وظلت السلوكيات الاجتماعية والاقتصادية في القرنين السابع عشر والثامن عشر متأثرة بسلوكيات القرون الوسطى، فكان يعدُّ قيام أي شخص بمحاولة كسب الزبائن بتخفيض الأسعار إلى أدنى من السعر السائد يعد سلوكًا غير نصراني، وكانت التشريعات تنص على هذا. وكما يقول إريك فروم E صلى الله عليه وسلم ich F صلى الله عليه وسلم omm"كأنّ الاقتصاد والمجتمع وجدا من أجل الإنسان وليس العكس، وما كان أي تطور اقتصادي يعد صحيًا لو أدى إلى إيذاء الإنسان." (144)
وما أن حلّ القرن التاسع عشر حتى تغيرت الأحوال فلم يعد الإنسان مقياس الأشياء في دائرة الاقتصاد، وكان من أبرز خصائص الرأسمالية في هذا القرن الاستغلال القاسي للعمال، وكان من المعتقد أنه من الطبيعي وهو القانون الاجتماعي أن يعيش مئات الألوف من العمال في حد المجاعة. (145) وأصبحت الرأسمالية تقوم على أن العمل هو"منتج يشتريه مالك المال، ولا يختلف جوهريًا عن أي سلعة في السوق. واستخدمه المشتري إلى أقصى حد. ومادام قد اشتراه في السوق فليس هناك إلزام على مالك المال فيما عدا دفع الأجور، فلو هلك مئات الألوف من العمال جوعًا فهذا حظهم العاثر بسبب مواهبهم المتدنية، أو ببساطة إنّه القانون الاجتماعي والطبيعي الذي لا يمكن تغييره. (146) "
وهكذا أصبح المجتمع الغربي يتكون من طبقات يمتلك بعضها القوة فتستأثر بأفضل المنتجات الاجتماعية لنفسها وتترك الأعمال الأشق والأقذر لغيرها من الطبقات، وقدرًا أقل من الناتج الاجتماعي. وكان هذا التقسيم يتم عن طريق التقاليد الاجتماعية والدينية التي احتوت على قوة نفسيه في الناس مما يجعل تهديد القوة المادية غير ضروري. (147)
ويستنتج فروم أن المشكلة بين رأس المال والعمال أكبر بكثير من المشكلة بين طبقتين وأكبر من صراعهم من أجل نصيب أكبر من الناتج الاجتماعي، إنها مشكلة بين مجموعتين من القيم، إنها بين عالم الأشياء وتثمينها، وعالم الحياة و إنتاجيتها. (148) ونتيجة لهذه التطورات"أصبحت الطبقة العمالية نموذجًا لجماعة مُسْتَغَلّة يُتلاعب بها، ويمكن مداهنتها والإشادة بها، ولكن يندر استشارتها أو ابتاع رأيها، إن أكبر طبقتين عماليتين في العالم تلك التي في الولايات المتحدة والتي في الاتحاد السوفيتي، ليس لهما تأثير حقيقي على البناء السياسي في دولتيهما وعلى القرارات التي تتخذ فيهما." (149)
وقد وصل الأمر بالرأسمالية أن لا يبالي الرأسماليون في تدمير المنتجات الزراعية، بل كما يقول فروم إننا بدل أن نفرح بالمحصول الجيد نقوم بإحراقه أو رميه في البحر في الوقت الذي يوجد ملايين من البشر لا يجدون لقمة العيش ، ويبررون ذلك"من أجل استقرار السوق". (150)
وليت الأمر توقف عند تدمير المنتجات بل وصل الأمر بالرأسمالية أن تدمر حياة العمال حرصًا على استمرار مستوى الأرباح أو تخفيض تكاليف الإنتاج . وقد أعدت مجلة نيوزويك Newsweek ملفًا خاصًا أطلقت عليه ( الرأسماليون القتلة) أوردت فيه أعداد العمال الذين قامت بعض كبريات الشركات الأمريكية بفصلهم عن العمل . فشركة آي تي أند تيAT&T قام رئيسها بفصل أربعين ألف عامل ، وقام مدير شركة إي بي إم IBM بفصل ستين ألف موظف في يوليو عام 1993، وقام مدير شركة جنرال موتورز Gene صلى الله عليه وسلم al Moto صلى الله عليه وسلم s بفصل أربعة وسبعين ألف موظف. وتقول المجلة أن هؤلاء العمال وإن وجدوا تعويضًا لدى مصلحة العاطلين عن العمل ، لكن ما قيمة الإنسان بلا عمل. ومما يدل على فداحة المصيبة أن شركات أخرى تقوم باستثمار مبالغ كبيرة في توفير فرص الدراسة لموظفيها حتى يكتسبوا مهارات جديدة ودرجات علمية حتى إذا اضطرت لفصلهم وجدوا العمل المناسب. كما أن إحدى الشركات قامت بتخفيض رواتب كبار الموظفين-مؤقتًا- بنسبة خمس وعشرين في المئة حتى لا تضطر لفصل أي من موظفيها. (151)
كل هذا يقودنا إلى مؤتمر رابطة علماء السياسة الأمريكية الذي عقد في أوائل سبتمبر 1995 وتحدث فيه روبرت د. باتنام Robe صلى الله عليه وسلم t D. Putnam أستاذ العلوم السياسية بجامعة هارفارد قائلًا بأن الثقة بين الأمريكيين قد ضعفت، وكذلك المشاركة الاجتماعية، وقد قدم وثائق تؤكد تراجع المشاركة الاجتماعية في العقود الماضية، وأن النسيج الاجتماعي قد أصبح أقل متانة من ذي قبل. ويمكن إرجاع هذه الظاهرة إلى عدد من العوامل بما فيها ارتفاع نسبة الطلاق، ودخول المرأة قوة العمل، وتغيير مكان الإقامة، وتوسيع الرعاية الاجتماعية، والتراجع الاقتصادي بعد عام 1973 ونمو ضواحي المدن. ولعل أبرز الأسباب التي ذكرها البرفسور روبرت باتنام هي التلفزيون الذي بدأ بقوة في الخمسينيات من هذا القرن فأولئك الذين لم يدمنوا التلفاز مازالت لديهم روح المشاركة والثقة. (152)
ويرى بعض الباحثين الاجتماعيين أن للتلفزيون آثارًا سيئة في القيم الأخلاقية في المجتمعات الغربية ومن هؤلاء إريك فروم الذي يقول:"يملأ الإعلام عقول الناس بأرخص النفايات التي لا صلة لها بالواقع وفيها الكثير من الخيالات السادية مما لا يقبله الشخص العامي. وفي الوقت نفسه تتعرض فيه العقول صغارًا وكبارًا للتسمم فإننا نواصل سعينا أن لا يعرض على الشاشة ما هو مناف للأخلاق، وأي اقتراح بأن تقوم الحكومة بتمويل إنتاج أفلام أو برامج تنوّر العقول وتحسنّها ستجد من يعترض عليها باسم الحرية والمثالية." (153)
ولعل من أقوى ما قيل في تأثير التلفزيون ما كتبه بيجوفتش:"لقد أثبت علم نفس الجماهير، كما أكدت الخبرة أنه من الممكن التأثير على الناس من خلال التكرار الملح لإقناعهم بخرافات لا علاقة لها بالواقع ، وتنظر سيكولوجية وسائل الإعلام الجماهيرية إلى التلفزيون على الأخص باعتباره وسيلة ليس لإخضاع الجانب الواعي فحسب ، بل الجوانب الغريزية والعاطفية بحيث تخلق فيه الشعور بأن الآراء المعروضة عليه هي آراؤه الخاصة." (154)
ويؤكد ريتشارد نيكسون على تأثير التلفاز في الصغار وقيمهم وأن هذا التأثير -كما كشفت دراسة أجريت عام 1991-أكثر من تأثير الوالدين والمعلمين والمرشدين الدينيين مجتمعين. (155)
التفرقة العنصرية
ومن مظاهر ضعف العلاقات الاجتماعية ازدياد التفرقة العنصرية ضد السود والملونين حتى إن أندرو شايير مؤلف كتاب (نحن القوة الأولى) يقول عن السود:"إنهم هنا في أمريكا يعيشون كأفراد غرباء وأجانب على أرض ولدوا وترعرعوا فيها، ولا يعرفون سواها.. يمكننا النظر إلى أمريكا على أنها دولة تتكون من شعبين: البيض وهم الأغلبية المسيطرة، والسود وهم الأقلية المضطهدة." (156)
وتظهر معاناة السود من أصل أفريقي في الأرقام الآتية: فهم يشكلون 45% بين المساجين في الولايات المتحدة، ومن النواحي الاجتماعية فالأسر ذات الوالد الواحد ارتفعت بين السود لتبلغ 56% من عدد الأسر، أما حالات الولادات خارج الزواج فهي بين السود 63%. (157)