فهرس الكتاب

الصفحة 596 من 2255

وعادت (الشرق الأوسط،17ذو القعدة 1419) فنشرت تقرير نقلًا عن جريدة لوس أنجلوس تايمز عنونته ب (خصوصية الأفراد وحرياتهم تختفي في القرن المقبل أمام التطور التكنولوجي) وأوردت فيه مختلف الأقوال والتحليلات عن أوضاع مواطني دول الغرب من حيث ضياع خصوصياتهم الشخصية. ومن الأقوال المهمة في هذا التقرير ما قاله جون فالنتاين- رئيس شركة انفوجيلد -"انتهت أيام الحرية الشخصية ، ولا تستطيع في هذه الأيام حتى تغيير اسمك بسرية تامة."وقال جيمس ديمبسي -أحد نشطاء مركز الديموقراطية والتكنولوجيا في واشنطن:"قبل خمسة وعشرين عامًا كان الخوف من الملف الكبير والسجل الكبير وقاعدة المعلومات الكبيرة ، أما الآن فقد أصبحت أجهزة الكمبيوتر متصلة بعضها ببعض الأمر الذي يساعد على خزن المعلومات بسرعة فائقة وبدون عناء"

وقد عرضت محطة السي إن إن CNN يوم الأحد 19ذو القعدة برنامجًا خاصًا عن هذا الأمر استضافت أحد رجال الشرطة الداعين إلى التجسس ونشر الكاميرات في الأماكن العامة وبين مناضل عن الحريات الشخصية فظهر الاختلاف واضحًا فرجل الشرطة يريد لهذه الكاميرات أن تقوم بدور مساعد للحد من الجريمة والتعرف على سلوكيات رجال الشرطة بينما يخشى الآخر من طغيان هذه الكاميرات التي ستحد من الحريات الشخصية وأن القانون مازال عاجزًا عن مواجهة هذه التطورات المتسارعة في مجال المراقبة.

وإن حمّى نشر الكاميرات في الشوارع العامة وفي الميادين قد أصابت بعض العقلاء هناك بالفزع فأخذوا ينادون بأن الحرية الفردية الشخصية أصبحت مهددة. وتساءل البعض عن النواحي القانونية في هذا المجال. وربما كان هذا من أهم ما يميز حياة الغرب أن التكنولوجيا تتطور تطورًا أسرع مما يتطور التشريع لديهم ذلك أنه تشريع بشري خاضع لأهواء البشر.

أما الإسلام فله تشريعاته السامية في هذا المجال والتي أرجو أن تتيح لنا العولمة لنقول لهم إن لدينا من التشريعات- والحمد لله- ما يمكنهم تطبيقه مهما تطورت الوسائل التكنولوجية وهذا من خصائص هذه الشريعة التي تتسم بالشمول والعموم.

وأول هذه التشريعات ما جاء في قوله تعالى )يا أيها الذين آمنوا اجتنوا كثيرًا من الظن إن بعض الظن إثم ولا تجسسوا ولا يغتب بعضكم بعضًا أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتًا فكرهتموه، واتقوا الله إن الله تواب رحيم ((الحجرات 12) . فلم يقع الابتداء بالنهي عن التجسس ولكن سبقه الحديث عن الظن السيء الذي يقود إلى التجسس فذكر القرطبي رحمه الله حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي في الصحيحين (إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث ولا تحسسوا ولا تجسسوا ولا تحاسدوا ولا تباغضوا ولا تدابروا وكونوا عباد الله إخوانا) فقال القرطبي بعد ذلك:"قال علماؤنا: فالظن هنا وفي الآية هو التُّهمة. ومحل التحذير والنهي إنما هو تُهمة لا سبب لها يوجبها، كما يتهم بالفاحشة أو بشرب الخمر مثلًا ولم يظهر عليه ما يقتضي ذلك …والذي يميز الظنون التي يجب اجتنابها عما سواها، أن كل ما لم تعرف له أمارة صحيحة وسبب ظاهر كان حرامًا واجب الاجتناب."

أما في قوله تعالى (و لا تجسسوا) فقال بعد أن بحث في الفرق بين التحسس والتجسس فالأول أن التجسس هو البحث عما يكتم عنك والتحسس طلب الأخبار والبحث عنها ويمكن أن يكون الفرق أيضًا أن التحسس ما أدركه الإنسان ببعض حواسه أو طلبه لنفسه أما التجسس أن يكون رسولًا لغيره. ومعنى الآية:"خذوا ما ظهر ولا تتبعوا عورات المسلمين ، أي لا يبحث أحدكم عن عيب أخيه حتى يطلّع عليه بعد أن ستره الله. وأورد بعد ذلك الحديث الذي رواه أبو داود عن معاوية وفيه: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول (إنك إن اتبعت عورات الناس أفسدتهم أو كدت أن تفسدهم) فقال أبو الدرداء: كلمة سمعها معاوية من رسول الله صلى الله عليه وسلم نفعه الله تعالى بها .ووردت أحاديث أخرى تنهى عن التجسس واتباع أخبار الناس ومن ذلك ما رواه المقدام بن معدي كرب عن أبي أمامة عن النبي صلى الله عليه وسلم (إن الأمير إذا ابتغى الريبة في الناس أفسدهم) "

ولعل من أبلغ النهي عن التجسس حديث رسول الله عليه الصلاة والسلام: (من اطّلع في بيت قوم بغير إذنهم حَلّ لهم أن يفقئوا عينه.) رواه البخاري ومسلم وقد أورد أبو داود ( ففقئوا عينه فقد هّدِرت) وجاء في صحيح البخاري قوله صلى الله عليه وسلم (ومن استمع إلى حديث قوم وهم له كارهون صبّ في أُذنيه الآنُك(الرصاص المذاب) يوم القيامة.)

وقد تحدث الشيخ حسن أيوب في هذا الموضوع في كتابه القيم (لسلوك الاجتماعي في الإسلام) بقوله:"وهكذا يجب أن يفهم المسلمون دينهم وأن يدركوا أن للمسلم ولكل إنسان مسالم حرمته، وأن حرمة المسلم في مسكنه وفي أقواله وأفعاله وآرائه وأفكاره يحب أن تصان وتحترم."

فهل يتعلم الغرب من تشريعات الإسلام العظيمة. وكم كنت أتمنى لو أن محرر الصحيفة التي نقلت تقرير الصحيفة الأجنبية (لوس أنجلوس تايمز) ذكر التشريعات الإسلامية في هذا الباب لكنّا أفدنا من سعة انتشار هذه الجريدة وما يمكن أن تؤديه من خدمة للدعوة الإسلامية.

خامسًا: العلاقات الاجتماعية

ترتبط العلاقات الاجتماعية ارتباطًا وثيقًا بالمبادىء والقيم والعقائد التي يتبناها المجتمع. فبالرغم من مزاعم الغرب أن أحد مصادر ثقافته وفكره هو المصدر الديني اليهودي-المسيحي، لكن حسن حنفي يرى أن"نوعية المعطى الديني في المصدر اليهودي المسيحي واحدة وهي اللاعقلانية." (140) ففي اليهودية يزعم اليهود أنهم شعب الله المختار دونما سبب معين لهذا الاختيار ومهما كانت أعمال هذا الشعب من عصيان أوامر الله عز وجل، وقتل الأنبياء أو الجحود بنعم الله، فالله يعطي الشعب كل شيء دون مقابل من الشعب.

أما اللاعقلانية في المعطى الديني المسيحي فهي على نحو فردي شخصي فالإيمان سر لا يمكن إدراك كنهه بالعقل، والمسيح ثالث ثلاثة، ولا يمكن فهم علاقة الأقانيم داخل الثالوث بالعقل، والكنيسة سلطة متوسطة بين الله والإنسان تفسر الكتاب، ويعترف الفرد المذنب أمامها وتهبه الغفران. ثم تمرد النصارى على هذه اللاعقلانية لتظهر العلمانية التي تركز على الصلة المباشرة بين الإنسان والله وحرية تفسير"الكتاب المقدس"وبراءة الإنسان من خطيئة آدم عليه السلام، وضرورة تأسيس الدولة وأنها مستقبل الإنسان في هذا العالم. (141)

ولقد تناول القرآن الكريم معتقدات أهل الكتاب وسلوكهم، فأوضح ما أدخلوه على كتبهم من تحريفات وتبديلات وتغييرات، كما أوضح أن سلوكهم قائم على العداوة للغير والعصيان. وهذا ما يمكن أن نصفه بمصطلحات عصرنا"عنصريتهم وأنانيتهم وتمركزهم حول ذواتهم"ويضيف حنفي"فوصف أهل الكتاب في القرآن الكريم هو وصف ضمني لحال الغربيين اليوم وصلتهم بغيرهم." (142)

وكانت الكنيسة تؤيد النظام الإقطاعي، وكانت هي من أكبر الملاك في العصور الوسطى (الأوروبية) وكان العلاقات الاجتماعية قائمة في هذا النظام على أن للإقطاعي حقًا مقدسًا يطلب بموجبه خدمات وأشياء أخرى من أتباعه، ولكنه في الوقت نفسه كان مرتبطًا تقليديا أن يكون مسؤولًا عن حمايتهم ويكفل لهم على الأقل الحد الأدنى من المستوى المعيشي. (143)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت