فهرس الكتاب

الصفحة 611 من 2255

هذا غير الأحزاب والجمعيات المتطرفة التي تنشر الصحف بين حين وآخر أخبار اغتيالاتها للمسؤولين وتفجيراتها خاصة في إيطاليا وألمانيا وصقلية الخ... ومع ذلك فمما لا ينكر أن هذه البلاد تتمتع بكثير من الاستقرار، ولكن لا علاقة للديمقراطية بهذا الاستقرار .. فعدم حدوث الثورات والاضطرابات في الدول المتقدمة الديمقراطية سببه: أن الثورات أدت دورها في أوائل عصر النهضة الصناعية في القضاء على الإقطاع الذي كان يحتكر السلطة من جهة والأيدي العاملة التي تتطلبها الصناعة من جهة أخرى، وانتهت مهمتها حالما سيطرت عليه واحتكرت السلطة والأيدي العاملة لنفسها ، فلم يعد هناك حاجة إليها ، بل العكس، قد أصبحت الثورات والاضطرابات بعد نمو وتطور الرأسمالية الصناعية خطرًا يهدد استقرار رأس المال ويعطل الصناعات، فأبطلوها -الثورة- وشغلوا الأمة بالحاجة ، وربطوا الإنسان بعجلة الصناعة تستبعده وتقوده أنى شاءت، فوقت الإنسان وجهده ومردودها -الأجر- في قبضتها ،لم تدع له الفرصة للبطر والخوض فيما لا يعود عليه بالفائدة، وبالضمان الاجتماعي جعلت جوعه لا يشتد إلى الدرجة التي تدفعه إلى الثورة والانغماس بالسياسة ، وبذلك صارت لعبة السياسة باسم الديمقراطية تمثيلية تقوم بإخراجها مراكز القوى الرأسمالية -التي هي نفسها كانت تخرج الثورات- ويمثل الأدوار فيها مجموعة من الساسة الذين يتم اختيارهم بعناية لهذه الأدوار، واقتصر دور الجمهور على المشاهدة والمشاركة إن رغب بالتصفيق فقط لهذا أو ذاك من الممثلين .

وما يحدث في اليابان ما هو إلا مثل من الأمثلة على كون الديمقراطية لعبة تلعبها مراكز القوى لا غير، فقد ذكرت الإيكونومست أن حزب الأحرار الديمقراطي الحاكم في اليابان أنفق بليون ونصف البليون دولار أمريكي (210 بليون ين) في الحملة الانتخابية ليبقى في الحكم في الانتخابات التي جرت في 18 شباط عام 1990 (مقابل 400 مليون دولار!! أنفقها جميع المرشحون في أمريكا لانتخابات الرئاسة لعام 1988 إذ احتاج كل مرشح من اليابان وهم 323 مرشح إلى أربعة ملايين ونصف المليون دولار أمريكي(650 مليون ين) أما المرشحون الشباب الجدد فيحتاج كل مرشح ضعف هذا المبلغ ، ولذلك كانت أكثر المقاعد وراثية يرثها الأبناء والأحفاد، ولا تصرف هذه المبالغ على النشرات والدعاية التلفزيونية وغيرها لأن هذا محذور، ولكنها تنفق على تأجير القاعات للاجتماعات وعلى الطعام وعلى استخدام مختصين للمساعدة على جلب الأصوات وعلى إعطاء الناخبين هدايا مختلفة تتراوح من مبالغ صغيرة لأجل المناسبات الرسمية إلى جميع نفقات الدراسة في المدارس الخاصة الخ، حتى قيل إن كل صوت في الانتخابات عام 1980 كلف ثلاجة، ولابد أنه كلف أكثر في انتخابات 1990، أما جمع هذه المبالغ فله أيضًا طرق مختلفة منها، وعود الحزب للشركات الكبيرة بخفض الضرائب على الكماليات أو بإعفائها من بعض الضرائب أو بابتزازها بالاختيار بين دفع مبالغ كبيرة للحزب والإفادة من سياسته في السوق الحرة أو المجازفة بوصول حكم اشتراكي يضر بمصالحها، ومع ذلك فإن الحسابات الرسمية للحزب لا تستطيع أن تقدم وثائق رسمية بمصدر كل هذه الأموال ولا بأوجه إنفاقها، بينما الأموال المتوفرة للحزب المعارض لا تتعدى واحدًا بالمئة مما ينفقه حزب الأحرار الديمقراطي الحاكم، ولهذا كثيرًا ما دفع حزب الأحرار الحاكم من ماله الخاص للمعارضة ليبقي على المنافسة وليحافظ على الشكل الديمقراطي في البلاد !!، ولذلك قال رسل: إن من مزايا الديمقراطية: أنها تسهل مهمة خداع المواطنين العاديين ؛ لأن هؤلاء يعتبرون الحكومة القائمة حكومتهم .

فالديمقراطية الأوربية لم تمنع كما توهم مفكرو النهضة الاستغلال والفساد بأشكاله المختلفة وعلى رأسها الرشاوي التي تطلع الصحف علينا بأخبارها كل يوم في كل مكان من الدول الصناعية المتقدمة والديمقراطية! لتلوث أكبر الرؤوس فيها، ولم تمنع إهدار الحريات إن كانت تهدد المصالح الحقيقية لمراكز القوى الرأسمالية ، حتى إن الدول العربية التي تتهم بهدر حقوق الإنسان وكرامته متهمة باستيراد هذه التقنيات من الدول الأوروبية وخاصة دول الكتلة الشرقية (سابقًا) وذات الحزب الواحد التي طورت فنون وأدوات تعذيب الناس أكثر مما طورت وسائل عيشهم وراحتهم !

وأمر ديمقراطية وحرية هذه الدول الأوروبية يمكن معرفته من خلال ما تنشره صحفها عن الحكام السابقين فيها، ولم تنج الدول الديمقراطية العريقة مثل أمريكا وسويسرا وفرنسا وألمانيا من نقد منظمة العفو الدولية لها لما يهدر من حقوق الإنسان في ربوعها حيث يجري التدخل في سلك القضاء وتتغيب المرافعات الحرة بسبب الرشاوي، ويجري التجسس على المواطنين وتساء معاملة السجناء الخ ، إن أهم ما غفل عنه مفكرو النهضة الأوائل منهم والأواخر أو تغافلوا عنه، هو كيف دخلت هذه البدعة الأوروبية التي اسمها الديمقراطية إلى المجتمعات العربية؟ وماذا كان ولا يزال الهدف منها ؟.

( خلاصة القول: إن الدول الأوروبية استهدفت من إدخال مفهوم الديمقراطية الأوربية بما فيها من تأليف الأحزاب ووضع دساتير للبلاد على النسق الأوروبي كأحد مستلزمات هذه الديمقراطية، إلى المجتمعات العربية عدة أمور ؛ منها:

1-إحداث فجوة بين الحاكم والمحكوم ، وإشاعة جو من عدم الثقة بينهما ؛ وذلك من خلال استعداء الشعب على الحاكم باعتباره مستبدًا يهدر حقوقهم وحرياتهم، فإن استجاب وسمح بالأحزاب والانتخابات، فإنهم يحولون المجلس النيابي إلى منبر للتهجم على الحكومة بالحق وبالباطل، وأيضًا يتهمون هذه الانتخابات بالتزييف والتحريف ، فيحل الحاكم المجلس! ، فتبدأ من جديد المطالبة بالمجالس والانتخابات ..وهكذا، فيحس الحاكم أنه هو المقصود بكل هذه المعارضة ، وأن الدستور والمجالس ما هي إلا حجة لإضعاف مركزه أو إسقاطه ؛ فتنطلق فيه غريزة الدفاع عن النفس، وهي غريزة طبيعية في البشر، والحاكم بشر وليس من الملائكة! فيبدأ باضطهاد المناوئين هؤلاء ..وهكذا حتى يتم إسقاطه. وهذا ما حدث للسلطان عبدالحميد وللخديوي إسماعيل، وللكثيرين غيرهما من الحكام حتى يومنا هذا. وما حدث لشاه إيران محمد رضا بهلوي ورئيس الفلبين ماركوس إلا مثلين قريبين على استخدام هذا السلاح في وجه من يخرج عن طاعة السادة أصحاب الحضارة والمعاصرة!! فقد حكم الشاه أربعين عامًا كانت الديمقراطية فيها بألف خير وحقوق الإنسان على أفضل ما يكون!! ولكنه ما أن انتهى دوره لسبب أو لآخر حتى شُهر في وجهه سلاح الديمقراطية والحرية وحقوق الإنسان فسقط! وكذلك ماركوس، حكم عشرين عامًا كان خلالها حاكمًا ديمقراطيًا وتحرريًا جدًا ويستحق الدعم والمساندة!!! - حسب زعمهم - وفجأة أصبح عدو الديمقراطية مزورًا للانتخابات !!وضع بطائرة أجنبية بالحيلة وجيء بالبديل الديمقراطي المهيأ بالدولة الأجنبية ذاتها وبطائرة أجنبية أخرى!!

وهكذا استخدمت، ولا تزال تستخدم، الحرية والديمقراطية لإحداث الفجوة بين الحاكم والمحكوم، هذه الفجوة التي تجعل الاثنين فريسة سهلة للاستعمار يقضي منها مآربه كيفما يشاء،ولن يستطيع أي منهما اتخاذ موقف صلب إزاءه .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت