فهرس الكتاب
ولهذا لم يكن عند أحد من العلماء تعارض بين ما أمر الله به من إقامة الأمر بالمعروف والنهي عن المكر ، وبين القاعدة المشهورة: أنه لا إنكار في المسائل الاجتهادية ، لان الله تعالى شاء بحكمته أن يكون فيما أنزل محكمات هنّ أمّ الكتاب ، يجتمع عليها أهل الحق ولا يتفرقون ، ومتشابهات يجري وقد يسوغ فيها اختلاف النظر والاجتهاد ، ولهذا صح في الحديث: ( إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران ، وإن أخطأ فله اجر) ,
ولهذا ذكر من ذكر من العلماء أنه لا يجوز للحاكم أن يلزم الناس في مسائل الاجتهاد برأيه ،
قال شيخ الإسلام جوابا على سؤال هل يلزم ولي الأمر الناس بمذهبه في مسائلا الاجتهاد:
فَأَجَابَ: لَيْسَ لَهُ مَنْعُ النَّاسِ مِنْ مِثْلِ ذَلِكَ وَلا مِنْ نَظَائِرِهِ مِمَّا يَسُوغُ فِيهِ الاجْتِهَادُ وَلَيْسَ مَعَهُ بِالْمَنْعِ نَصٌّ مِنْ كِتَابٍ وَلاسُنَّةٍ وَلاإجْمَاعٍ وَلَا مَا هُوَ فِي مَعْنَى ذَلِكَ ؛ لا سِيَّمَا وَأَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ عَلَى جَوَازِ مِثْلِ ذَلِكَ وَهُوَ مِمَّا يَعْمَلُ بِهِ عَامَّةُ الْمُسْلِمِينَ فِي عَامَّةِ الأمصار . وَهَذَا كَمَا أَنَّ الْحَاكِمَ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَنْقُضَ حُكْمَ غَيْرِهِ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْمَسَائِلِ وَلا لِلْعَالِمِ وَالْمُفْتِي أَنْ يُلْزِمَ النَّاسَ بِاتِّبَاعِهِ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْمَسَائِلِ ؛ وَلِهَذَا لَمَّا اسْتَشَارَ الرَّشِيدُ مَالِكًا أَنْ يَحْمِلَ النَّاسَ عَلَى"مُوَطَّئِهِ"فِي مِثْلِ هَذِهِ الْمَسَائِلِ مَنَعَهُ مِنْ ذَلِكَ . وَقَالَ: إنَّ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَفَرَّقُوا فِي الآَمْصَارِ وَقَدْ أَخَذَ كُلُّ قَوْمٍ مِنْ الْعِلْمِ مَا بَلَغَهُمْ . وَصَنَّفَ رَجُلٌ كِتَابًا فِي الاخْتِلافِ فَقَالَ أَحْمَد: لا تُسَمِّهِ"كِتَابَ الاخْتِلافِ"وَلَكِنْ سَمِّهِ"كِتَابَ السُّعةِ". وَلِهَذَا كَانَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ يَقُولُ: إجْمَاعُهُمْ حُجَّةٌ قَاطِعَةٌ وَاخْتِلافُهُمْ رَحْمَةٌ وَاسِعَةٌ .
وَكَانَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ يَقُولُ: مَا يَسُرُّنِي أَنَّ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَخْتَلِفُوا ؛ لاَنَّهُمْ إذَا اجْتَمَعُوا عَلَى قَوْلٍ فَخَالَفَهُمْ رَجُلٌ كَانَ ضَالا وَإِذَا اخْتَلَفُوا فَأَخَذَ رَجُلٌ بِقَوْلِ هَذَا وَرَجُلٌ بِقَوْلِ هَذَا كَانَ فِي الأمر سَعَةٌ .
وَكَذَلِكَ قَالَ غَيْرُ مَالِكٍ مِنْ الأئمة: لَيْسَ لِلْفَقِيهِ أَنْ يَحْمِلَ النَّاسَ عَلَى مَذْهَبِهِ .
وَلِهَذَا قَالَ الْعُلَمَاءُ الْمُصَنِّفُونَ فِي الأمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَغَيْرِهِ: إنَّ مِثْلَ هَذِهِ الْمَسَائِلِ الاجْتِهَادِيَّةِ لا تُنْكَرُ بِالْيَدِ وَلَيْسَ لأحَدِ أَنْ يُلْزِمَ النَّاسَ بِاتِّبَاعِهِ فِيهَا ؛
وَلَكِنْ يَتَكَلَّمُ فِيهَا بِالْحُجَجِ الْعِلْمِيَّةِ فَمَنْ تَبَيَّنَ لَهُ صِحَّةُ أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ تَبِعَهُ وَمَنْ قَلَّدَ أَهْلَ الْقَوْلِ الآخَرِ فَلا إنْكَارَ عَلَيْهِ.
وَنَظَائِرُ هَذِهِ الْمَسَائِلِ كَثِيرَةٌ: مِثْلَ تَنَازُعِ النَّاسِ فِي بَيْعِ الباقلا الأخْضَرِ فِي قِشْرَتِهِ وَفِي بَيْعِ المقاثي جُمْلَةً وَاحِدَةً وَبَيْعِ الْمُعَاطَاةِ وَالسَّلَمِ الْحَالِّ وَاسْتِعْمَالِ الْمَاءِ الْكَثِيرِ بَعْدَ وُقُوعِ النَّجَاسَةِ فِيهِ إذَا لَمْ تُغَيِّرْهُ وَالتَّوَضُّؤِ مِنْ مَسِّ الذَّكَرِ وَالنِّسَاءِ وَخُرُوجِ النَّجَاسَاتِ مِنْ غَيْرِ السَّبِيلَيْنِ وَالْقَهْقَهَةِ وَتَرْكِ الْوُضُوءِ مِنْ ذَلِكَ وَالْقِرَاءَةِ بِالْبَسْمَلَةِ سِرًّا أَوْ جَهْرًا وَتَرْكِ ذَلِكَ .
وَتَنْجِيسِ بَوْلِ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ وَرَوْثِهِ أَوْ الْقَوْلِ بِطَهَارَةِ ذَلِكَ وَبَيْعِ الأعْيَانِ الْغَائِبَةِ بِالصِّفَةِ وَتَرْكِ ذَلِكَ .
وَالتَّيَمُّمِ بِضَرْبَةٍ أَوْ ضَرْبَتَيْنِ إلَى الْكُوعَيْنِ أَوْ الْمِرْفَقَيْنِ وَالتَّيَمُّمِ لِكُلِّ صَلاةٍ أَوْ لِوَقْتِ كُلِّ صَلاةٍ أَوْ الاكتفاء بِتَيَمُّمِ وَاحِدٍ وَقَبُولِ شَهَادَةِ أَهْلِ الذِّمَّةِ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ أَوْ الْمَنْعِ مِنْ قَبُولِ شَهَادَتِهِمْ"مجموع الفتاوى 30/79 ـ 81"
*** كما أن الإسلام لا يعاقب على الخطأ في غير المسائل الجليلة والمحكمات ، مادام المخطئ متأوّلا ، ولهذا أقرّ عبر عصور الإسلام ، الخلاف بين المذاهب الفقهية ، في مسائل لا تحصى ، وكثير منها الخطأ فيها واضح ، لمخالفته النص ، غير أنه لما كان ذلك في مسائل الفروع العمليّة ، أو في مسائل دقيقة يعذر فيها المخطئ بتأويل ، فقد أقر فيها تعدد الآراء ، واختلاف المذاهب .
*** وكذا إن أريد بالتعددية ، التعددية السياسية المحضة ، أعني التي هي سياسة مصالح الأمة في هدى الشريعة ، كالأخذ بنظام سياسي يسمح بتداول السلطة بين أحزاب ، في نظام سياسي قائم على الشرع ، فتكون الأحزاب المتعددة تطرح حلولا للمشكلات الحياتية ، لا يخرج كل حزب منها ، عن الالتزام بأحكام الشريعة ، في نظام الخلافة الإسلامية ، بما يشبه ما كان يطلق عليه وزارة التفويض.
فهذا غاية ما يمكن أن يقال فيه ، إنه مشروع في الجملة ، إن احتيج إليه كان بها ، وإلا فمتى كان السلطان حاكما بالشرع ، قائما بالعدل ، ناصرا للملة ، حافظا للحقوق ومن أهمّها حقّ الشورى لمن هو أهل للشورى ، فقد أدى ما عليه ، فمن يوجب عليه التعددية السياسية مطلقا ، فهو مخطئ خطأ بينا ، زاعمٌ مالا برهان له به من الشرع .
وقد ذكرنا فيما سبق ، في غير موضع ، أنه ليس ثمة في الكتاب والسنة ، ما يمنع من الاستفادة من الوسائل العصرية السياسية التنظيمية ، حتى في إدارة الدولة ، مادامت تحقق مقاصد الشريعة ، ولا تعارض نصا من نصوصها .
*** وكذا يقر الإسلام التعددية في الأفكار والابتكارات العلميّة الدنيوية ، والفنون المباحة ، والعادات ، ونحو ذلك مما فطر الله الخلق على التنوّع فيه ، لأن ذلك من طبيعة الخلق التي فطر الله الناس عليها ، وهي تثري المجتمعات ، وتضفي عليها تلونا جميلا ، فهو أمر محمود مطلوب ، ومازالت أمتنا تحوي هذا التنوع المحمود في تاريخها منذ عصر الصحابة من غير نكير ، هذا ولم تزل أمتنا مزيجا متنوعا رائعا من شعوب شتى ، تختلف في عاداتها وألوان فنونها ، ومعايشها ، ولغاتها ، غير أنها تجتمع على ثوابت الأمة العامة وهي أصول هذا الدين العظيم .
*** أما التعددية في عرف العصر ، فإنها يقصد بها في الغالب عند الإطلاق ، السماح بما يسمى التعدد الثقافي ـ والسياسي تبع له ـ القائم على أصول تناقض أصول الشريعة ، وليس المقصود هنا ـ في هذا العرف العصري ـ السكوت عن الباطل ما بقي اعتقادا بالقلب ، أو إقرار أهل الأديان التي يكونون أهل ذمة على دينهم وعباداتهم ، بالشروط الشرعية المرعية .
بل المقصود الإذن بإظهار الدعوة إلى الكفر ، والمنكر ، وحماية الداعين إلى ذلك بالقوانين ، كما تنص على ذلك الدساتير العلمانيّة الوضعيّة تحت شعار الديمقراطيّة .
فهذا من الكفر ، بل هو الكفر نفسه ، وما أشبه هذه العقيدة الكفرية بقول المشركين ( أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلهًا وَاحِدًا إنّ هَذّا لَشَيءٌ عُجَابْ) .