وقد انتقد إدوارد سعيد عزوفنا في العالم العربي عن دراسة الغرب، فذكر أن العديد من المثقفين العرب المسلمين يذهبون إلى الغرب ليكتبوا عن العالم الإسلامي ومما قاله"إن صادق جلال العظم مثلا الذي يفترض أنه ناقد كبير قضى ثلاث سنوات في أمريكا وجل ما فعله هو تدريس الشرق الأوسط إلى صغار أمريكا.."وأطلق سعيد على ذلك بأنه نوع من"النرجسية التي تدعو إلى الأسى عند جزء من المثقفين العرب"وتساءل سعيد"لماذا لا تكون لدينا إسهامات عربية معاصرة أكثر أهمية في دراسة فرنسا وألمانيا أو أمريكا"فالعرب أصبحوا في نظر سعيد"أسرى حالة من الـ (غيتو) لأنهم يكتبون عن العالم العربي بالفرنسية أو الإنجليزية أو الألمانية، وينظر إليهم كمخبرين محليين." (46)
ويؤكد سعيد هذه الفكرة حين التقى مجموعة من الشباب اللبناني يكتبون عن لبنان في أمريكا، فقال لهم"لستم هنا لكي تكتبوا عن أنفسكم، تستطيعون الكتابة عن لبنان في لبنان، هنا يتوجب عليكم أن تكتبوا وتشاركوا في الجدالات الدائرة حول أمريكا في أمريكا." (47)
ولعل إدوارد سعيد فاته أن هذا الأمر قد خطط له منذ عشرات السنين، فقد جاءت لجنة حكومية بريطانية برئاسة السير وليام هايترSi صلى الله عليه وسلم William Hayte صلى الله عليه وسلم للتعرف على الدراسات العربية الإسلامية في أمريكا وكندا فوجدت أن معهد الدراسات الإسلامية في جامعة مقيل McGill قد وجه طلابه المسلمين ليكتبوا عن بلادهم، وأقنعهم بأن هذه الكتابة ستكون في مصلحتهم لأنهم سينظرون إلى مشكلاتهم من بعد (مسافة) وربما قيل لهم"إنكم ستحررون هناك من بعض القيود في بلادكم"، فأعجبت الفكرة أعضاء اللجنة، وجعلوها ضمن توصياتهم (48) . ولكن الأمر من هذا حين تتحول بعض الرسائل إلى نوع من التجسس على العالم العربي الإسلامي، بما تقدمه من معلومات يصعب على الغربيين الوصول إليها، كما أشار إلى ذلك أحمد غراب من توجيه بعض الأساتذة تلاميذهم من العرب والمسلمين دراسة قضايا معينة في بلادهم. (49)
وأعود إلى إدوارد سعيد لأقتبس من مقالته التي نشرت في 17 صفر 1417هـ والتي أكد فيها ضرورة معرفة الآخر، فهو يقول"ولا أعتقد أن من الإجحاف القول إن العرب هم الأقل مساهمة في تغيير الحضارة والسياسة والمجتمع في الغرب، ونحن نتمتع في بلداننا بأحدث البضائع الاستهلاكية وكل وسائل الراحة المستوردة من الخارج وليس من يضارعنا فيم عرفة آخر طراز سيارة مر سيدس أو البرامج التلفزيونية المفضلة، لكنني لا أعرف جهدا منظما في الجامعات العربية وفي مؤسساتنا الدينية لتعميق معرفتنا بالآخر، أي بالمجتمعات المختلفة واللغات والتواريخ التي تشكل عالمنا الحالي.." (50)
وكنت أشرت من قبل إلى مقولة عبد الرحمن العرابي بعدم ضرورة إشغال أنفسنا بدراسة الغرب والكتابة عنه فقد كتب هاشم صالح -تلميذ محمد أركون- منتقدًًا الدعوة إلى"علم الاستغراب"بدعوى أننا ما زلنا غير قادرين على الوصول إلى ما وصل إليه الغرب من تقدم في العلوم ومناهج البحث، بل إنه استهزأ بمشروع حسن حنفي في دراسة الغرب (الاستغراب) بقوله"كيف يمكن لهذا 'العلم' الغريب الشكل أن ينهض على أسس قويمة إذا كنّا عاجزين حتى الآن عن استيعاب الثورات اللاهوتية والابستمولوجية والفلسفية للفكر الغربي، وإذا كنّا عاجزين عن إحداث مثلها في ساحة الفكر العربي؟ وكيف يمكن لنا أن نقف موقف الند من الغرب إذا كنّا لا نملك أبسط المقومات حتى مشروع الترجمة لم نقم به كما ينبغي." (51)
وهناك من يرى أننا لم نصل بعد إلى إنتاج فكر يقف في وجه الفكر الغربي ومن هؤلاء من كتب قائلًا:"علم الاستغراب يحتاج إلى أن يكون لدينا فكر يستطيع مواجهة الفكر الغربي الحديث لكن للأسف نحن لم نصل بعد إلى المستوى الأوروبي ولم نقف بعد في مصاف ما ينتج هناك ففي مجال الفكر ما زلنا عالة على الغرب" (52)
وما يمكن قوله لهذا المتعجب من دراسة المسلمين للغرب هو هل من الضروري أن يمر المسلمون بالأدوار الفكرية والفلسفية التي مرّ بها الغرب حتى نفهم الغرب؟ وهل من الضروري أن ننقد القرآن الكريم والسنة المطهرة وفقًا لنقد النص الذي قام به الغربيون لنصوصهم"المقدسة"حتى يمكننا أن ندرسهم؟ ولكن ألا يعرف الكاتب أن الأمة الإسلامية مطمئنة إلى أن كتاب ربها قد نقل إليها بالتواتر فليس في الدنيا كتاب نال من العناية والاهتمام ما ناله القرآن الكريم. ومن ناحية أخرى يؤمن المسلمون بأن الله عز وجل قد تكفل بحفظ كتابه {إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون} (53) فهذا هو المنطق المعكوس أن نتوقف عن التفكير في دراسة الغرب حتى نمر بجميع المراحل الفكرية التي مر بها الغرب، وأن نطعن في نصوصنا دون النظر إلى الجهود التي بذلها العلماء المسلمون في الحفاظ على الكتاب والسنة وهي جهود لم تقم بها أمة من الأمم لحفظ كتاب ربها وسنة نبيها.
وجاءت ندوة"أصيلة"لتدعو إلى إنشاء مركز الدراسات الأمريكية فكانت المبررات التي نشرت تتلخص فيما يأتي"فقد اتفق الحضور على وجود بعض أشكال من عدم الفهم للعروبة والإسلام في أمريكا وهذا ما يصعّب تقديم قضايا العرب والمسلمين بصفة جيدة كذلك اتفقوا بالمقابل على عدم التفهم العربي الكافي لأمريكا ومجتمعها وعمل إدارتها السياسية." (54) ورأى المجتمعون أن من الأهداف التي من الممكن تحقيقها من إنشاء المعهد"تقريب وجهات النظر وتقديم رؤية معتمدة على المعلومات المعاصرة وليس على الحساسيات التاريخية التي تتحكم بالجانبين"أما الوسائل التي سيستخدمها المعهد في تحقيق أهدافه فكما أشار الخبر"تقوية الحوارات والاتصالات بين الأكاديميين والصحافيين والعلماء والاقتصاديين من كلا الطرفين، كما يطبع الأعمال الثقافية والفكرية التي تخدم كافة أشكال الحوار الحضاري بين الثقافتين العربية والأمريكية." (55)
ومن الطريف أنني قبل ندوة"أصيلة"بأسبوعين تقريبًا وفي المحاضرة التي ألقيتها بدعوة من نادي أبها الأدبي وفي 8 ربيع الأول 1417 ناديت بإنشاء كلية الدراسات الأوروبية والأمريكية و هذا ما قلته في تلك المحاضرة"وأجدها فرصة مناسبة لأدعو من هذا المنبر لإنشاء كلية للدراسات الأوربية أو مركز أبحاث الدراسات الأوروبية في المدينة المنورة، تكريما لهذه المدينة العظيمة التي انطلقت منها الدعوة الإسلامية فعم نورها أرجاء الدنيا وما زال." (*)
وقد أثار هذا الاقتراح الكثير من ردود الأفعال المؤيدة، ومنها ما كتبه عبد القادر طاش مشيرًا إلىً أن الواقع يشهد نقصًا في"المعرفة العلمية الموضوعية... لابد لمثل هذا المعهد أن يعنى عناية فائقة بالدراسات الجادة التي تقدم لنا -نحن العرب والمسلمين- رؤية عميقة وموضوعية عن الفكر الأمريكي في تجلياته الإيجابية وفي قصوره السلبي وعن التيارات الثقافية التي يموج بها المجتمع الأمريكي وذلك لنعرف أمريكا على حقيقتها عوضًا عن الاعتماد على الانطباعات العجلى والرؤى القاصرة." (57)
ولكن طاش توقف عند فكرة الحساسيات التاريخية (*) التي يريد مؤسسو المركز استبعادها من أن تكون مصدرًا للمعرفة فقال"ولكننا -مع ذلك- لا ينبغي أن نقلل من أثر الدوافع التاريخية في توتير العلاقة بين الطرفين فكريًا وثقافيًا. كما لا ينبغي إهمال النظر إلى العوامل الأيديولوجية والسياسية وحتى الاقتصادية التي تؤثر على تلك العلاقة سلبًا أو إيجابًا. لذلك فإن الرؤية المتكاملة تفرض علينا دراسة ظاهرة العلاقة بين أمريكا والعرب في ضوء كل هذه العوامل مجتمعة ولا يمكن فصل الحاضر عن الماضي." (59)