكار المتضادة. وانظر كيف يمكن الاستفادة من طرح هذه الفكرة في مجالات التقدم. حيث أن اعتقادنا الدائم أن كل عمل بشري لابد أن يشوبه القصور وأن ذلك ليس بعيب، وأنه بطرح جوانب القصور في فكرة ما ستتولد فكرة ثانية وهكذا تستمر عملية التقدم. من خلال التشذيب المستمر للأفكار.

إن ذلك يعطي مساحة واسعة للمتحاورين والمتناظرين والمفكرين، ولا يخنق الأفكار في مجال معين بحيث أن كل فكرة مخالفة هي بالضرورة فكرة ضارة. إذ أنه باصطراع الأفكار تتولد الأفكار الجديدة.

هيجل وتوينبي

إلى هذا الحد يمكن الاستفادة من كلام هيجل وإضافته إلى المنظومة التي طرحناها من قبل. فكل المجتمعات تحتاج إلى أن تجدد أفكارها، وأن تجد الأفكار حرية واسعة، تستطيع فيها أن تمارس دورها في تطوير المجتمعات، من خلال الأفكار المتناقضة وصراع الأفكار الذي يولد الأفكار الجديدة وتنمو الحياة البشرية.

والمجتمعات التي تقيد الأفكار ولا تسمح بنموها - لسبب أو لآخر، بدعوى أو بأخرى - فإنها تقتل نفسها من حيث لا تشعر. وهذا يعضد ما ذكرناه عن توينبي في حديثه عن أهمية وجود حَمَلة الأفكار المبدعة لبقاء الحضارات.

ما الذي يضمن لنا أن ما نأتي به من جديد لا يضم عيب القديم؟

إنه سؤال هام يطرح نفسه على من يرغب في التجديد. فهو متخوف دائمًا من أن فكرته الجديدة قد تضم بعض عيوب الأفكار القديمة التي كان يعيبها. ويمكن طرح السؤال بشكل آخر.. ما هو ضمان استمرارية الفكرة الجديدة؟

ولعل في طرح هيجل إجابة شافية ومنطقية. إننا يجب أن نؤمن أن أفكارنا إنما هي اجتهاد بشري. وإن كانت هذه الأفكار مستمدة من الدين؛ فهذا لا يعني أنها لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها. فهناك فارق بين الدين الذي يمثل الحقيقة المطلقة، وبين ما يفهمه البشر ويتوصلون إليه من أفكار واستراتيجيات للعمل. إذ كل اجتهاد يقبل القبول والرفض، والأخذ والرد.

إننا نؤمن أن أفكارنا - لا شك - سيكون بها قصور، غير أننا نرى أنها أفضل ما يمكن أن نتوصل إليه في لحظتنا هذه. كما نوقن أن هذه الأفكار سيولد من داخلها ما يناقضها، وسيأتي جيل يخرج هذا النقيض، ويدمج الفكرتين في فكرة جديدة لتمثل اندفاعة جديدة. ولا يمكن بحال من الأحوال أن يتوقف التاريخ عند فكرة شخص، إذ أن النضج البشري ورحلة الإنسانية قائمة على الأفكار. فإذا توقفنا عند فكرة ما، وزعمنا أنه لن تأتي بعهدها فكرة أفضل؛ فهذا يعني نهاية التاريخ، ووقوفه عند هذه الفكرة. كما يعني ضمور العقول وتخلف البشرية. ولعل في ذلك تفسير لحالة التخلف التي تحياها المجتمعات التي تظن أن ما وصلت إليه من أفكار يمثل نهاية المطاف.

التوظيف العملي

ولكي نستفيد من توظيف ما توصل إليه هيجل يجب أن ننتبه للآتي:

* يجب التفرقة بين التعامل مع النصوص المقدسة التي تمثل الحقائق المطلقة، وبين أي فكرة بشرية تمثل اجتهاد مجموعة من البشر، وفق عقلياتهم، وثقافتهم. ومن ثم فالنصوص المقدسة دينًا لا يحتمل النقاش، أما الأفكار والاستراتيجيات وتحديد الوسائل فهي كلها اجتهادات بشرية تحتمل القبول والرفض.

* إن المجتمعات أو الأحزاب أو المؤسسات أو الجماعات وما شابهها إذا اعتقدت أن فكرتها - وليس النصوص الدينية - لا تقبل النقاش. وأنها لا تقبل المراجعة فإنها بذلك تقتل نفسها ببطء وتهرم وتأتيها المنية.

* إن مراجعة الأفكار والاستفادة من نقيضها لا يجب أن تمارس فقط في المستويات الدنيا من العمل، بل يجب أن تكون متعلقة بالسياسات، والاستراتيجيات، وتوصيف المراحل، واختيار الوسائل.

* إن الوقوف على كلمات وأفكار مؤسسي أي تيار أو حزب دون إيجاد رؤية عصرية يعني الجمود والتخلف. فالمؤسس قد بذل أقصى ما في وسعه في عصره، بحسب ما توفر له من أدوات في النظر والتطبيق. ووقوف بعض التيارات عند أفكار مؤسسيها - دون أن تضيف جديدًا، أو تقبل خروج نقيض أفكاره - يعني الجمود، وتوقف المسار التاريخي لهذا التيار أو ذاك عند شخص المؤسس وفترته الزمنية. وهم بذلك يصادمون سنة كونية لا قِبَل لهم بها.

* تستطيع أن تعرف إن كانت مؤسستك في طريقها إلى الهرم أو في ذروة حيويتها من خلال ما يردد في أوساطها من إنجازات. فإن كانت تكتفي بسرد إنجازات الماضي، ولا تحمل رصيدًا معاصرًا تتحدث عنه. فهذا يعني أنها تجمدت عند فكرة من الأفكار. أما إن كان يغلب في حديثها إنجاز الحاضر ورؤية المستقبل، فهي مؤسسة شابة، تفهم لغة صراع الأفكار، وتسعى لأفضل فكرة دائمًا.

* إن التيارات المختلفة التي تسعى للنهضة تجسد في تعددها - بشكل أو بآخر - حالة خروج الأفكار النقيضة من داخل الفكرة الواحدة. إذ أن كل تيار تميز عن الآخر بأفكار محددة، تمثل نقيض الأفكار الأخرى. ومن ثم فهذا التعدد - إذا أحسن توظيفه - يؤدي إلى التطور واستمرار تمحيص الأفكار، ومن ثم الخروج بأفكار جديدة مما يؤدي إلى التقدم.

* إذا أراد تيار أو مجتمع أو منظمة ما أن يظل في قمة حيويته وتطوره فعليه أن ينتبه أن أفكارًا نقيضة ستخرج، إما عن طريق عدوه، أو عن طريق الأتباع المبدعين. وفي حالة عدم الاكتراث بهذه الأفكار التي تطرح تتجمد المجتمعات و الجماعات و الأحزاب عند لحظة تاريخية ما. أما إذا انتبهت وأخذت من الأفكار النقيضة ما يناسب، فإنها تكون تجمعات راشدة مواكبة للتاريخ، فهي ترفض أن تهرم، أو أن يسجلها التاريخ في سطر مضى.

* لابد من تشجيع أبناء كل مجتمع أو تيار أو منظمة أو مؤسسة على النظرة الناقدة لاكتشاف الأفكار النقيضة، وتعزيز الفكر الإبداعي في البرامج التربوية. لأن المبدعين يمثلون صمام الأمان لأي مجتمع أو تجمع يريد أن يظل ذكره قائمًا. كما يجب تدريب القيادات على كيفية التعامل مع هذه الأفكار سواءً باحتوائها أو مد الجسور مع أصحابها.

الفصل السادس

ماركس والمادية التاريخية

ماركس

"تنسب نظرية المادية التاريخية إلى الفيلسوف اليهودي الألماني كارل ماركس، ولهذا عُرفت بالماركسية. وقد ولد في مدينة"تريف"إحدى مدن بروسيا من أسرة متوسطة عام 1818م. واعتنق المسيحية وتعلم في جامعات بون وبرلين وكولونيا، وأظهر نبوغًا في الدراسات التاريخية والاقتصادية والقانونية."

عمل صحفيًا، غير أن نزعته الثورية أدت إلى تعطيل الصحف التي عمل بها، كما شارك في الحركات الثورية بأوروبا كثورة عام 1848م في ألمانيا ضد الرجعية النمساوية، مما عرضه للطرد من ألمانيا، فذهب إلى بروكسل عاصمة بلجيكا، حيث تعرف على"فريدريك إنجلز"في نفس العام 1848م، وكان"إنجلز"يتفق مع ماركس في الروح الثورية وفي الاتجاه للدعوة الاشتراكية.

ومن بروكسل زار باريس، وكانت إقامته فيها سببًا في توثيق صلته بالاشتراكيين الفرنسيين. وأخيرًا استقر به المقام في إنجلترا حيث توفي عام 1883م."43"

وقد كتب عدة مؤلفات، واشترك مع"إنجلز"في إصدار"البيان الشيوعي"الذي انتقدا فيه الرأسمالية والاشتراكية الزائفة، وحرضا فيه العمال على الثورة تحت شعار"اتحدوا يا عمال الأرض".

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت