فهرس الكتاب

الصفحة 610 من 2255

وقد انتقل هذا المفهوم للديمقراطية بمبدأ الغاية تبرر الوسيلة عبر المفكرين إلى الأحزاب في البلاد العربية، فلا يهم الحزب من أجل جمع المؤيدين حوله والوصول إلى السلطة ما يشيع عن المنافسين له من الإشاعات الباطلة ولا ما يكيل من الوعود بالجنة الموعودة، إن هو وصل إلى الحكم! ليصل بعد ذلك بالانتخابات أو بالثورة وتتبخر الوعود ولا يبقى غير الحقد على المنافسين وملاحقتهم وتصفيتهم، وحتى هذه الملاحقة والتصفيات ليست إبداعًا خاصًا بهذه الأحزاب كما قد يعتقد البعض ، فهي إن لم تكن تقليدًا لحال الدول الأوروبية المتعددة الأحزاب والتي يخف التنافس فيها حال فوز أحد الأحزاب ويبدأ التهيؤ للحملة التالية إلا أنها تقليد لحال الدول الأوروبية ذات الحزب الواحد، فكل يوم تظهر الصحف الروسية -مثلًا- فضائح جديدة للتصفيات التي قام بها ستالين لخصومه ولتصفيات من جاء بعده من الحكام لخصومهم! هذا غير ما فعله تيتو وشاوسيسكو وغيرهم.

إن أكثر مفكري النهضة لم يروا الديمقراطية الأوروبية على حقيقتها ولا كما هي في الواقع وإنما دعوا إليها كما توهموها، فنشروا على الناس أوهامهم هذه عنها، فتوهموا أنها تأتي بأكفأ من في المجتمع وأحسن رجاله، مهملين القوى الخفية التي تحرك الانتخابات لإيصال رجالها بغض النظر عن كفاءتهم . والقارئ لسير معظم من أوصلتهم الانتخابات للحكم في أوروبا وأمريكا، ليعجب كيف وصل هؤلاء وبلادهم فيها الكثير ممن هم أكثر كفاءة، فكيف وصل ونستون تشرشل إلى حكم بلاده وهو الطالب الفاشل الذي لم يستطع أن ينهي أية مدرسة أو يحصل على أية شهادة أو حتى يدخل الكلية العسكرية إلا بواسطة والدته التي كانت على علاقة بأكبر المسؤولين في الدولة من جهة ! وبكون أسرته تتوارث لقب لورد من جهة أخرى! والذي قضى خدمته في الجيش في الخطوط الخلفية للمعارك، يكتب للصحف مقالات عنها مقابل أجور محددة لكل مقالة! مخالفًا بذلك شروط وظيفته التي تمنع ذلك.

وبقدرة قادر تولى قيادة بريطانيا وهي في عز مجدها ولم يتركها إلا وهي تلفظ أنفاسها الأخيرة !

وتوهموا أن الديمقراطية الأوروبية تمنع استبداد الحكام لأنها لا تسمح للوصل إلى السلطة إلا من تشرب السلوك الديمقراطي، بينما يؤكد سالزبرجر على أن ديغول كان يحكم بأسلوب أوتوقراطي إلا أنه مستبد عادل وأنه لا يؤمن بالديمقراطية ويرى أن نظام الحزبين على النمط البريطاني أو الأمريكي متعذر إقامته في فرنسا ، وهو مقتنع بحاجة فرنسا إلى حكم قوي لأن صغار الرجال في نظره لا يستطيعون معالجة عظائم الأحداث، ولذلك كان معجبًا بستالين ويقول إنه كان علمًا ضخمًا، قيصرًا حقيقيًا، كان يسيطر على كل شيء بنفسه... إنه كان رجلًا عظيم ، ويؤكد البعض أن أديناور رئيس دولة ألمانيا الغربية مثل ديجول لا يسمح لأحد باتخاذ قرارات سياسية أساسية غيره -لا البرلمان ولا الوزارة- وهو مثل ديجول يستخدم أساليب تصفية ولم يقتصر تسلط أديناور على فترة حكمه بل هو بعد خروجه من السلطة قال لمن سأله كيف سيقضي فترة تقاعده:"إنه يريد أن يستخدم سلطانه لضمان بقاء السياسة التي يرغب فيها"وذلك بوصفه من شيوخ السياسة وأئمته .

ولم يكن هو وحده الذي فرض سلطته على الحكم حتى بعد تقاعده ، وإنما ونستون تشرشل عمل ذات الشيء إذ عينت له الخارجية البريطانية شابًا اسمه أنطوني براون يعرض عليه البرقيات ويشرح له المواقف بصفة عامة حتى يستطيع أن يفهم الأسباب التي تتذرع بها الحكومة في قراراتها حتى لا يعترض تشرشل على سياسة لا يفهمها فيلقي في ذلك خطابًا فتسقط الوزارة ، وتشرشل معروف في هذا ؛ ومن يقرأ سيرته يرى أنه دائمًا يحصل على ما يريد من مجلس العموم من خلال خطبة شديدة اللهجة يلقيها فيه تؤدي إلى تراجع بعض المعارضين مما يسمح بتمرير ما يريد .ومن الأمثلة على ذلك ما حدث في المسألة الفلسطينية، ففي الذكرى الرابعة لوعد بلفور حدثت مشاكل في فلسطين ناقشها البرلمان البريطاني عارض مجلس اللوردات تأسيس الدولة اليهودية في فلسطين، ورغم رجاء بلفور نفسه ، إلا أنهم صوتوا ضد وعد بلفور 160 إلى 29 صوت، وعارض مجلس النواب ذلك أيضًا وطالب بإجراء انتخابات تحسم الأمر، إلا أن تشرشل -الصهيوني بحسب ما ذكر كاتب سيرته وليام مانجستر - ألقى خطابًا في البرلمان وقال فيه إن العرب حاربوا مع الحلفاء مقابل وعد بأن يخلصوهم من الحكم العثماني ، وفي ذات الوقت أعطي وعد مهم جدًا لليهود بأن تعمل بريطانيا كل جهدها من أجل تأسيس دولة يهودية لهم في فلسطين، والآن بريطانيا تمتلك هذه البلاد وقد أوفت بوعدها للعرب بتأسيس دولتين: العراق والأردن مما حقق الطموحات الوطنية العربية ، والآن إن أجريت انتخابات في فلسطين فإن الأكثرية العربية سترفض السماح بالهجرة اليهودية إلى البلاد وهذا سيمنع بريطانيا من تحقيق وعدها لليهود وهذا سيضر بسمعة بريطانيا في الشرق الأوسط كله!! وطلب ترك الأمر للخبراء يحلون المشكلة من غير ديمقراطية وانتخابات !! وصفق له البرلمان الذي غيّر موقفه !! إذ قال أوستن شامبرلن -ابن شامبرلن الأب- إن تشرشل غيّر الجو في البرلمان تمامًا بكلامه ، ورغم أن مجلس اللوردات رفض الاقتراح إلا أن تشرشل بدأ يضع دستورًا لفلسطين يمنع الأكثرية العربية من عرقلة الاستثمار والتمليك لليهود ، وتشرشل كما يبدو لقارئ سيرته رغم فشله في كل ما أنيط به من مناصب ومسؤوليات فهو طاغية مستبد وهو في السلطة ، وعبد ضعيف يتذلل لهذا أو ذاك ويتوسل ويوسط والدته أو زوجته! هذا غير أصدقائه ومعارفه من أجل الحصول على منصب، أي منصب في الدولة ، ولكنه يعود وبقدرة قوة لا يعرف كنهها إلى سلطة أكبر ويصور فشله السابق وكأنه نجاح يحقق لصاحبه البطولة!!!

وقد توهم المفكرون أيضًا أن الديمقراطية هذه توفر الاستقرار وتمنع التغييرات العنيفة ؛ كالثورات ، وتجعل الحكام يعيشون آمنين مطمئنين لأنهم جاءوا إلى السلطة باختيار الشعب لهم . وهو وهم تبدده الاغتيالات المتكررة لرؤساء الجمهوريات ؛ وخاصة في أمريكا معقل الديمقراطية.وتبدده إجراءات الأمن المشددة التي تحيط بالرؤساء ؛ حتى أن آيزنهاور كان يشكو من أن من المتعذر عليه أن يحيا حياة عادية في ظل البوليس السري المخصص لحمايته وحماية أسرته وأن البوليس السري يكاد يعزله عزلًا في أي مكان يذهب إليه، وإن أخشى ما يخشاه البوليس اختطاف أحفاده ، وشكت زوجته أيضًا من متابعة البوليس السري لكل تحركاته ، والكل يذكر ما حدث في فرنسا عام 1968 من اضطرابات انتهت بإنهاء حكم ديغول الذي كان يريد دراما وثورة أو اضطرابات تأتي به إلى الحكم! فأنهت حكمه الاضطرابات والفوضى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت