فهرس الكتاب
والحضارة الإسلامية تمتلك أغنى ثقافة إنسانية مصدرها رباني محفوظ ، قادرة على إخراج الإنسان من الظلمات إلى النور ، ومن الباطل إلى الحق ، ومن الضياع إلى الهدى ، ومن التخبط إلى الرشاد ، قال تعالى ( ، فمن اتبع هداي فلا يضل ولايشقى ، ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ، ونحشره يوم القيامة أعمى ) .
ولكن العالم الإسلامي ، بات يعاني من هجوم أجنبي ، غربي ، هدفه:
الحليولة دون عودة الإسلام حضارة قيادية للعالم ، ولهذا فهو يستهدف حضارتنا ، على شتى المستويات ، وذلك عن طريق:
1ـ التشكيك في ثوابت الحضارة الإسلامية ، في الرسول صلى الله عليه وسلم ، والقرآن ، والشريعة الإسلامية ، والتاريخ الإسلامي.
2ـ تمزيق العالم الإسلامي ، وتشجيع التباعد بين أقطاره ، وشعوبه ، بدعم الحروب الداخلية ، والعنصريات البغيضة ، وتأجيج الأزمات فيه .
3ـ إبقاؤه في حالة تخلف إقتصادي ، وعسكري ، وإجتماعي ، وتكنلوجي ، وسياسي.
4ـ إشاعة الفساد الأخلاقي المتمثل في الإباحية ، والشذوذ ، والميوعة ، عن طريق الاعلام المفسد ، الذي يقدم النماذج المهترئة للشباب المسلم .
5ـ منع القيادات الإسلامية الملتزمة ، والجادة ، والنهضوية ، من تولي زمام الأمور في العالم الإسلامي ، على مستوى الأنظمة السياسية ، وعلى مستوى التوجيه الثقافي ، والفكري ، والحضاري.
6ـ غرس النماذج الثقافية ، والقيادية ، التي تخدم المخطط الغربي ، في مواقع صنع القرار ، والقيادة الفكرية في العالم الإسلامي .
والعالم الغربي يجدد هذا الغزو الفكري ، و الشمولي ، اليوم ، تحت شعار العولمة ، التي تدعو إلى الماديّة النفعيّة التي تقدّس المال ، واللذّة فحسب ، ويقدم هذا الدين الجديد ( العولمة ) على أنه البديل الحضاري العالمي ، الذي يجب أن يسود العالم .
فالعولمة في حقيقتها هي هوية بلا هوية ، وثقافة مفرغة من أيّ قيمة إنسانية تنفع البشرية ، فهي بإختصار تعبيد البشر للمادة ، فهي صنم العولة الأكبر ، وأما محرابها الذي تدعو الناس إلى السجود فيه ، وقبلتها التي تيمم وجوههم إليها ، فأسواق المال ، وأما شريعتها فهي عبادة الحياة الدنيا ، والتنافس فيها ، كما يتنافس الحيوانات في شريعة الغاب ، وأصدق شيء في وصفها ما قاله الله تعالى: ( ذلك بأنهم استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة وأن الله لايهدي القوم الكافرين ) ، وقول النبي صلى الله عليه وسلم ( تعس عبد الدينار ، تعس عبد الدرهم ، تعس وإنتكس ، إن أعطي رضي ، وإن منع سخط ) .
فهذه العولمة الغربية تعست وانتكست ، وستقود العالم إلى الفوضى ، والدمار ، والصراع الحيواني على الملذّات ، والمنافع المادية ، ولهذا نجد الحروب ، والفقر ، و الدمار، قد ازدادت وتيرتها ، وتضاعفت ، بعد إنطلاق العولمة التي يقودها الغرب .
ولا خلاص من مصير البشرية الأسود الذي ينتظرها إذا إنحدرت وراء العولمة الغربية ، إلا بعالمية الإسلام الذي يدعو إلى:
1ـ غرس الإيمان بالله تعالى ، والآخرة ، في نفوس الناس ، فهو الوازع الأعظم الذي يعصم الإنسان من التحوّل إلى حالة البهيمية المدمرة للحضارة البشرية .
2ـ تقديم القيم الأخلاقية التي تقدس الإحسان ، والنفع الخيّر المتعدّي ، على الجشع الرأسمالي المادي.
3ـ الجمع بين حاجات الجسد المباحة ، وحاجات الروح التي لاقوام للإنسان ، ولا سعادة ، ولافلاح ، إلاّ بها .
مسؤولية الإسلام عالمية:
وقد غرس الإسلام في نفوس أتباعه الشعور بالمسؤولية تجاه العالم ، عندما وصف الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم بقوله: ( وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين ) .
وجعل عناوين هذا الدين الرئيسة هي: الإسلام ، والإيمان ، والإحسان ، ووصف أمته بأنها أمة الخير ، وما ذلك كلّه إلا لتحميلها مسؤولية قيادة البشرية ، و العالم ، إلى الهدى والنور ، إذ هي التي تحمل السلم ، والأمن ، والإحسان ، والخير للعالم .
ولهذا يجب على الأمة الإسلامية أن تسعى للقيام بدورها الحضاري العالمي عن طريق:
1ـ العودة إلى شريعتها التي تحدد هويّتها ، وتشكّل ثقافتها ، وإلى تحكيمها في كلّ مناحي الحياة.
2ـ توحيد الأمّة الإسلامية كلّها في نظام ينتظم جميع عوامل القوة والإستقلال ، ويحمل رسالتها العالمية في إطار حضاري شامل ، يواجه مشكلات العصر ، ويحلها ، بثوابته الهادية ، بوسائل مكافئة عصرية.
ملحق
العولمة الثقافية وخطرها
قال تعالى: (وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) .
إن الموقف المطلوب من المسلمين تجاه العولمة الثقافية والفكرية هو التفاعل الحضاري والتعامل الثقافي الحذر ، القادر على التمييز بين النافع والضار ، حفاظًا على عقيدة الأمة وهويتها من التضليل والعبث الفكري والثقافي
الحمد لله الذي لا إله إلاّ هو ، لا شريك له في ربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته . والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء محمد وعلى آله وصحابته وبعد:
فإن الدعوة إلى العولمة الثقافية لا تخرج في حقيقتها عن محاولة لتذويب الثقافات والحضارات وإلغاء الخصوصيات الحضارية لصالح حضارة الغالب .. وعالم المسلمين يعد أول المستهدفين .. ذلك أن الثقافة الإسلامية التي تشكل هوية الأمة وقسمات شخصيتها الحضارية ، هي في ثوابتها من عطاء معرفة الوحي ، لذلك فالاستهداف يتركز حول عقيدة الأمة الإسلامية ؛ لأن الدين ليس أمرًا مفصولًا عن الثقافة .
أعمدة الهيمنة الأربعة:
ولقد أصبح من الواضح في تحليل السياسة العالمية بصورة عامة منذ تفرد الولايات المتحدة بكونها القوة الكبرى المهيمنة بعد سقوط الاتحاد السوفيتي ، أن العولمة ما هي إلاّ أحد الأعمدة الأربعة التي أوثقت بها دول القلب ( الولايات المتحدة وأوروبا ) ، التي تشكل موقع صناعة القرار العالمي ، ما حولها من العالم تفي أسيا وأفريقيا وأمريكا الجنوبية وأوروبا الشرقية - والتي غدت لا تعني سوى كونها سوقًا مربحة أو ساحة مصالح لدول القلب - أو ثقتها بهذه الأعمدة لتجبرها على البقاء تحت هيمنة دول القلب ، تجري في فلكها لتضمن تحقق السيطرة الكفيلة بضمان تفوق الغرب على الشرق والشمال على الجنوب ، وتدفق المصالح الاستراتيجية من الشرق إلى الغرب ومن الجنوب إلى الشمال.
وأما الأعمدة الثلاثة الأخرى فهي:
الشرعية الدولية:
حيث تحتكر دول القلب هذه الشرعية المتمثلة في ( الأمم المتحدة ) وتستعملها لإسباغ الشرعية أو نزعها عن أي دولة تحاول التخلص من الوثاق ذي الأعمدة الأربعة التي أوثقت به دول القلب العالم ، ولم يعد يهم دول القلب أن تتعسف وتتناقض وتكيل بمكيالين في استعمال أداة (الشرعية الدولية) فتصدر قرارًا من مجلس الأمن لعقاب من تريد ، لأنه أعلن رفضه لقانون الهيمنة الذي فرضته دول القلب على العالم ، بينما تكتفي بموقف المتفرج في حالات أشد خطورة وانتهاكًا لحقوق الإنسان وقيم الأمم المتحدة ، لسبب واضح وهو أن دول القلب لم تشعر بالحاجة إلى تحريك (الشرعية) هنا لضمان مصالح أو تأديب خارج على قانونها ، قانون الهيمنة والسيطرة .
السلاح:
وبوسيلة هذا العمود تتحكم دول القلب بالحروب والتوترات العالمية ، وتأجج أو تخمد مناطق الصراع العالمية على وفق مصالحها .
والخامات: