فهرس الكتاب

الصفحة 587 من 2255

كما أصدر الدكتور حسن حنفي كتابا ضخما بعنوان مقدمة في علم الاستغراب، تناول فيه أهمية دراسة الغرب فأوضح أن مهمة علم"الاستغراب"هي"فك عقدة النقص التاريخية في علاقة الأنا بالآخر، والقضاء على مركب العظمة لدى الآخر بتحويله من ذات دارس إلى موضوع مدروس، والقضاء على مركب النقص لدى الأنا بتحويله من موضوع مدروس إلى ذات دارس. مهمته القضاء على الإحساس بالنقص أمام الغرب لغة وثقافة وعلمًا ومذاهب ونظريات وآراء." (31) وأشار في مواضع أخرى إلى مهمات أخرى لعلم"الاستغراب"ومنها أنه يسعى إلى القضاء على"المركزية الأوروبية Eu صلى الله عليه وسلم ocent صلى الله عليه وسلم icity،Eu صلى الله عليه وسلم ocent صلى الله عليه وسلم is ، بيان كيف أخذ الوعي الأوروبي مركز الصدارة عبر التاريخ الحديث داخل بيئته الحضارية الخاصة، مهمة هذا العلم الجديد رد ثقافة الغرب إلى حدوده الطبيعية بعد أن انتشر خارج حدوده إبان عنفوانه الاستعماري من خلال سيطرته على أجهزة الإعلام وهيمنته على وكالات الأنباء ودور النشر الكبرى ومراكز الأبحاث العملية والاستخبارات." (32) .

ويرى حسن حنفي أنه ظهر في العالم العربي من اهتم بدراسة الغرب ولكنه أطلق على هذه الدراسات بالاستغراب"المقلوب"ويبرر هذه التسمية بأنها تؤدي إلى أنه"بدلًا من أن يرى المفكر والباحث صورة الآخر في ذهنه رأى صورته في ذهن الآخر، بدل أن يرى الآخر في مرآة الأنا رأى الأنا في مرآة الآخر. ولما كان الآخر متعدد المرايا ظهر الأنا متعدد الأوجه."وضرب حسن حنفي المثال لهذا بكتابات محمد عابد الجابري وهشام جعيط، ومحمد العروي، وهشام شرابي وغيرهم. (33)

وتأتي أهمية دراسة الغرب لمواجهة حالة الانبهار التي أصابت كثيرًا من أبناء الأمة الإسلامية، فيرى البعض أن النظام السياسي الأمثل هو الذي أوجدته الحضارة الغربية وقد دعوت إلى هذه الدراسة في كتابي الغرب في مواجهة الإسلام، فقد ورد في هذا الكتاب العبارة الآتية"انظر كيف يدرسوننا، وكم يبذلون من الجهود والأموال لمعرفة ما يدور في بلادنا. وهل نحن ندرسهم بالمقابل؟ بل قبل ذلك هل عرفنا أنفسنا كما يعرفون عنّا ؟ إن هذا الأمر يحتاج من مفكرينا وعلمائنا وقفة متأنية." (34) وقد تأكدت لي ضرورة هذه الدراسة نتيجة لما تعرفت إليه من بعض الصور الحياتية التي تدل على عدم ثقة البريطانيين في حكومتهم رغم أنها أقدم ديموقراطية في أوربا.

واستمرت مقالاتي تدعو لدراسة الغرب وكان منها مقالة بعنوان"بل لابد من دراسة الغرب ونقده"جاءت ردًا على مقالة عبد الرحمن العرابي التي ينتقد فيها الاهتمام الزائد بالغرب والكتابة عنه، ومما بررت به ضرورة دراسة الغرب أنه ظهر من أبناء المسلمين من درس في الغرب ورجع إلينا متشبعًا بالروح الغربية حريصًا على تقليد الغرب في كل شيء فكان لابد من معرفة الغرب معرفة حقيقية ومما كتبته في حينها"في مثل هذه الأجواء يجب الاستمرار في دراسة الغرب والإطلاع على عوراته وعيوبه وتبصير الأمة بها ولا بد كذلك من دراسة إيجابيات الغرب فإن للسلف أقوالًا في وصف أعدائهم لم يمنعهم الإسلام من ذكر محاسنهم وهذا ما جاء في قوله تعالى {ولا يجرمنّكم شنآن قوم على ألاّ تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى} (35) ، وختمت المقالة بالقول"إننا بحاجة لدراسة الغرب كيف نهض نهضته الصناعية المدنية، وكيف بنى مؤسساته ثم كيف بدأ الانهيار حتى نأخذ بأسباب الانطلاق ونتجنب أسباب الانهيار." (36) "

وكانت كلية الآداب بالرباط بالتعاون مع مدرسة الملك فهد العليا للترجمة وجمعية الدراسات المشرقية في المغرب ومكتب تنسيق التعريب في العالم العربي قد عقدت ندوة حول الاستشراق عام 1994م، وجاء في الكلمة الافتتاحية التي ألقاها أحمد شحلان دعوته إلى الاهتمام بالدراسات الاستشراقية مشيرًا إلى أن الهدف من ذلك هو"أن نعرف ونقوّم الدرس الاستشراقي تاريخًا وحضارة بمنظور مغربي (إسلامي) رزين يعيد النظر في تاريخ الاستشراق ويعرِّف بمعاهده وأعلامه ويبرز أعمالهم كما هي." (37) وأضاف شحلان في تلك الكلمة إلى دراسة الغرب بقوله"أليس من الجميل أن يصبح في جامعاتنا أقسام نسميها أقسام الاستغراب في مقابل الاستشراق؟ أليس من الجميل أن نعتبر الطرف الآخر هو أيضًا موضوع الدرس والتنقيب؟" (38) وكتبت في حينها أؤيد ما دعا إليه الدكتور شحلان في ثلاثة مقالات أوضحت فيها جهود جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض في دراسة الاستشراق ومنابعه الفكرية من خلال إنشاء وحدة الاستشراق والتنصير بعمادة البحث العلمي في الرياض، ثم إنشاء قسم الاستشراق بكلية الدعوة بالمدينة المنورة. وأيدت الدعوة التي نادى بها شحلان في المؤتمر المغربي وأضفت بأننا نحتاج بالفعل إلى إنشاء كلية للدراسات الأوروبية (والأمريكية) وختمت تلك المقالات بالعبارة الآتية"لهذا كله فلا بد من التفكير الجاد في هذا الاقتراح بإنشاء كلية متخصصة لدراسة الغرب دراسة عميقة، وهذه الدعوة موجهة إلى الجامعات الإسلامية بعامة وإلى الجامعات في بلادنا بخاصة. وإن جامعة الإمام التي كانت سبّاقة ورائدة في دراسة الاستشراق لقادرة بإذن الله على مثل هذه المشروعات الكبرى بعد دراستها من قبل المتخصصين" (39) ونبهت إلى أن الذي يدرس الغرب ينبغي له أن يكون على معرفة عميقة وصحيحة بالإسلام، حتى يكون قادرًا على فهم الغرب من منطلق إسلامي*.

وكتبت في مناسبة أخرى أدعو إلى إخضاع الغرب إلى الدراسة في شتى المجالات بالقول"لا شك أن دراسة الغرب تتطلب تخصصًا كالقانون أو الاجتماع أو السياسة أو علم الإنسان أو التاريخ...الخ.. وقبل أن يتساءل القارئ وما شأننا بكل هذا فنقول أليس الغرب أمة يجب أن نتوجه إليهم بالدعوة ونحن مطالبون بالشهادة على الأمم فكيف للشاهد أن يشهد دون أن يعرف معرفة دقيقة موضوع شهادته" (41) وهو ما ورد في قوله تعالى {وكذلك جعلناكم أمة وسطًا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدًا} (42)

ويرى محمد عثمان الخشت بأن فهم الغرب أمر ضروري لفهم موقفهم من الإسلام ويقول في ذلك"ولذلك يتعين على المثقفين الإسلاميين لا نقد الفهم الغربي للإسلام وحضارته فقط وإنما كذلك إقامة 'علم الاستغراب' كعلم يدرس الحضارة الغربية لا لهدمها وبيان إفلاسها الروحي وأنها على وشك الانهيار بل لفهمها من الداخل واكتشاف هويتها بعقل مفتوح وقلب ملتزم" (43) ويضيف الخشت قائلًا"وإنما نحن نعاني مما يعاني منه الغرب في هذا الإطار فنحن لم نفهم الغرب بعد فهمًا موضوعيًا، والسبب ببساطه هو أنه لم يقم عندنا 'علم الاستغراب' كعلم دقيق حتى الآن، وإنما مزاعم بهذا الشأن هي مجرد أهواء وسراب." (44)

وقد ازدادت الأصوات المنادية بدارسة الغرب فقد كتب قسطنطين زريق يقول"إن الحضور الأمريكي في الذهن العربي ليس في مجمله صحيحًا وكافيًا لأنه ليس وليدًا لدينا من معرفة صادقة وموثوق بها ومن علم حي متنام." (45)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت