فهرس الكتاب

الصفحة 565 من 2255

هذه المنظومة من فكر ماركس - أيًا كان اسمها - فهي حق وعدل. وبقية التكييفات والتشبيهات التي أشار إليها يمكن رفضها، كما يمكن الاستفادة من بعض جزئياتها.

إن على القادة والمفكرين أن يتأملوا في هذه الزاوية من النظر لدور وسائل الإنتاج في الصراع، وتحقيق العدالة الاجتماعية، وإمكانية استغلالها في ترويض الناس والتعدي على أخلاقهم ودينهم. فمن يمتلك القوة يمتلك أن يؤثر على بقية عناصر المجتمع. وبذلك نضم لترسانتنا من فلسفة التاريخ زاوية أخرى من النظر للصراعات الاجتماعية، ودور الظلم وأهمية عناصر الإنتاج وتوزيع الثروة في المجتمعات بحيث يكون عادلًا.

هناك زوايا أخرى متعقلة بالتجربة الشيوعية يمكن الاستفادة من كثير منها، ولكننا سنقتصر في النظر هنا على هذه الزاوية الهامة.

إن عمل الشيوعيين أو غير الشيوعيين هو عمل بشري، فيه جوانب الإيجاب وفيه جوانب الخطأ. والحكمة ضالة المؤمن أنا وجدها فهو أولى الناس بها. أما من يأخذ الأمور جملة أو يتركها جملة فهو مخطأ في منهجية تفكيره، ومخطأ في تصوره. وإذا جاز ذلك - تجاوزًا - للعاطفيين وأصحاب النظر السطحي، فهو في حق القادة جريمة كبيرة. فالحق حق حيثما كان، ومن أي جهة جاء. والباطل باطل حيثما كان ومن أي جهة جاء. وهذه المداخل المتعددة تثرى التفكير وتوسع دائرة النظر عند القادة. وتجعل أمامهم تفسيرات مختلفة لظواهر مختلفة.

التوظيف العملي

* إن أي مجتمع يريد الاستقرار يجب ألا يختل فيه الميزان الاجتماعي، وكلما ظهرت الطبقية بشكل سافر كلما كان ذلك نذيرًا بانفجار قوي يفقد المجتمع استقراره، ومن ثم يعوق طريقه نحو التنمية.

* يجب الحذر من استخدام الدين أو القانون والتلاعب بهما في محاولة الهيمنة على مقدرات الشعوب والطبقات الكادحة.

* أهمية إحياء الرؤية الإسلامية للعدالة الاجتماعية، وتقنين التعامل مع الملكية العامة والخاصة، إذ في نشر هذه الأفكار حياة الشعوب التي أفلست جراء تجريب أنظمة فاشلة.

* الفكرة الإسلامية تعتبر هي الفكرة المركزية الرئيسة التي يجب أن تتبناها مجتمعاتنا، إذ أن بها كل مقومات حقن الصراعات الطبقية. هذا في حالة تطبيقها تطبيقًا سليمًا في ظل العدل والحرية والمساواة.

* الأمم التي تعاني من الفوارق الطبقية الهائلة، ومن تردي الأوضاع الاقتصادية هي التي تُستثار شعوبها من أجل التغيير.48 ومن ثم تأخذ الدول التي تعاني شعوبها أولوية في دفعها إلى تغيير أوضاعها المتردية.

* إن الاحتلال بكل صوره ينبع - في جزء كبير منه - من نفس فكرة الصراع على وسائل الإنتاج، أو موارد الإنتاج مثل أنواع الطاقة المختلفة. وهو نوع من الاستعلاء الأممي الذي يرى أن أمة ما يجب أن تستفيد من كل الخيرات، وأن باقي الأمم عليها أن تحيى تحت الهيمنة وتحت خدمة السيد الجديد.

* الاهتمام والتركيز -من قبل القادة والعاملين للنهضة - على دور وسائل الإنتاج التي هي من أعصاب المجتمعات التي تريد أن تتحول، وهي تعد من أدوات القوة. فمن يمتلك وسائل الإنتاج يستطيع أن يفاوض، وأن يملي شروطه دون حاجة إلى القوة العسكرية الصلبة.49 وعلى العاملين للنهضة أن يتحققوا من سلامة ما اختاروه من وسائل لجعل توزيع وسائل الإنتاج عادلًا، وأن يتأكدوا من مدى قدرتهم للضغط في اتجاه تغيير الأوضاع للأفضل. كما عليهم أن يقيسوا قوتهم بمدى اشتراكهم في هذه الموارد، وليس بالأعداد الغفيرة التي لا تملك أدوات القوة.

الفصل السابع

مالك بن نبي وثلاثية الحضارة

مالك بن نبي50

يرى مالك بن نبي أن"مشكلة كل شعب هي في جوهرها مشكلة حضارية، ولا يمكن لشعب أن يفهم أو يحل مشكلته ما لم يرتفع بفكرته إلى الأحداث الإنسانية، وما لم يتعمق في فهم العوامل التي تبني الحضارات أو تهدمها".51

ويرى أن للحضارة ركنان:

* خلقي

* مادي

فلقيام أي حضارة لابد من"توفر مجموع الشروط الأخلاقية والمادية التي تتيح لمجتمع معين أن يقسم لكل فرد من أفراده - في كل طور من أطوار وجوده منذ الطفولة إلى الشيخوخة - المساعدة الضرورية له في هذا الطور أو ذاك من أطوار نموه."52

نظرية مالك ابن نبي

ويرى مالك بن نبي أنه لكي تقوم أي نهضة فلابد من تحليل عوامل قيامها. وقد أجمل عوامل قيام أي حضارة في:

* الإنسان

* التراب

* الوقت

العنصر الأول في المعادلة هو الإنسان. وهو يرى أن الإنسان صانع الحضارات موجود في كل المجتمعات والبيئات. ويعتبره العنصر الحاسم في المعادلة والذي يعطي لها قوتها. وبقدر النجاح في صناعة البشر في مجتمع من المجتمعات تكون نهضته. ويقول في ذلك:

"يجب أن نصنع رجالًا يمشون في التاريخ، مستخدمين التراب والوقت والمواهب في بناء أهدافهم الكبرى"53. إن الإنسان هو أول عنصر هام، و الذي بتحوله وتغيره يستطيع أن يستفيد من العنصرين الآخرين التراب {الموارد} ومن الوقت.

العنصر الثاني في معادلته هو التراب والموارد. ويرى أن كل المجتمعات فيها موارد محددة، والإنسان الموهوب يستطيع الاستخدام الأقصى لهذه الموارد إن أعمل عقله وطاقاته.

أما العنصر الثالث فهو الوقت. ويقول في معرض حديثه عنه:"إن الزمن يمر خلال المدن، يغذي نشاطها بطاقته الأبدية، أو يذلل نومها بأنشودة الساعات التي تذهب هباءً، وهو يتدفق على السواء في"

أرض كل شعب، ومجال كل فرد، وهو في مجال ما يصير"ثروة"وفي مجال آخر يتحول عدمًا، فهو يمرق خلال الحياة، ويصب في التاريخ تلك القيم التي منحتها له الأعمال التي أنجزت فيه، ولكنه نهر صامت، حتى أننا ننساه أحيانًا، وننسى الحضارات، في ساعات الغفلة أو نشوة الحظ قيمته التي لا تعوض، ومع ذلك ففي ساعات الخطر في التاريخ تمتزج قيمة الزمن بغريزة حب البقاء، إذا استيقظت، ففي هذه الساعات التي تحدث فيها انتفاضات الشعوب، لا يُقَوَّم الوقت بالمال، كما ينتفي عنه معنى العدم، إنه يصبح جوهر الحياة الذي لا يقدر، ولا تستطيع أي قوة في العالم أن تخلق دقيقة أو أن تستعيدها إذا مضت".54"

ويقول:"فإذا استغل الوقت … فلن يضيع سدى، ولن يمر كسولًا في حلقنا، فسترتفع كمية حصادنا العقلي واليدوي والروحي، وهذه هي الحضارة".55

إن استخدام الوقت الاستخدام الأمثل هو العنصر الثالث في المعادلة الحضارية عند مالك بن نبي.

إنسان مبدع

تراب

وقت

حضارة

عنصر رابع

يضيف مالك بن نبي عنصرًا رابعًا في معادلة الحضارة وهو الفكرة المحفزة أو الدين.

فالدين يمثل الفكرة المحفزة التي تدمج العناصر الثلاثة (الإنسان + التراب + الوقت) ، وتبعث فيها الحياة. وفي أي مجتمع من المجتمعات إذا وجد الإنسان، ووجد التراب (الموارد) ووجد الوقت، فإن الفكرة المبهرة هي التي تجعل الإنسان يشتعل حيوية ليستفيد من الموارد ويستفيد من الوقت. فالدين يلعب دور الباعث للحركة، ويعمل كمركب للعناصر الحضارية. وبدونه لا يكون أي إنتاج حضاري.

الحضارة إبداع

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت