فهرس الكتاب

الصفحة 628 من 2255

*** ومن الواضح أن هذا ليس من التعددية في ثقافة أمة في شيء ، بل هو اختراق ثقافي لها ، وغزو عقدي من ثقافة أمة إلى أمة أخرى ، فتسميته تعددية من التلاعب بالألفاظ .

ومن يدعو إلى مثل هذا ، دون أن يشترط أن تغير الأحزاب عقائدها وتدين بالإسلام ، وتُسلك في نظام لايتحاكم إلا إلى الشريعة ، يبيّن له حقيقة ما يدعو إليه ، وأنه يناقض أصل الدين ، فإن أصر فهو مرتد له حكم أمثاله من المرتدين .

وأما من يحتج على جوازه بوجود الزنادقة في تاريخ الإسلام ، فهو كالقدرية المشركة التي تستدل بوقوع الكفر على إباحته ، كماقالى تعالى:

"وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلا الْبَلاغُ الْمُبِينُ".

وما هذه الأحزاب العلمانيّة اللادينيّة ، والمرتدة الضالة ، الداعية إلى ما ينقض الإسلام إلا زنادقة العصر ، ومن طالب بأن يشرع لهم تشريع يبيح لهم الدعوة إلى كفرهم وحماية دعوتهم ، فحكمه حكمهم .

وأما من يحتج على جواز ما يسمى"التعدديّة"، بوجود الفرق الضالّة التي لم تخرج عن الإسلام ، وجودها في تاريخ الإسلام ، فيقال:

أولا: إن تلك الفرق كانت من جملة المسلمين ، المقرين بالتنزيل والانقياد للوحي في الجملة ، وإنما ضلّوا في تأويله ، لا في تنزيله ، فلا يصح قياس الزنادقة عليهم ، وهي هذه الأحزاب اللادينية العلمانية.

وثانيا: لا يحتج بما يقع في الوجود ، على أنه مشروع ، كما تقدم ، وقد وقع في تاريخ ملوك الإسلام من المخالفات الشرعية ما الله به عليم ، وليس هذا بحجة .

وأما زعم الزاعم إقرار العلماء لوجود الفرق الضالة ، فلم يقرّوه ، بل أنكروا عليهم بدعهم ، وبيّنوا ضلالهم وحذّروا منهم ، كما أمر النبيّ صلى الله عليه وسلم بقوله ( فإذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه ، فأولئك الذين سمّى الله فاحذروهم) .

ولا أعلم عالما من أهل السنة ، أباح لسلطان أن يشرّع لأهل البدع والضلالة تشريعا يسمح لهم بالدعوة إلى منكراتهم وبدعهم ، أو ينصب لهم منبرًا يمكنهم من ذلك ، كيف وقد أمر الله تعالى بإنكار المنكر إن ظهر ، وجعل ذلك من أعظم واجبات الدين ، وجعله حقا عاما للمسلمين ؟!!

ولهذا كان عمر رضي الله عنها يعاقب على إظهار منكرات البدع أشد العقوبة ، وكان في ذلك قائما بالقسط ، حاكما بالعدل ، عاملا بالكتاب ، كما فعل بصبيغ بن عسل .

وقد اتفق العلماء على وجوب منع أهل البدع من إظهار بدعهم ، وأن السلطان يكون مفرطا فيما يجب عليه إن لم يفعل ، كما اتفقوا على وجوب قتال أهل البدع إن كانوا طائفة ممتنعة ، وتنازعوا هل يجوز قتل الواحد منهم:

قال شيخ الإسلام:"وأما الواحد المقدور عليه من الخوارج والرافضة فقد روي عنهما - أعني عمر وعليا - قتلهما أيضا ، والفقهاء وإن تنازعوا في قتل الواحد المقدور عليه من هؤلاء فلم يتنازعوا في وجوب قتلهم إذا كانوا ممتنعين"

وأما الرد على من زعم أن عليا رضي الله عنه أباح للخوارج الدعوة إلى ضلالهم ، ومكّنهم من ذلك ، فنذكر أولا الرواية ، ثم نبيّن بطلان هذا الاستدلال .

قال ابن كثير رحمه الله:

"ذكر خروج الخوارج من الكوفة ومبارزتهم عليا رضي الله عنه بالعداوة والمخالفة وقتال علي إياهم وما ورد في ذلك من الأحاديث."

لما بعث علي أبا موسى ومن معه من الجيش إلى دومة الجندل اشتد أمر الخوارج وبالغوا في النكير على علي وصرحوا بكفره، فجاء إليه رجلان منهم، وهما زرعة بن البرج الطائي، وحرقوص بن زهير السعدي، فقالا: لا حكم إلا لله. فقال علي: لا حكم إلا لله. فقال له حرقوص: تب إلى الله من خطيئتك، وارجع عن قضيتك، اذهب بنا إلى عدونا حتى نقاتلهم حتى نلقى ربنا.

فقال علي: قد أردتكم على ذلك فأبيتم، وقد كتبنا بيننا وبين القوم كتابا وعهودا، وقد قال الله تعالى: وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ الآية ، فقال له حرقوص: ذلك ذنب ينبغي أن تتوب منه. فقال علي: ما هو بذنب ولكنه عجز من الرأي، وقد تقدمت إليكم فيما كان منه، ونهيتكم عنه.

فقال له زرعة بن البرج: أما والله يا علي لئن لم تدع تحكيم الرجال في كتاب الله لأقاتلنك أطلب بذلك وجه الله ورضوانه.

فقال له: تبا لك ما أشقاك! كأني بك قتيلا تسفى عليك الريح. فقال: وددت أن قد كان ذلك.

فقال له علي: إنك لو كنت محقا كان في الموت تعزية عن الدنيا، ولكن الشيطان قد استهواكم.

فخرجا من عنده يحكمان أمرهما، وفشى فيهم ذلك، وجاهروا به الناس، وتعرضوا لعلي في خطبه

وأسمعوه السب والشتم والتعريض بآيات من القرآن، وذلك أن عليا قام خطيبا في بعض الجمع فذكر أمر الخوارج فذمه وعابه.

فقام إليه جماعة منهم كل يقول: لا حكم إلا لله. وقام رجل منهم وهو واضع أصبعه في أذنيه يقول: وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ فجعل علي يقلب يديه هكذا وهكذا وهو على المنبر يقول: حكم الله ننتظر فيكم.

ثم قال: إن لكم علينا أن لا نمنعكم مساجدنا ما لم تخرجوا علينا، ولا نمنعكم نصيبكم من هذا الفيء ما دامت أيديكم مع أيدينا، ولا نقاتلكم حتى تقاتلونا"أ.هـ"

فليس في هذا ـ إن صح إسناده ـ حجة البتة على أنه يجوز تمكين أهل البدع من إظهار بدعهم ، والدعوة إليها ، والمطالبة بتأسيس حزب يدعو إلى الضلالة بقانون يحميهم ، ولا يقول بهذا عالم يفقه هذه الشريعة ، فيعارض النصوص المحكمة الآمرة بإقامة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، باليد ، يد السلطان ، ويد من يقدر وجوبا ، قبل اللسان والقلب .

وإنما كان هذا القول من علي رضي الله عنه ، تبرئة للذمة ، وقطعا لأي حجة قد يحتج بها مبطل فيما لو قام رضي الله عنه فقاتلهم ، فقال: إن كنتم مع جماعة المسلمين ، لم تُمْنعوا من المساجد ، وإن كانت أيديكم معنا في جهاد أعداءنا ،لم تمنعوا الفيء ، ولا نقاتلكم حتى تقاتلونا ، وسكت عما وراء ذلك ، وكان بينه وبين القوم مناوشات ، وكانوا طائفة خرجت من جيشه ، في وقت يحارب أعداءه ، وكان يتربص بهم حكم الله فيهم ، وأن يحسّهم حسّا بسيفه فرحا بذلك ، مستبشرا بما سيجريه الله على يديه من الخير العظيم بإنكار منكرهم العظيم .

وليس في هذا من الدلالة ، من شيء ، على أن الإمام له أن يأذن بإظهار البدع ، أو يقر الدعاة إليها فلا يأخذ على أيديهم ! عجبا لهذا الاستدلال ما أضعفه ، وأبعده عن الفهم الصحيح !

بل ما يجب على الإمام العادل ، من منع إظهار البدع ، أعظم مما يجب من منع إظهار المعاصي ، فالولايات أصلا لم تنصب إلا للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كما تقدم.

وقد كان علي رضي الله عنه ، يمنع ويعاقب على بدع أدنى من بدع الخوارج ،

كما قال شيخ الإسلام رحمه الله:

"وروي عنه بأسانيد جيدة أنه قال: لا أوتى بأحد يفضلني على أبي بكر وعمر إلا جلدته حد المفتري . وعنه أنه طلب عبد الله بن سبأ لما بلغه أنه سب أبا بكر وعمر ليقتله فهرب منه ، وعمر بن الخطاب رضي الله عنه أمر برجل فضله على أبي بكر أن يجلد لذلك ، وقال عمر رضي الله عنه لصبيغ بن عسل ؛ لما ظن أنه من الخوارج: لو وجدتك محلوقا لضربت الذي فيه عيناك ، فهذه سنة أمير المؤمنين علي وغيره قد أمر بعقوبة الشيعة: الأصناف الثلاثة وأخفهم المفضلة ، فأمر هو وعمر بجلدهم"

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت