فهرس الكتاب

الصفحة 631 من 2255

مثل النفط والقمح ، وبوسيلة هذا العمود تتحكم دول القلب بالتنمية والتطور والتكنولوجيا أيضًا في الدول الواقعة في أحزمة مصالح دول القلب ، وذلك وفق مصالحها وبما يضمن بقاء تفوقها وتدفق المصالح الاستراتيجية إليها.

والعولمة تعتمد على محورين أساسين:

المحور الأول:

التجارة العالمية .

المحور الثاني:

الإعلام الذي يحمل الثقافة والفكر .

والعولمة التجارية يقصد بها ضمان تدفق رؤوس الأموال الغريبة إلى أسواق العالم ، وضمان تدفق المصالح المادية نحو دول القلب ، كما تقدم .. والعولمة الإعلامية يقصد بها إخضاع العالم لقيم العالم الغربي .

الموقف من العولمة الفكرية والثقافية:

يمكن تلخيص المواقف تجاه العولمة في أربعة:

الأول:

الموقف القابل للعولمة ، الذائب فيها ، المؤيد لها تأييدًا مطلقًا .

الثاني:

الموقف الرافض لها جملة وتفصيلًا .

الثالث:

الموقف الملفق الذي يحاول التلفيق بين ما تحمله العولمة والإسلام.

الرابع:

الموقف المتفاعل معها على أساس الانتقائية المشوبة بالحذر .

-أما الموقف القابل بإطلاق فهو موقف تابع ، و قد جلب ، ولا يزال يجلب سلبيات الحضارة الغربية ، لأنه موقف قائم على الخلط بين مقومات الحضارة الإنسانية التي هي بناء فكري ينبثق منه منهج للتعامل مع الخالق والحياة والإنسان والكون ، وبين الآلات والتكنولوجيا التي هي منجزات علمية مشتركة بين الناس .. فالأول هي الحضارة وهي لا تستورد ولا تشتري ولا يمكن نقلها من أمة إلى أمة إلاّ بإحداث انقلاب جذري استئصالي .

-وأما الموقف الرافض ، فهو موقف خاسر غير واقعي ، وسيؤدي إلى الانكفاء والانعزال فالموت الحضاري .

-وأما الموقف الملفق وهو الموقف الذي يتزعمه بعض من يسمون أنفسهم الليبراليين في عالمنا العربي ، والذي يعتبرون أنفسهم معتدلين ، لأن المتطرفين منهم هم أصحاب الموقف المؤيد تأييدًا مطلقًا للعولمة .. ويدندن حول هذا الموقف من يسمون أنفسهم (اليسار الإسلامي ) أيضًا .. وهاتان الفئتان تضيعان وقت الأمة بممارستهما عملية (قص ولزق ) وبتر لبعض قيم الأمة وعزلها من سياقها المتكامل لإخضاعها للفلسفات المعاصرة ، وما هذا الصنيع إلاّ تكريس لإلغاء الذات أو تشويهها لصالح الأجنبي.

-وأما الموقف الرابع القائم على التفاعل الحضاري الناقد والانتقائي الحذر ، الذي يقوم على الفحص والتدقيق وتقليب الشعارات والتنقيب عن المسميات ، فيكشف ما تحت بريق العولمة من الظلمات كالإباحية والمادية النفعية والميكافيلية الشريرة والاستغلال الرأسمالي للإنسان باسم التحرير ، وفلسفة اللذة والمتعة وعبادة الدنيا ، ثم يأخذ ما في العولمة من الصواب والخير بعد التمييز والتفتيش والنقد الموضوعي المنبثق من الثقة بالذات والاعتزاز بالهوية ، ويرفض ما في العولمة من الشر والضلال.

الموقف الصواب من العولمة:

وهذا الموقف لا شك أنه هو الحق الذي يجب اتباعه ، وأصله في الشريعة الإسلامية قول النبيّ صلى الله عليه وسلم: (( ...حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج ) )رواه البخاري من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ، وورد في بعض ألفاظه: (( ولكن لا تصدقوهم .. ولا تكذبوهم ) )أخرجه البخاري من حديث أبي هريرة رضي الله عنه .. ووجه الاستدلال به ، أنه إذن بالتفاعل الحضاري والتواصل الثقافي مع ما عند أهل الكتاب ، غير أنه صلى الله عليه وسلم أمر برفض ما يعارض القرآن وقبول ما يوافقه والحذر مما لا يعلم صدقه من كذبه .

وحتى نبرهن على صحة هذا الموقف من العولمة ، نقف عند أهم أخطارها الثقافية والفكرية على أمتنا ، لتأخذ حذرها وتدرك كيفية التعامل مع وجهة العالم الجديد ، مما يمكنها من إبلاغ رسالتها وإلحاق الرحمة بالعالمين قيامًا بدورها في الشهود الحضاري.

أهم أخطار العولمة:

تعرف العولمة مطلقًا بأنها:

ظاهرة الانتماء العالمي بمعناه العام ، وهي تعبير مختصر عن مفاهيم عدة ، فهي تشمل الخروج من الأطر المحدودة - الإقليمية والعنصرية والطائفية ، وغيرها - إلى الانتماء العالمي الأعم .. ففي جانبها الاقتصادي تشمل الانفتاح التجاري وإلغاء القيود التجارية ، وتوفير فرص للتبادل التجاري الواسع محكومًا بقواعد السوق فقط ، بدون وجود إجراءات حمائية حكومية .. وفي جانبها الفكري والثقافي هي الانفتاح الفكري على الآخر وعدم الانغلاق على الذات ، ورفض التعصب الفكري الذي يدعو لإلغاء (الآخر) ، لا لشيء سوى أنه مغاير للفكر .. وفي جانبها السياسي هي شيوع تطبيق القانون على الجميع ومراعاة الحقوق السياسية للإنسان ..فهي باختصار الشعور بالانتماء الكبير العالمي بدلًا من الاقتصار على الانتماء المحلي الإقليمي ( الديني ، العنصري ، الطائفي) .

لكن هذا العرض اللطيف الذي حاول تجميل وجه العولمة ، ليس سوى محاولة لإخفاء حقيقتها التي تنطوي عليها أهدافها .

أهداف العولمة:

1-محاولة سيطرة قيم وعادات وثقافات العالم الغربي على بقية دول العالم ، خاصة النامي منها ، وإذابة خصائصها .

2-تهميش تميز دين الإسلام ، وإزالة الحدود الفاصلة بينه وبين غيره من الأديان الباطلة ، تمهيدًا لشن هجوم على مبادئه وتعاليمه وصد الناس عن الإيمان به .

3-فرض مفهوم نهاية التاريخ بانتظار قيم العالم الرأسمالي الغربي انتصارًا نهائيًا ، والتسليم بلزوم تسليم القيادة البشرية إلى ثقافة الغرب إلى الأبد .

4-إبقاء حال الهيمنة الغربية - بأعمدتها المذكورة آنفًا - أطول فترة ممكنة تحت ستار مصطلح العولمة .

هوية بلا هوية:

وباختصار العولمة هي في الحقيقة ) هوية بلا هوية ) وهدفها باختصار تفريغ ثقافة (الغير) من محتواها واستدراجها إلى الثقافة الغربية بحيلة وشعار مزيف يطلق عليه اسم (العولمة) ، لأنه لو قيل للعالم )الأمركة) لنفر كثير من الناس من هذه الدعوى ، فاستبدل باسم (العولمة) ، فكأنهم يقولون تعالوا لنصير جميعًا عالمًا واحدًا ، وننصهر في ثقافة واحدة ، ونحتكم إلى قوانين عالمية واحدة ، وتسيرنا ثقافة وعادات واحدة أو متقاربة حتى نتعايش ونتفاهم ولا تقع بيننا الحروب ...إلخ ، حتى إذا وقع المدعوون في هذا الفخ ، اكتشفوا أنهم في قفص الأمركة والعالم الغربي ، ثم وجدوا اللافتة التي تحمل اسم (العولمة) تساقطت حروفها واختفت كهيئة الحبر السري ، وظهر من تحتها اسم جديد وشعار جديد هو (التغريب) ، واكتشف المخدوعون أن حضاراتهم سلبت من حيث لا يشعرون ، وثقافتهم ذابت من حيث لا يعلمون ، وهويتهم طمست بالتدريج من حيث لا يدرون.

-إذن العولمة في النهاية هي نتيجة انهيار نظام عالمي كان يقوم على (القطبية الثنائية ) بانهيار أحد قطبيه - وهو الاتحاد السوفيتي - وسيطرة قطب واحد أخذ يهيمن بانتهاء الحرب الباردة على العالم سياسيًا وعسكريًا .

-هذا القطب الواحد - كما أشرنا في مطلع هذه المقالة - يستخدم آلات كثيرة خداعة للسيطرة الفكرية والثقافية على العالم تحت شعار كبير اسمه (العولمة) .. وقد بدأت تظهر آثار سياسة هيمنة وسيطرة القطب الواحد) دول القلب) بملامح حملة تغريب الإنسان في أفكاره ومنهاج تعليمه ، وفي طراز حياته، وفي طعامه وشرابه ، حتى في صورته الظاهرية وشكله الخارجي ، التي أصبحت ظاهرة منتشرة في شباب اليوم الذي يحمل جراثيم التغريب ، باتت هذه القبعات الجديدة تذكرنا بالقبعة التي فرضها أتاتورك على الشعب التركي عندما أعلن أول خطوات الانهزام أمام التغريب عند بدء عصر الانحطاط أول هذا القرن .

المخاوف من العولمة على العالم الإسلامي:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت