فهرس الكتاب

الصفحة 566 من 2255

كثيرًا ما يدعو مالك بن نبي في كتاباته إلى ضرورة إبداع بدائل فكرية ومناهج علمية مستقلة تتناسب مع البيئة الإسلامية بدلًا من استيرادها - كما هي - من الغرب الأوربي. ويلح على ضرورة الاستقلال الفكري في دراسة مشاكلنا الحضارية والاجتماعية؛ حيث يعتقد أن هناك خصوصيات كثيرة تتميز بها كل حضارة عن غيرها."فلكل حضارة نمطها وأسلوبها وخيارها، وخيار العالم الغربي ذي الأصول الرومانية الوثنية قد جنح بصره إلى ما حوله مما يحيط به نحو الأشياء، بينما الحضارة الإسلامية عقيدة التوحيد المتصل بالرسل قبلها، سبح خيارها نحو التطلع الغيبي وما وراء الطبيعة.. نحو الأفكار".

ومن أهم الخصوصيات التي ميزت نشوء الحضارة الإسلامية أن نشوءها سببه الوحي الرباني؛ مما جعلها حضارة خالدة خلود المبادئ والتعاليم التي تحملها وتدعو إليها،"فجزيرة العرب.. لم يكن بها قبل نزول القرآن إلا شعب بدوي يعيش في صحراء مجدبة يذهب وقته هباءً لا ينتفع به؛ لذلك فقد"

كانت العوامل الثلاثة: الإنسان، التراب، والوقت راكدة خامدة، وبعبارة أصح: مكدسة لا تؤدي دورًا ما في التاريخ؛ حتى إذا ما تجلت الروح بغار حراء -كما تجلت من قبل بالوادي المقدس، أو بمياه الأردن- نشأت بين هذه العناصر الثلاثة (الإنسان + التراب + الوقت) المكدسة حضارة جديدة؛ فكأنها ولدتها كلمة"اقرأ"التي أدهشت النبي الأمي، وأثارت معه وعليه العالم"56."

"ولهذا"فالحضارة"لا يمكن استيرادها من بلد إلى آخر رغم استيراد كل منتجاتها ومصنوعاتها؛ لأن"الحضارة"إبداع، وليست تقليدًا أو استسلامًا وتبعية كما يظن الذين يكتفون باستيراد الأشياء التي أنتجتها حضارات أخرى؛ فبعض القيم لا تباع ولا تشترى، ولا تكون في حوزة من يتمتع بها كثمرة جهد متواصل أو هبة تهبها السماء، كما يهب الخلد للأرواح الطاهرة، ويضع الخير في قلوب الأبرار".57

إن هذه الزاوية من النظر تمثل منظومة نافعة لابد أن يزود بها القادة، وأن يفهموها جيدًا. إنها معادلة الإنسان المبدع، ومعادلة الموارد، ومعادلة الوقت.

معادلة أخرى

ثم يقدم لنا مالك بن نبي معادلة أخرى في غاية الأهمية. تقول أن كل من يفكر في النهضة عليه أن ينظر إليها من خلال ثلاثة عوالم:

* عالم الأفكار.

* عالم الأشخاص.

* عالم الأشياء.

"ويقصد بعالم الأفكار: مجموعة المعتقدات والمسلمات والتصورات والمبادئ58 والنماذج التي تحتويها عقول مجتمع ما في لحظة تاريخية ما. ويدخل في هذا العالم أيضًا كل أنماط التفكير والقيم والمشاعر والأحاسيس."

أما عالم الأشخاص: فيقصد به مجموعة العلاقات والنظم والاتصالات والقوانين التي تنظم حياة الأشخاص الذين يكونون هذا المجتمع فيما بينهم.

أما عالم الأشياء: فهو كل ما ينتجه هذا المجتمع من مبانٍ وشوارع وزراعة وصناعة، وغير ذلك من المنتجات والخدمات المحسوسة والملموسة."59"

وعالم الأشخاص وعالم الأشياء في الأساس هما نموذجان موجودان في عالم الأفكار، تتحقق في عالم العلاقات الاجتماعية في الواقع. فعالم الأفكار هو الذي يختزن الصور والنماذج لعالم العلاقات الإنسانية من اجتماع وإدارة. وعالم الأشياء المادية من عمران ومصانع.

من أين يبدأ الإصلاح؟

"وهنا يأتي السؤال الهام، وهو من أين يجب أن يبدأ الإصلاح؟! وبأي هذه العوالم الثلاثة يجب علينا أن نبدأ؟! هل لابد أن نبدأ بإصلاح عالم الأفكار أولًا؟! أم أنه لابد من البدء بإصلاح عالم العلاقات بين الناس؟! ولماذا لا يكون البدء بإصلاح عالم الأشياء هو أول الطريق نحو النهضة؟!"

وللإجابة على هذا التساؤل سنبسط كلام مالك بن نبي حول حله للمشكلة من خلال هذا الحوار الذي تخيله، واستعرض فيه حيرة المفكرين بين هذه الثلاثة عوالم، بين قائل بأن الفكرة أولًا، وبين من قال أن عالم الأشياء أولًا.. ثم يستطرد في عرض الحل الذي توصل إليه بعد طول تفكير. وتعتمد فكرة هذا الحل على إيقاف بعض العوامل عن العمل وتحريك بعضها، ليمكن بذلك اكتشاف العامل المؤثر على بقية العوامل.

حاول أن تتخيل معنا قومًا من الأمازون أو من الأدغال الأفريقية، بعالمهم الفكري المتواضع وبدائيتهم وقد تم نقلهم إلى ألمانيا، بينما نقل الشعب الألماني إلى أفريقيا أو إلى الأمازون، ماذا كان سيحدث حينها؟ الأمر سيبدو واضحًا جليًا، وهو أن الألمان في هذه الحالة سيعمِّرون المناطق الأمازونية أو الأفريقية ويصلحونها، بينما ستُدَمَّرُ ألمانيا ببنائها وحضارتها وشوارعها على يد القبائل البدائية ..

أما الشاهد من هذه القصة فهو أن عالم الأفكار عندما يكون ناميًا ومتطورًا ويحتوي على أفكار، يستطيع أن يخلق عالم الأشياء حوله. والعكس ليس بصحيح. فعالم الأشياء المتطور إذا لم يقابله عالم أفكار متطور يمكن أن يدمر تحت مطارق التخلف الفكري. والأمر بَيِّنٌ وواضحٌ وجليّ. فعالم الأفكار

يمثل المنطقة التي تتم فيها التحولات الكبرى أولًا. هذا عند التجريد، أما في الواقع الحي فالعوالم الثلاثة تتفاعل بشكل دائري لا يتوقف. وهذا الشرح السابق هو محاولة لإيجاد أول الخيط."60"

وهذا المثال لم يكن خياليًا. فلقد دمرت ألمانيا بالكامل بعد الحرب العالمية الثانية. ولم يبق إلا عالم الأفكار والنماذج المختزنة منه. فانطلقت ألمانيا لتعيد البناء. بينما لو نظرنا إلى شعوب لا تمتلك النماذج الذهنية المتقدمة - مثل شعب الأمازون وبعض شعوب أفريقيا؛ وطُلب منها أن تعمر ألمانيا، سنجد أنها لا تستطيع إعادة بنائها ولبنت النماذج البدائية التي كانت موجودة في أذهانها.

إن عالم الأفكار هو العالم الذي يجب أن تعالجه عملية النهضة ابتداءً. وهو يحتوي على أفكار حية وأفكار قاتلة - حسب ما يقول مالك بن نبي. وعندما نستقدم عالم الأفكار الحية وننقي منه عالم الأفكار المميتة، فإن الحياة تدب في المجتمعات.

فإذا زرعت في منظومة معينة قيم السكون والخضوع والذل والاستسلام. أو غذيت أفكار استهلاكية تدعو للترف والنعيم في مجتمع ما61، فإنك تستطيع أن تقول أن هذا المجتمع آيل للانهيار. وإذا أزيلت هذه الحشائش الضارة من الأفكار نما المجتمع وتطور.

العوالم الثلاثة

عالم الأفكار

عالم الأشياء

عالم الأشخاص

الوحي بدأ بعالم الأفكار

وننقل في هذا السياق ما كتبناه في مشهد التخلف في كتاب:"النهضة .. من الصحوة إلى اليقظة":

"وقد نزل القرآن الكريم على أمة تعاني من اختلال جميع العوالم. اختلال في عالم الأفكار62، وفي عالم العلاقات63، وفي عالم الأشياء64."

فإذا نظرنا إلى الإسلام ثم إلى نوعية العقلية التي سادت في المنطقة العربية قبل الوحي لوجدنا

هذا الاختلال واضحًا. فسنجد أن عالم أفكارها كان يعاني من ثلاثة اختلالات كبرى. أولها اختلال قيمي مفاهيمي. فلقد كانت مجموعة الأفكار التي طرحتها الحالة الجاهلية - من قبيل قولهم"بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا"65، وقولهم"حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا"66 - دليل أساس على أكبر الآفات في وجه

التقدم. فلقد تجمدت وتبلدت عقولهم، وتوقفت عن إنتاج الأفكار، واكتفت بما أنتجته عقول الآباء والأجداد والسابقين. ثم هي بعد ذلك لا تفعل شيئًا سوى أن تستكمل مسيرة الحياة، فتسير إلى الأمام

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت