فهرس الكتاب

الصفحة 626 من 2255

والتعددية تعني أن يسمح في المجتمع بالاختلاف والتعدد في كلّ شيء ، حتى لو كان هذا الإختلاف بين الحق والباطل ، بل لايوجد في التعددية ، حق مطلق ، وباطل مطلق ، ولهذا ترى التعددية أن الاختلاف مهما كان هو في حد ذاته ظاهرة محمودة بإطلاق ، تجب رعايتها ، وتشجيعها ، ومحاربة من يقف في طريقها ،

وحتى لو كان في المجتمع من يعبد إبليس نفسه ، فيجب أن يسمح لهم ـ في نظر التعددية ـ بإظهار دعوتهم ، وتمكينهم من دعوة الناس إليها ، ونشر كل ما يزينها ويشجع على إعتناقها ، وعلى الصعيد السياسي يجب أن يسمح لهم بتأسيس حزب سياسي يحمي معتقداتهم ، ويسمح لهم بنشرها .

وكذلك يجب أن يسمح العالم كله بعبور كلّ العقائد ، والأفكار ، والديانات ، ونشرها عبر المجتمعات من غير حجر ولا تضييق ولامنع .

والعجب من التعددية ـ كسائر ما يأتي من الغرب الأعور المنافق ـ أنها عندما يأتي دور الإسلام ، لايسمح لها بالتعددية ، بل يحارب حربا شعواء ، ويضيق عليه ، كما فعلت فرنسا مع الحجاب ، فإنها عندما رأت انتشار الحجاب في المدارس ، أعلنت حربا على التعددية الثقافية ، بل الحرية الشخصية ،

ومن الأمثلة الأخرى تلك القوانين الغربية التي تحظر مناقشة تاريخ الهلوكوست ، ( المذبحة اليهودية المزعومة ) ، ولا تسمح هنا بالتعددية في الآراء ، وقد تمت مطاردة عدة مفكرين غربيين قضائيا ، ومنهم من سجن ، لتشكيكهم في صحة ما تزعمه اليهود من وقوع الهلوكوست بالصورة التي وقعت بها .

وهاهي أمريكا تمارس أبشع أنواع التمييز العنصري ضد المسلمين ، بعد أحداث الحادي عشر من أيلول ، وتحذوا حذوها دول أوربية ، ضاربة عرض الحائط بمزاعمها عن التعددية الثقافية !

حكم التعددية

الأصل الجامع لهذا الدين ، وكل دين أرسل الله به المرسلين والنبيين ، أن الله تعالى أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين ، أن يُعلوا أحكام هذا الدين ، وهو كلمة الحق ، وأن ينصروه .

وأن يقيموا العدل ، وينصبوه ، وأن يمنعوا الباطل من العلوّ والظهور ، وكذا الظلم والفجور .

وأن معيار العلم بالحق والباطل ، إنما هو الوحي ، هو الحق وماذا بعد الحق إلا الضلال ، قال سبحانه"فاسْتَقْمْ كَمَا أُمِرَتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلا تَطْغَوْا"

وذلك أن الله تعالى هو الحق ، وهو ربّ الناس ، ملك الناس ، إله الناس ، له الأمر كلّه ، كما له الملك و الخلق كلّه ، وقد أقام هذه السموات والأرض على الحق والعدل ، وأنزل به الوحي ، حاكما بين الناس ، وأمر المرسلين والمؤمنين أن يقوموا به في الأرض ، ويجاهدوا في سبيل إقامته ، بالعلم واللسان ، وبالقوة والسنان .

قال تعالى: (إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ * وَأَوْفُواْ بِعَهْدِ اللّهِ إِذَا عَاهَدتُّمْ وَلاَ تَنقُضُواْ الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ * وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثًا تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ أَن تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللّهُ بِهِ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ) .

وقال تعالى (الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأمُور ) ِ

وقال تعال: ( شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ ولا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ )

فأمر الناس أن يقيموا دين الله وأن يجتمعوا عليه ، ولا يتفرقوا .

والقرآن مليء بالأمر بالاجتماع على الحق ومدحه ، وذم الافتراق عنه والتفرق فيه ، والأمر بجهاد الباطل وأهله ، وقد سماهم أهل الشقاق ، وأهل النفاق ، وأهل الكفر ، أو الفسق والفجور ، وجمع لهم أوصاف الذم وأسماءه.

هذا هو الأصل العظيم الجامع ، المعلوم من الدين بالضرورة ، من دفعه كفر وارتد ، يستتاب فإن تاب وإلا ضربت عنقه بإتفاق العلماء .

وعلى هذا الأصل أقيمت شعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في الإسلام ، بل جعل النظام السياسي كله قائما على هذا الأصل ، فمقصوده إظهار الحق الذي تحمله الأمّة بالوحي ، إظهاره أي جعله ظاهرا بالقوة والعلوّ ، بين المؤمنين ، وعلى الأرض كلها بجهاد الطلب .

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:

"وإذا كان جماع الدين وجميع الولايات هو أمر ونهي ؛ فالأمر الذي بعث الله به رسوله هو الأمر بالمعروف والنهي الذي بعثه به هو النهي عن المنكر وهذا نعت النبي والمؤمنين ؛ كما قال تعالى: { والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر} "

وهذا واجب على كل مسلم قادر وهو فرض على الكفاية ويصير فرض عين على القادر الذي لم يقم به غيره والقدرة هو السلطان والولاية فذوو السلطان أقدر من غيرهم ؛ وعليهم من الوجوب ما ليس على غيرهم .

فإن مناط الوجوب هو القدرة ؛ فيجب على كل إنسان بحسب قدرته قال تعالى: { فاتقوا الله ما استطعتم}

وجميع الولايات الإسلامية إنما مقصودها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سواء في ذلك ولاية الحرب الكبرى: مثل نيابة السلطنة والصغرى مثل ولاية الشرطة: وولاية الحكم ؛ أو ولاية المال وهي ولاية الدواوين المالية ؛ وولاية الحسبة .

لكن من المتولين من يكون بمنزلة الشاهد المؤتمن ؛ والمطلوب منه الصدق ؛ مثل الشهود عند الحاكم ؛ ومثل صاحب الديوان الذي وظيفته أن يكتب المستخرج والمصروف ؛ والنقيب والعريف الذي وظيفته إخبار ذي الأمر بالأحوال .

ومنهم من يكون بمنزلة الأمين المطاع ؛ والمطلوب منه العدل مثل الأمير والحاكم والمحتسب وبالصدق في كل الأخبار والعدل في الإنشاء من الأقوال والأعمال: تصلح جميع الأحوال وهما قرينان كما قال تعالى: { وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا } {وقال النبي صلى الله عليه وسلم لما ذكر الظلمة:" من صدقهم بكذبهم وأعانهم على ظلمهم فليس مني ولست منه ؛ ولا يرد علي الحوض ومن لم يصدقهم بكذبهم ولم يعنهم على ظلمهم فهو مني وأنا منه: وسيرد على الحوض} "

وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:" { عليكم بالصدق فإن الصدق يهدي إلى البر وإن البر يهدي إلى الجنة ولا يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقا وإياكم والكذب فإن الكذب يهدي إلى الفجور وإن الفجور يهدي إلى النار ولا يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذابا} "

ولهذا قال سبحانه وتعالى: { هل أنبئكم على من تنزل الشياطين } { تنزل على كل أفاك أثيم } وقال:" { لنسفعن بالناصية } { ناصية كاذبة خاطئة} . مجموع الفتاوى 28/65"

وكل هذا قد اتفقت عليه المذاهب الإسلامية من أهل السنة والجماعة .

*** غير أن هذا لايعني أنه ليس في الإسلام مساحة لتعدد الآراء ، والتسامح في الخلاف ، مادام ذلك لا يكون في دائرة المحكمات ، والثوابت.

فالتعدّدية إن أريد بها هذا فهي من الحقّ نفسه .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت