فهرس الكتاب
تحدثنا في المداخل السابقة عن بعض مساهمات ابن خلدون مع بعض ما طرحه أرنولد توينبي و هيجل. ونتحدث الآن عن بعض أفكار ماركس. ولا يعنينا كثيرًا معتقدات ماركس المادية، فمجال الرد عليها كبير ومتاح وقد شغل عقود الخمسينات والستينات وما بعد ذلك.
يرى ماركس أن صراع الطبقات وملكية وسائل الإنتاج هما السبب المحرك لعجلة التاريخ. وقد قسم التاريخ إلى مراحل وهي:
1.عصر المشاع البدائي:
فالحياة البدائية الأولى عند ماركس كانت مشاعًا. عندما كان الإنسان البدائي يعيش مطلقًا من أي قيد. وهذا هو النموذج المطلوب - في تصوره. حيث لا ملكية لأي شيء، والإنسان يتنقل يأكل ويعيش بقدر حاجته، وبالتالي لا يعتدي أو يسعى للسيطرة على ممتلكات غيره. فهو يأخذ حاجته فقط ثم يمضي.
ويرى ماركس أن هذا النموذج قد تعدته البشرية بسبب هذا الظلم الواقع فيها. حيث أراد صنف من الناس أن يتملك وسيلة الإنتاج وهي الأرض التي تخرج له الزرع والطعام وتحتفظ له بالماء والنبات. ولأن الأرض تحتاج إلى من يخدمها أو يقوم عليها. فقد بدأ عصر استعباد الناس.
2-عصر العبودية:
إن سيطرة البعض على الأرض اقتضت أن يُستعبد الناس للعمل من أجل ذلك. فنشأت الطبقات. من الناس من يزرع ويكدح، ومنهم من يجني ثمار هذا العمل دون تعب أو جهد
ظلمًا وعدوانًا. وبالتالي تكون عصر العبودية - في تصور ماركس وتحليله - وانقسم الناس إلى طبقتين:
* طبقة السادة.
* وطبقة العبيد.
3.عصر الإقطاع:
بعد تطور قوى الإنتاج واختراع أدوات الزراعة والصناعة البسيطة؛ بدأت تظهر طبقة الإقطاع (مالكي الأرض) .وزادت مساحة المستعبدين. فبالإضافة للعبيد الذي يتم شراؤهم، يوجد الفلاحون الذين يأكلون من الأرض بقدر ما يملأ بطونهم. والباقي يذهب إلى السادة.
وبذلك أصبح المجتمع منقسمًا إلى ثلاث طبقات:
* طبقة الإقطاعيين.
* طبقة الفلاحين.
* طبقة العبيد.
4.عصر الرأسمالية:
ومع تقدم قوى الإنتاج وحلول المصانع الكبيرة والتجارة محل الزراعة والحرف المهنية، بدأت تظهر الطبقة البرجوازية (ملاك المصانع وأصحاب رءوس الأموال) لتحل محل الإقطاع وليبدأ صراع جديد بين هذه الطبقة وطبقة العمال (البروليتاريا) .
وبذلك أصبح العمال عبيدًا في المصانع يعملون ولا يحصلون على ما يكافئ عملهم بل يذهب الخير كله إلى السيد صاحب المصنع.
أدى ذلك إلى انقسام المجتمع إلى:
* الطبقة البرجوازية ( ملاك المصانع ورءوس الأموال) .
* الأجراء وهم العمال (البروليتاريا) .
وخلال المراحل الثلاث الأخيرة كان يتم الصراع بين الطبقات المظلومة -وهي الأكثرية الساحقة - وبين الطبقات الظالمة -وهي الأقليات الحاكمة. إن التاريخ - عند ماركس - صراع دائم بين الطبقات تقرره طبيعة قوى الإنتاج داخل المجتمع. لأن المعضلة الرئيسة في نظره هي الرغبة في السيطرة على وسائل الإنتاج. فطالما أن هناك أناس يرغبون في التحكم وملكية وسائل الإنتاج، فلابد من أن يحدث الاستغلال. وأن يسود الظلم.
عصر المشاع البدائي
عصر الاستعباد
عصر الإقطاع
عصر الرأسمالية
تقسيم التاريخ عند ماركس
لا توجد طبقات
سادة
عبيد
إقطاعيين
فلاحين
عبيد
برجوازية
عمال
إن العدالة تقتضي - عند ماركس -عودة الحياة البشرية إلى نقطة البداية حيث الحياة مشاع والظلم معدوم. ولكن هذا الهدف لا يمكن بلوغه دفعة واحدة لأن:
* العمال لا يعون وضعهم.
* التقادم جعل الملكية لوسائل الإنتاج قائمة بالفعل.
ويكمن الحل عنده في:
* توعية العمال عن طريق إقامة الأحزاب الشيوعية.
* الانتقال بالسلطة لأيدي العمال عن طريق الثورة حيث يمتلك الحزب الفكرة والعصبية.
* تحويل الملكية الخاصة إلى ملكية عامة في الدولة التي يقودها الحزب الشيوعي الطليعي نيابة عن العمال.
* يسعى الحزب الشيوعي - بعد تمكينه - لإعداد جيل مؤمن بالشيوعية.فإذا نضجت الجموع لاستقبال العصر الشيوعي، يتم إلغاء الدولة بصورة أو بأخرى ويعود الناس لحياة المشاع.
هذه الفكرة -عند ماركس -ليست محصورة في دولة ما كالاتحاد السوفيتي؛ بل يجب أن يكون ذلك الحدث عالميًا. وبالتالي ففكرة التحول للمشاع هي فكرة عالمية تتعلق بعودة البشرية إلى ما كانت عليه من حياة المشاع وعدم الامتلاك..
إن مرحلة الدولة في النظام الشيوعي هي مرحلة أولية. مرحلة اشتراكية تهدف إلى نزع السلطة وإعطائها للحزب الشيوعي، الذي يقوم بدوره -تدريجيًا - بإعادة توعية الناس وتوجيههم، حتى
يؤمنوا بفكرة المشاع، ولا يعودون يرغبون في امتلاك أدوات السلطة. ثم تنحل الدولة بعد ذلك وتعود بهم إلى المشاع، بل تعود بالبشرية إلى المشاع الأولى أو الجنة أو الطوبى (المثالية) التي يعتقدونها.
إقامة الأحزاب الشيوعية
وتوعية العمال
الثورة وانتقال السلطة
للعمال
تحويل الملكية الخاصة إلى ملكية عامة
يقودها الحزب الشيوعي
مرحلة انتقالية من الحكم الاشتراكي يتم أثناءها توعية الناس بفكرة المشاع
رؤية ماركس لحل صراع الطبقات
إلغاء الدولة وتعود البشرية كلها لحياة المشاع حيث أن الفكرة عالمية
ماركس وهيجل
إن حديث ماركس عن المادية التاريخية يعني"أن القوة الحقيقية التي تحكم التطور التاريخي في جميع حالاته تأتي من تحدد سلوك الإنسان وهو يتصرف متأثرًا ببعض الدوافع الاقتصادية"44. كما يرى"أن التغيرات الاجتماعية التي تطرأ على المستويات الأخلاقية والثورات السياسية ما هي إلا نتائج لتغيرات في العلاقات الاقتصادية،"45
ويعتبر حديث ماركس عن الصراع هو رؤية مكملة لهيجل، إذ يرى الأول أن الصراع قائم حول وسائل الإنتاج. بينما يرى الآخر أن الصراع في العالم يدور حول الأفكار.
كيف نتعامل مع أفكار ماركس
قد يختلف الناس مع ماركس ولهم الحق في ذلك بلا شك. فقد أخطأ في أمور كثيرة، وأعلن الحرب الشعواء على الأديان، حيث أن الدين - في تصوره - هو ابتكار من ابتكارات الأقليات الحاكمة لترويض الأكثريات المظلومة، وربطها بعالم آخر (الجنة) تحصل فيه على ما يسرق منها في الدنيا. ورجال الدين ما هم إلا أدوات السلطة لتطويع جموع الكادحين للحكام، وتسليمهم بالأوضاع الجائرة بمقولات التخدير وتسويغ الظلم بأنه حكمة إلهية . . . الخ. فالدين هو أفيون الشعوب من وجهة نظر ماركس وأتباعه. ولاشك أنه كان متأثرًا بما تم في عصره من توظيف الدين المسيحي لخدمة مصالح الطبقات الحاكمة.46
أما المرأة فيرى أن وضعها المتخلف ناتج عن أن الرجل اعتبرها - منذ الخليقة - أداة من أدوات الإنتاج (تلد له المحاربين والعمال) وكان لابد من السيطرة عليها وتطويعها. وما عقد الزوجية والمهر والإكراهات الاجتماعية والدين والقوانين التي تعطي السيادة للرجل إلا انعكاس لهذا الغرض الخسيس . . .وهكذا.
وهناك الكثير من الأفكار الخاطئة التي لا يمكن أن تُقبل بأي حال من الأحوال. ولكن ليس كل ما قاله ماركس خطأ. ولننظر إلى العناصر الإيجابية في فكرة ماركس لنضيفها إلى المخزون الذي قمنا
باستخلاصه من أفكار بقية المنظرين.
* إن وجود عناصر الإنتاج في المجتمعات واستغلالها لصالح فئات قليلة بغير وجه حق على حساب مصالح الطبقات الكبرى ظلم ما بعده ظلم.
* إن هذه الطبقات المحتكرة لوسائل الإنتاج تستطيع أن تتدخل في الأخلاق وفي الدين وفي القانون وفي غير ذلك لبقاء الأوضاع الظالمة.
* هذه المنظومة الفكرية البسيطة تلفت أنظار المجتمعات إلى أهمية العدل الاجتماعي والسياسي، وأهمية التوازن بين الملكية الخاصة والعامة، حتى لا يحدث طغيان الأقوياء على الضعفاء ولا يكون المال دولة بين الأغنياء فقط.47