ومن مواقف الآخر الداخلي استئثاره بالدعوات لبعض المؤتمرات والندوات واستبعاد من ليس على شاكلتهم. فقد كتب عبد العزيز عطية الزهراني حول الندوة التي نظمتها مؤسسة الأهرام بالقاهرة تحت عنوان"مشروع حضاري عربي"فيقول الزهراني:"ليس مستغربًا من ندوة الأهرام أن تغيِّب الإسلام من محاورها وموضوعاتها فالغرب منذ عصر النهضة وحركة التنوير -في مفهومهم للنهضة والتنوير- وهم يركضون ركض الإبل في القفار والصحارى الشاسعة دون أن يصلوا إلى نبع الماء وبقيت الحلقة الرئيسية في نهضتهم المزعومة مفقودة." (75)
وأكد الزهراني في مقالته على أهمية دور العقيدة بقوله:"إن المشروعات الثقافية والفكرية التي لم تقدر على استيعاب العبر والدروس من التاريخ في ماضيه وحاضره لن يكون لها نصيب من النجاح... وسوف تذكر الأجيال القادمة أن حضارتهم لم تكن لتتعثر لو قام المخلصون ذوو القلوب الواعية بمزجها بهذا العنصر الأساس في مكوناتها (العقيدة) والتي لا تكتمل بدونه" (76)
ومن مظاهر الآخر الداخلي تهجمه على التشريعات الربانية كالتهجم على مظاهر الحياة الإسلامية التي من ملامحها الحجاب حيث كتب أحدهم في جريدة الأهرام عن الملابس والاحتشام فأطلق على الحجاب بأنه غزو ثقافي بدوي قادم من الصحراء. ويعلق محمد صلاح الدين على ذلك بقوله:"وهكذا أصبحت الأحكام الشرعية مرتعًا لعبث العابثين والمتزلفين وعدت الأوامر الإلهية حمى مستباحًا في ديار المسلمين للمنحرفين والمتحللين والعياذ بالله." (77)
و ظهر هذا الآخر الداخلي أيضًا في مجال الأدب وفي الثقافة وفي التاريخ وفي علم الاجتماع وفي الفكر السياسي والاقتصادي. ففي مجال الأدب تبنى بعض هؤلاء نظريات الحداثة الغربية التي تنادي بالقطيعة مع التراث، بل إنها تسعى إلى"تحطيم السائد والموروث، وتفجير اللغة"وأما ما يتذرعون به من التجديد في الأشكال الأدبية للشعر والنثر فإنما جزء من خداع الذين أتقنوا فنه، وإلاّ فإن الحداثة تتضمن نظرة متكاملة إلى الحياة والكون بعيدًا عن الدين وبخاصة الدين الإسلامي. ومن الأدلة على ذلك أنهم حين أصدروا مجلة"أبواب"كانت في أول أعدادها تعلن الحرب على ما أطلقوا عليه الأصولية حيث يقول في ذلك محمد نور الدين:"أبواب تفتح أبوابًا للتحديث والديموقراطية (على النسق الغربي، وهل هناك نسق عالمي آخر؟) وتحمل عصا غليظة تهش بها الأصولية والأصوليين." (78)
وفي المؤتمر العالمي الأول حول الإسلام والقرن الواحد والعشرين تحدث يوهانس يانسن Johannes Jansen تحت عنوان (فشل المشروع الليبرالي) تناول فيه بالحديث فشل النخبة العلمانية في التأثير في المجتمع المصري بخاصة وفي العالم العربي بعامة، وأرجع ذلك إلى أن هؤلاء يعيشون في بروج عاجية وأن الحاجز كبير بينهم وبين عامة الشعب. وقد ذكر يانسن في ملخص موضوعه أن كتابات النخبة من أمثال حسن أحمد أمين ومصطفى أمين وفؤاد زكريا ونصر حامد أبو زيد، ومحمد سعيد العشماوي التي تركز على الهجوم على"الأصولية"الحديثة تجد رواجًا ولهم قراء كثيرون لكنهم فشلوا في تحريك الجماهير. (79) وفي المؤتمر نفسه تحدث نبيل عبد الفتاح و هاله مصطفى -وهما من مؤسسة الأهرام- عن الحركات الإسلامية (الأصولية) وموقفها من الديموقراطية الحديثة فحشدا كثيرًا من الاتهامات والدعاوى والزعومات ضد هذه الحركات دون تمييز بين حركات تدعو إلى تحكيم شرع الله وتطبيق الشريعة الإسلامية في جميع ميادين الحياة، وبين تلك التي اتخذت خط العنف مهما كان حجمها صغيرًا، وأصر المتحدثان على أن الحركات الإسلامية لا يمكن أن يكون لديها القابلية للقبول بالتعددية أو القبول بمعطيات الحضارة الغربية. (80) ولاشك أن المحاضرين ينطلقان من منطلق العداوة للحركات الإسلامية فلم يكن النقاش حول مواقف الحركات الإسلامية عقلانيًا أو منطقيًا، كما أن إدارة المؤتمر ربما تعمدت أن لا يكون في الحضور من يمثل وجهة نظر الحركات الإسلامية ليناقش مثل هذه المفتريات. ومن الأمثلة على هذه الآراء قول هالة مصطفى إن قبول الإسلاميين بالديموقراطية إنما هو قبول بإجراءات الديموقراطية أما الاتجاهات الفكرية والأيديولوجية لهذه الحركات فبعيدة جدًا عن الجوهر التعددي للديموقراطية، كما زعمت الباحثة أن الإسلاميين يسعون إلى تأسيس الدولة الدينية التي لا يمكن أن تقبل بأي خيار آخر بعد أن يضفوا هالة من الشرعية لا تسمح بوجود خيار آخر. وكأن هالة مصطفى لم تقرأ التاريخ الإسلامي الذي يعد مضرب المثل في التسامح مع الأديان الأخرى منذ نشأة الدولة الإسلامية في المدينة المنورة حيث كتب الرسول صلى الله عليه وسلم الصحيفة بينه وبين يهود يضمن لهم فيها حرية الاعتقاد وحرية التصرف في ممتلكاتهم، كما لم يعرف التاريخ الإسلامي اضطهاد أصحاب الديانات الأخرى كما عرفتها أوروبا في حركة الإصلاح الديني وفي محاكم التفتيش في أسبانيا.
القسم الثاني
ظواهر اجتماعية من الغرب
تعريف الظواهر الاجتماعية:
تقول الموسوعات انكارتا ENCARTA ، وجرويلر GROILER، وغيرهما أن الظواهر الاجتماعية هي أقدم فرع من فروع علم الاجتماع لم تتم دراستها في السابق تحت أي علم من العلوم الاجتماعية، وهي الزواج، الأسرة والظلم الاجتماعي والعلاقات العرقية والانحرافات السلوكية والمجتمعات الحضرية والمنظمات الرسمية أو المعقدة (81) .
أولًا: الأسرة: الزواج والطلاق وعدد الأفراد:
ولما كانت الأسرة هي اللبنة الأساس في المجتمع فلتكن أول ما نتناوله في الحديث بعض مظاهر الأوضاع الأسرية في الغرب، وفقا للمصادر الغربية، وأول هذه المصادر وأهمها مما اطلعت عليه، التقرير السنوي الذي تصدره الحكومة البريطانية، وعنوانه:"التقرير المنزلي العام لسنة 1993م"Gene صلى الله عليه وسلم al Household Su صلى الله عليه وسلم vey (82)
يذكر التقرير أن حجم الأسرة البريطانية بدأ يتقلص بالنسبة للبريطانيين البيض، فقد كان حجم الأسرة البريطانية يتكون من 2.91 فرد عام 1971م ثم أصبح 2.44 فرد عام 1993م، ويشير التقرير إلى أن أسر البريطانيين من أصل هندي أو باكستاني أكبر حجما. أما عدد الأطفال في الأسرة فقد وصل إلى 1.8 فردًا منذ بداية الثمانينات، وهذا العدد يتضمن الأطفال المتبنين وأطفال أحد الزوجين، ومن المظاهر المهمة في تكوين الأسرة البريطانية أن الأسرة المكونة من والد واحد (أب أو أم) ارتفع من 8% عام 1971م إلى 22% عام 1993م. وبالنسبة للأمهات الوحيدات فقد ارتفع من 8% عام 1971م إلى 22% عام 1993م. وبالنسبة للأمهات الوحيدات فقد ارتفعت نسبتهن من 1% عام 1971م إلى 18% عام 1993م. (83)
وكتبت إيان موراي Ian Mu صلى الله عليه وسلم صلى الله عليه وسلم ay حول التقرير السنوي للسكان قائلة:"إن الأسرة البريطانية التقليدية المكونة من أبوين أصبحت أكثر ندرة وفقًا لآخر تقرير سكاني حكومي، فإن الترتيب الأكثر شيوعًا للأسرة هو رجل وامرأة بلا أطفال، ووفقًا للإحصائيات التي تم إعدادها من أبريل عام 1991م حتى مارس 1992م فإن زوجًا (رجل وامرأة) من بين كل خمس أزواج لا يعيشون تحت مظلة الزواج، وأسرة واحدة من بين سبع أسر يعولها والد واحد (أب أو أم) وعائلة من بين كل اثنتي عشرة عائلة تتضمن طفلًا من زواج سابق لأحد الزوجين. (84) "