فهرس الكتاب
وما قصة عرابي وثورته إلا مثل واضح على ذلك، فقد هيأ لها فكريًا الأفغاني ومن ورائه الماسونية، وما أن غادر الأفغاني حتى تسلمها بلنت رجل المخابرات البريطانية، الذي حرض عليها وشجع عرابي على تأليف الحزب الوطني الذي كتب هو وعبده برنامجه وأخذ موافقة الخارجية البريطانية عليه ونشره في الجرائد البريطانية قبل نشره في مصر!! وعندما قامت الثورة ووجد توفيق نفسه في موقف حرج وذلك لأن عرابي وصحبه ما كانوا يخفون رغبتهم بجعل النظام جمهوريًا، فقد كتب عرابي إلى بلنت يقول له: إن خلع إسماعيل أزال عنا عبء ثقيل، ولكنا لو كنا نحن قد فعلنا ذلك بأنفسنا لكنا تخلصنا من أسرة محمد علي بأجمعها، وكنا عندئذ أعلنا الجمهورية .
وكان البارودي، أحد قادة الثورة يقول: كنا نرمي منذ بداية حركتنا إلى قلب مصر جمهورية مثل سويسرا ، ولكنا وجدنا العلماء لم يستعدوا لهذه الدعوة، لأنهم متأخرين عن زمنهم ( ! ) ومع ذلك فسنجتهد في جعل مصر جمهورية قبل أن نموت .
فماذا يفعل توفيق لإنقاذ نفسه وهو يرى عرابي وصحبه يسيطرون على الموقف؟ لجأ إلى الأسطول الإنكليزي وتشبث باليد الإنكليزية الممدودة إليه مدعية إنقاذه من الغرق في الطوفان الذي أعدته وشاركت في إحداثه!! وهكذا كانت الديمقراطية الأوروبية تحقق أهدافها !
وما حدث للسلطان عبدالحميد لا يختلف كثيرًا عن هذا. إذ تحالفت مجموعة حزب الاتحاد والترقي -الذي هو أساسًا نبتة أوروبية نبتت في فرنسا وبريطانيا- مع كل أعداء الدولة العثمانية في الداخل والخارج وعلى رأسها الماسونية والصهيونية، وأسقطوا السلطان عبدالحميد مستخدمين ذات السلاح الزائف البريق ( الديمقراطية ) ، التي يفتقر إليها حكم عبدالحميد ويتصفون هم بها! وحريتهم وديمقراطيتهم هذه كانت وراء كل الاستبداد الذي لاقته الأمة العربية من الدولة العثمانية ، وكانت الوباء الذي قضى على الدولة العثمانية نفسها، فهذه المجموعة هي التي أدخلت للدولة العثمانية: الملكية الكبيرة، أو شبه الإقطاعية- وهي التي أسهمت في تدمير الاقتصاد المستقل، وفتحت الأبواب للتغلغل الغربي اقتصاديًا وثقافيًا وسياسي . وهي التي سنت القوانين والأنظمة التي تكرس العنصرية وتعمل على سيادة العنصر التركي في الإمبراطورية ؛ مما أثار حفيظة بقية القوميات فيها وأدى بالتالي إلى القضاء على الدولة العثمانية.
2-تفريق كلمة الأمة وتشتيت شملها من خلال الأحزاب المختلفة بشكل يسهل لها (أي الدول الأوروبية) أمر الهيمنة على الساحة السياسية في البلاد ، سواء قبل الاحتلال للتمهيد له أو أثناء الاحتلال أو بعد الجلاء عن البلاد، ولذلك شجعت تأليف الأحزاب، فالماسونية الأوروبية كانت وراء تأليف الأفغاني لحزبه الحر ولحزب مصر الفتاة، كما كان بلنت وحزبه الحر! وراء تشكيل حزب عرابي الوطني! كما كانت بريطانيا وفرنسا وراء تشكيل عدد من الأحزاب القومية والوطنية هنا وهناك في البلاد العثمانية وعلى رأسهم حزب الاتحاد والترقي، وانتشرت حمى تشكيل الأحزاب بعد ذلك بأسماء مختلفة في مصر أولًا ؛ فهذا الحزب الوطني الحر وهذا الحزب الوطني -من غير حر !- وهذا حزب الأمة وذاك حزب الأحرار أو حزب الدستوريين الخ... وكل حزب انشق إلى فروع وكل فرع انشق إلى فروع الفروع وهكذا، وانتقلت عدوى تشكيل الأحزاب من مصر إلى بقية البلاد العربية وخاصة بعد الحرب العالمية الأولى وسقوط الدولة العثمانية، فالعراق لم يعرف الحياة الحزبية العلنية إلا منذ عهد الانتداب 1921-1932 حيث تألفت عشرة أحزاب !!! ومعظم مؤسسي هذه الأحزاب وأعضائها كانوا ممن لهم ارتباطات بالدول الأوروبية من خلال مدارسهم المنتشرة في البلاد العربية ، أو من خلال جمعياتهم السرية كالماسونية والفابية والكاربوناري الخ ، فأعضاء الحزب الوطني الحر وتلامذة كل من الأفغاني وعبده هم الذين سيطروا على الحياة الحزبية بعد ذلك في مصر إذ كونوا أولًا حزب الأمة -الذي يسميه كرومر حزب الإمام- ومنه تفرعت الأحزاب الأخرى ، فلم يكن حزب الوفد كما يؤكد محمد محمد حسين إلا امتداد له واستمر الحال إلى يومنا هذا حيث خلفت تلك الأحزاب الأولى أبناء وأحفاد!
وعندما قامت الثورات في الخمسينات من هذا القرن ألغت الأحزاب لمعرفتها بها وبانتماءاتها وبعجزها عن تحقيق شيء للأمة ، قد ذكر على لسان جمال عبد الناصر أنه قال:"لو سمحنا بحرية الأحزاب السياسية اليوم، لقام عندنا 3 أحزاب: أحدهما موال للكتلة الغربية والآخر للكتلة الشرقية والثالث مستقل، إن مجادلاتهم يمكن أن تدمر الوحدة وتنقل إلينا الحرب الباردة". ولكن حتى عندما كونت الثورات هذه حزبًا جديدًا واحدًا أو أبقت على حزب واحد هو حزبها انتقل فكر وممارسات تلك الأحزاب الأولى إلى هذه الجديدة عبر الأعضاء الذين انتقلوا من تلك إلى هذه ، أو من خلال تلامذتهم ومريديهم مع زيادة التطرف في العلمانية والتغريب وابتعاد أكثر عن القيم والتقاليد الدينية والاجتماعية للمجتمعات العربية، هذا غير ما أضافه هذا الدم الجديد إلى هذه الأحزاب ، مما زاد الطين بلة كما يقول المثل الشعبي. ولذلك لم تنقطع تبعية هذه الأحزاب الجديدة للدول الأوروبية، ولم تكن الصدفة وحدها هي التي جعلت أكثر مؤسسي الأحزاب من خريجي هذه الجامعة أو تلك من الجامعات الأجنبية العريقة في المنطقة العربية.
وقد نجحت خطط الدول الأوروبية في دفع الحزبية وتشكيل الأحزاب باسم الديمقراطية سواء السرية منها أم العلنية، وحققت أهدافها بشكل مدهش، فقد احتل الإنكليز مصر بأقل ما يمكن من الخسائر ، وذلك لأن الأحزاب آنفة الذكر كانت قد مهدت للاحتلال بما أوجدته من فوضى فكرية شوشت فيها المفاهيم وشتت الانتماءات وفرقت كلمة الأمة وأسدلت ستارًا من الغموض على الأهداف الوطنية فحجبتها عن أبناء الأمة ، مما أضعف مقاومة الأمة للغزو الأجنبي .
أما بعد ذلك فلم تقتصر مساهمة الأحزاب والجمعيات التي أنشأتها الدول الأوروبية ودعمتها على هذا الدور في التمهيد لاحتلال البلاد العربية الأخرى، وإنما تعدت هذا وصارت إلى مساعدة عسكرية فعلية، فبالإضافة لكون الإنكليز حاربوا الدولة العثمانية بجنود مصريين والفرنسيين بجنود تونسيين أو جزائريين فقد ساهمت الأحزاب والجمعيات هذه من خلال الحركات العربية في دحر الدولة العثمانية والقضاء عليها وتسليم البلاد العربية للإنكليز والفرنسيين ليتصرفوا بها تصرف المالكين فيقسمونها كما يشاؤون ويضعون على رأسها من يشاؤون من الحكام والملوك ويهدون منها لمن يشاؤون!! ولذلك قال لورنس في كتابه أعمدة الحكمة السبعة:"كم أنا فخور بالمعارك الثلاثين التي خضتها والتي لم ترق فيه نقطة دم لإنكليزي". وفي تبرير دوره في غش العرب بوعود كاذبة لا تتحقق قال:"إنه كان متأكدًا بأن مساعدة العرب كانت ضرورية لإحراز الإنكليز النصر في الشرق رخيصًا وسريعًا". وبالتالي فإن انتصارهم -الإنكليز- ونقض عهودهم أفضل من اندحارهم!